العنوان مقتضى الوفاء بالعهد مع رسول الله
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1996
مشاهدات 80
نشر في العدد 1184
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 16-يناير-1996
أما مقتضى العهد بما كان مع النبي الله فإنه يتضمن اتباعه فيما جاء به عن ربه والاقتداء به في سيرته، وتعظيمه وتوقيره، وتأييد أتباعه المؤمنين ومناصرته، وتعزيز أعدائه الكافرين ومنا وأتهم، وتقديم حبه على حب غيره، وحب من أحب وبغض من أبغض، والتمسك بسنته في كل أمر، ورد الشبهة عن الدين وعن الرسول الأمين والصحابة الأكرمين. وأمهات المؤمنين، اللاتي لهن من التوفير والتكريم أكثر من أمهاتنا اللاتي ولدننا، والإكثار من الصلاة عليه، واعتبار ذلك كله هو منهج الحق والخير الذي لا يشقى من تمسك به، ولا يضل من اهتدى بهديه: "فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى" «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشراً ونذيرا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا" "إنا أرسلناك شاهدا ومبشراً ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا" "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله".
ومن مقتضى هذا العهد ألا نقدم كلام أحد من البشر على كلام رسول الله: "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله".
ومن مقتضى هذا العهد أن يسمع المسلمون لرسول الله الله وأن يطيعوه وأن يردوا كل أمر في حياتهم إلى قول الله ورسوله، وبالجملة فكل ما أمر الله به ورسوله الناس فهو عهد بينهم وبين الله ورسوله واجب الوفاء، ودين لا تبرأ الذمة منه بغير الأداء.
وفاء الإنسان بالعهد بينه وبين نفسه
ويأتي العهد بين الإنسان وبين نفسه مما ألزمها به من الطاعات كالحج والصيام، والاعتكاف والقيام والنذر وغير ذلك من ألوان الطاعات التي يلزم الإنسان بها نفسه مما لا يخرج عن إطار الشريعة ومقتضى الوفاء بهذا العهد الا يخل الإنسان بشيء مباح الزم به نفسه، لأنه يصبح مسئولا عنه أمام الله يوم القيامة لقول الرسول: من نذر أن يطيع الله فيلطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وهذا من أمارات صدق النفس، وعلو عزيمتها، لأنها إن قامت بما أوجبته هي على نفسها، فإنها من باب أولى تقوم بما أوجب الله عليها. وبما أوجب الرسول عليها من فرائض الإسلام وسننه ومستحبات، لأن هذه النفس تدرك الا منجاة لها مما عاهدت الله على الالتزام به إلا بأدائه، حتى تكون بمنأى عن عذاب الله وسخطه، فلا يحل عليها ما حل على غيرها حين عاهدت الله فأخلفت موعده ونكثت فكان جزاؤها النفاق وحبوط العمل، وقد صور القرآن الكريم ذلك بقوله: "ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا ما وعدوه وبما كانوا يكذبون".
ثم يأتي الوفاء بكل عقد قطعه الإنسان على نفسه بينه وبين أحد من البشر من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وغير ذلك من الأمور ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣٢/٦).
مقتضى الوفاء بالعهود عامة
ومقتضى الوفاء بهذه العهود أن يثق الناس في تعاملاتهم، وأن يشيع الصدق بينهم، وأن يأمنوا على أنفسهم وأموالهم، وأن تنتفي الخيانة من مجتمعهم وتحل محلها الأمانة وهل يرقى مجتمع من المجتمعات وينهض إلا الأمانة في أفراده، وانتشارها في مجموعه؟
والناظر في حياة بعض المسلمين اليوم يجدهم يقولون مالا يفعلون بوجود وينقضون العهود التي بين الأفراد وبين الله أو بين الأفراد أنفسهم أو بين جماعات المسلمين وطوائفهم، بحسب ما يرونه من مصلحة قريبة قد تظهر لهم حين ينقضون عهودهم مع أن هذا نكث يستحق صاحبه وعيد الله المفهوم من قوله: «فمن نكث فإنما ينكث على نفسه" ويقع عليهم الخسران الوارد في قوله سبحانه: "الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون"، وتحل عليهم لعنة الله وسوء المصير الواردة في قوله سبحانه: "الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار".
وهؤلاء وأمثالهم من ناقضي العهود أيا كان نوعها تكون فضيحتهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد لقول الرسول الله: إذا جمع الله بين الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء يعرف به فيقال: هذه غدرة فلان، (رواه البخاري). وإذا كان هذا عذاب الآخرة فإن عذاب الدنيا واقع لا محالة بالغادرين، حين لا يجدون في قلوبهم غير الخوف على العهود التي فيها مصالح لهم أن تنبذ وحين لا يجدون فيها غير الخيانة للعهود التي لا مصلحة لهم فيها أن ينقضوها هم وكفى بهذا الخوف مغرماً، وكفى به عند الله مأثما.
الغاية الشريفة تتطلب وسيلة شريفة
ولقد وفى رسول الله الله بعقد شارك فيه قبل الإسلام وأعلن أنه لو دعي إليه في الإسلام لأجاب، وقد ذكرنا قصة هذا العهد من قبل.
إنه الإسلام الذي ينظر إلى المكارم والفضائل فيقدرها قدرها ويحترم الوفاء بها ولو قام بها جاهليون قبل الإسلام ولو قام بها غير المسلمين فالأخلاق لا تتجزأ والمكارم والفضائل لا تنقسم ولا تتفرق بحيث تكون تارة محبوبة واجبة الوفاء. وتارة مذمومة غير واجبة الوفاء إن الإسلام لا يعرف هذه التجزئة ولا يعترف أبدا بأن الغاية تبرر الوسيلة، فالغاية الشريفة لابد من الوصول إليها بوسيلة شريفة برضاها الله ورسوله والمؤمنون، والحق هو الحق، والوفاء هو الوفاء، وإن قام به كافرون والتزم به جاهلیون.
لقد ظل حلف الفضول هذا في أذهان المسلمين علامة مضيئة على الوفاء بصرف النظر عن مبتدعيه والظروف التي نشأ فيها، حتى إن بعض التابعين حين وقع عليه شيء من الظلم دعا إلى التمسك بحلف الفضول وناصره وأيده بعض الذين يسوؤهم وقوع الظلم على الناس، فارتد الظالمون عن ظلمهم، وعاد الحق إلى أصحابه.
قال ابن إسحاق: تحامل الوليد بن عتبه على الحسين بن علي في مال له – السلطان الوليد، فإنه كان أميرا على المدينة. فقال له الحسين أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لأخذن بسيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله ثم لأدعون بحلف الفضول، فقال عبد الله بن الزبير وأنا أحلف بالله لئن دعاني لأخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعاً، وبلغت المسور بن محرمة فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الرحمن ابن عثمان بن عبد الله التيمي فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣٣/٦)
وهكذا كان المسلمون حريصين على الوفاء بالعهود كلها في جميع الظروف والمناسبات والأحوال لم ينقضوا عهدًا، ولم يخفروا ذمة فصانهم الله وصارت لهم مكانة عند الأمم عرفت عنهم، بل عرفت من ابناهم لأن المؤمنين يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم.
وأولى بمسلمي اليوم أن يعودوا إلى هذا النهج كاملا لتقوى أنفسهم بالثقة وتقوى شوكتهم في الناس وتقوى كلمتهم عند الأمم فيسعى بذمتهم أدناهم ويكونوا يدا على من سواهم .