العنوان تعقيب على تصريح المصدر الأمني بشأن ميثاق الإخوان المسلمين السوريين .. مقاييس القوة ودلائل الضعف الغائبة
الكاتب زهير سال
تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2001
مشاهدات 141
نشر في العدد 1458
نشر في الصفحة 36
السبت 07-يوليو-2001
ثلاثة أحداث تتابعت في دمشق خلال أيام مضت، تجعل العنق تلتفت بعنف إلى الوراء، أو تتطلع بيأس إلى الأمام، جاء الخبر الأول عن تضييق عُرفي على صحيفة «الدومري» الوليدة التي نتمنى لها طول العمر، والتي ما امتلأت رئتاها من الهواء بعد. وكان الخبر الثاني اختطاف الصحفي وداعية حقوق الإنسان، نزار نيوف.
وبرز الموقف الثالث في تعاطي مسؤول أمني سوري، إعلاميًّا، مع ميثاق الشرف الوطني، الذي أصدرته جماعة الإخوان المسلمين في 3/5/2001م، واعتبرته أوراقًا وطنية أولية مطروحة للحوار..
ربما نترك للقارئ أن يربط تتابع الأحداث، وما سبقها من مثيلاتها، وما يمكن أن يكون قد لحق بها لحين نشر هذا المقال.. ولكن ليس قبل أن تبرز حقيقة نطقت بها هذه الدلائل والأحداث، وهي أن في سورية جهة رسمية رخصت لصحيفة «الدومري»، واعتبرتها أول القطر، وجهة أخرى، قبلت هذا الترخيص على مضض، ثم باتت تعد على الصحيفة الأنفاس.
وجهة أطلقت الصحفي وداعية حقوق الإنسان «نزار نيوف» وأمرت بأن يوصل خط الهاتف إلى بيته، وجهة أعادت اختطاف الصحفي المذكور، وتسترت على هذا الاختطاف، وجهة أعلنت في الخطاب الدستوري الأول، أنها تفهم الديموقراطية على أنها استمداد من الآخر «كل ما يحق للآخرين يحق لي». وفئة تفكر بعقلية «ما فوق أديمها إلا أنا». هذه الحقيقة جوهرية في فهم حقيقة «الموقف السوري» وفي تحديد الأسس الملائمة للتعاطي معه.
وبالعودة إلى تصريح المسؤول الأمني، المتعلق بأوراق الإخوان يلحظ المتابع أن جواب هذا المسؤول عما طرحه الإخوان في 2/5/2001م، يخرج من أرشيف أواسط الثمانينيات!!
الانغلاق على الذات
وهذا وحده جدير بأن يؤكد بأن ثمة انغلاقًا على الذات وانكفاء على الماضي وتحجرًا أمام كل المستجدات العالمية والمحلية الإستراتيجية والسياسية والثقافية. هذا العجز الفسيولوجي، عن استقبال المؤثرات، أو عن الإحساس بها، يذكر إلى حد كبير بـالـرئـيـس الـرومــانــي «شاوشيسكو»، فقد كان وهو يقاد إلى حتفه في الساعات الأخيرة، يسأل السائق الذي بجانبه، أین غاب مستقبلوه من الجماهير؟
ولماذا لا يصفقون؟!! وعندما اقتيد إلى ساحة الإعدام ليُرمى بالرصاص، لم يكن يصدق أبدًا أنه سيموت، فهو قد استقر في أعماق خلاياه الدماغية المتيبسة أنه أكبر من كل ما أتى به الزمان من متغيرات؛ ولذا فقد أصر أن يخرج إلى الحفل الذي توقعه ملبيًّا لطموحاته الزجية، برفقة زوجته لتلقى معه المصير نفسه!!
ثمة نقطة مهمة لم تُلحظ ربما، في ميثاق الإخوان المسلمين، هي أنهم تقدموا بأوراقهم، إلى جميع القوى السياسية في سورية، وإلى الشخصيات السياسية والفكرية والثقافية فيها، ولم يخطر ببالهم أنهم يتوجهون بها إلى المؤسسات الأمنية أو أنهم ينتظرون حوارًا على هذه الأوراق معها. إن واجب الأمني فيما، نقدر أن يتابع بدقة وموضوعية حجم التفاعل «النظري» و«العملي» الذي لقيته هذه الأوراق، وأن يقدم تقريرًا صادقًا لا ساذجًا عن هذا الحجم وربما من المفيد أن يقال إن مهمة الأمني في المجال قد أخفقت وأن موقفه الذي عبر عنه تنقصه المعلومة، أو تنقصه ربما القدرة على التحليل.
التفاعل الإيجابي
إن التفاعل الإيجابي، «ونحن نعتبر كل تفاعل، حتى تصريح المسؤول الأمني، إيجابيًّا»؛ الذي حظيت به هذه الأوراق، كان أكثر مما توقعت وقدرت الجماعة له في بداية الأمر، ونحب أن نؤكد أن أحدًا ممن اتصل بالجماعة، لم يجامل ليعلن استعداده للتوقيع على بياض، وإنما الذي أكده الجميع أن الأوراق الأولية أرضية صالحة للحوار... وإمعانًا من جماعة الإخوان المسلمين في ترك الأبواب مفتوحة على كل الاتجاهات، فإني أقترح أن تعلن تحفظها على قبول أي موقف رسمي، إن لم يكن صادرًا عن جهة سياسية، كانت هي في الأصل بعض من توجه إليه الخطاب.
إن معايير «القوة» و«الضعف»، لا تستند فقط على المقياس «الشاروني» مثلًا.
فنحن في جماعة الإخوان المسلمين، ننظر إلى أطفال فلسطين مع حجارتهم الصغيرة، ومقاليعهم البدائية، وإلى اللاجئين في مخيمات الصفيح يعيشون الأزمات تلو الأزمات؛ ننظر إلى هؤلاء على أنهم الطرف الأقوى في معادلة الصراع فهم الحقيقة الوحيدة الثابتة على الأرض وننظر إلى شارون، وإلى كل آلة الحرب الصهيونية وإلى كل من وراء شارون على أنهم الباطل الزهوق والليل المولي، وإن تطاول حتى ظن امرؤ القيس أنه ليس بمنقض.
فموازين القوة والضعف لا ترتبط «بالماضي» ولا تتوقف عند «اللحظة»، وإنما ترتبط بالسُنة الربانية، وبالإرادة المنفتحة على المستقبل، وبالعزم المنسجم مع إيقاعات الزمان والمكان وما فيهما من مستجدات ومتغيرات.
ويبدو لي أن جماعة إسلامية عقائدية كجماعة الإخوان المسلمين، حين تكون قادرة على إصدار ميثاق شرف وطني، كالذي أصدرته، ثم تتفاعل بكل قواها الداخلية معه على نحو غير مسبوق، لا يمكن أن توصف بضعف، ولا أن يقال إنها تبحث عن مخرج بل إن هذا يؤكد أنها في أوج قوتها وقدرتها على التعامل مع الواقع بفقه المواطنة الصالحة المتجذر في أعماق كل الأخبار من أبناء هذا الوطن، ولعل هذه الحقيقة هي التي استفزت صاحب التصريح فأخرجته عن صمته، وأعادته إلى أوراقه القديمة إلى أواسط الثمانين!!
إن التعرض لكل ما جاء في تصريح المسؤول الأمني، قد يدخلنا وإياه في باب الإثارة، دون أن يفيد الحوار شيئًا، ونحن نحب أن نأخذ أنفسنا بألا تخرج عن أفق الحوار الوطني وآدابه مهما كان حجم الاستفزاز وعمقه، ومع ذلك أجدني مضطرًا للتساؤل: هل غمد «رابين وبيريز ونتنياهو وباراك وشارون» سيفهم الذي يقطر «أمنًا وسلامًا» وأرجو أن يُلحظ أنني قلت سيفهم، وليس سيوفهم، قبل أن يُجلس إليهم في مدريد وواشنطن، وقبل أن يستعجلوا «سلامًا عادلًا وشاملًا ودائمًا..» تحت مظلة ترسانة من أسلحة الدمار الشامل التي يملكون!!
أقول للمصدر الأمني
ربما أريد أن أقول للمصدر الأمني المسؤول، الذي هو شريكي في الوطن «شاء أحدنا أو أبى» أن رأسًا نوويًا، ولو محدودًا، حين يطلقه شارون الأول أو السابع على وسط سورية سيدمر حماة وطرطوس، وسيهلك الحرث والنسل، وسيتسبب بالموت بكل أشكاله لأجيال من أبناء هذا الوطن، لن تميز قذيفة شارون بين شجرة وشجرة ولا بين طفل وطفل، لن يكون لها وقت لتفحص «الهوية»، وإنما ستقتل: عمر وعليًّا وخالدًا وإلياس.. هذه الحقيقة التي أدركها الإخوان المسلمون جيدًا، منذ نشأتهم، وغابت وما زالت عن أذهان الكثيرين وهي التي دفعتهم في عصر بات أكثر سخونة، بمتغيراته وتداعياته وتشابك العوامل المؤثرة فيه، إلى أن يسارعوا إلى طرح أوراقهم، محاولين تجاوز كل المعوقات التي يضعها القاصرون عن الإدراك، وعن تحمل المسؤولية في طريقهم.
لقد ضاع الجولان، سقط في ساعات، ثم ماذا حدث؟ هز اللامسؤولون أكتافهم.. ثم عادوا يتضاحكون لقد نجونا، فقد انتصرنا، وإذا شاء «شريكي الوطني» أن أدله على حجم الأدبيات التي تحدثت عن الهزيمة النصر لفعلت.
أما الحديث عن الجهاد الذي يخيف، وهو حقًّا يخيف ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال:60) فلماذا لا تفتح أمام شباب سحقه الذل، ذل ضبط النفس والاحتفاظ بحق الرد، الأبواب لقد أخبرني «مواطني الأمني» أن الجهاد ينبغي أن يكون موجهًا ضد إسرائيل، وهي نقطة مركزية يبدو أن هذا الحوار قد أنجبها، من غير تنافس على ادعاء السبق فيها.. و«مواطني الأمني» من موقعه يملك أن يفتح الأبواب لمساندة الانتفاضة في الأرض المحتلة بغير الكلام والبيان.. ولو فتحت أبواب الجهاد وبحق لما ارتدت طلقة على صاحبها، ولا أخطأت أخرى تحت تأثير عوامل القهر والكبت والإذلال طريقها.
في القراءة المتأنية للطرح الإخواني، وللتعاطي الأمني تبدو ازدواجية في الموقف تعبر عن تضادية كاملة في الرؤية. فالإسلامي نظر إلى المستقبل، وتعلق به فانفتح وانطلق وأكل واستبشر والأمني نظر إلى الماضي، فانقبض وانغلق وعبس ويسر. ولم تكن مشكلة الماضي عند الإسلامي سهلة أو بسيطة، ولكن موقفه مع قواعده التي حاول الأمني أن يتأرجح عليها منضبط وفق رؤية شرعية، تحكمه ولا يحكمها، تغيره ولا يغيرها، رؤية تجعل «القرح» مهما اتسع، و«الجرح» مهما كان عميقًا، ما دام في جنب الله صغيرًا، فيحتسب ويسترجع، ويعيش فقه الآتي الأجدى والأنفع.
حديث الماضي
أما إذا كان لا بد أن يكون حديث عن الماضي، فربما أجوز المثل العربي فأقول: «أذكرتني الطعن، وما كنت ناسيًا». في الحديث عن الماضي، لن أخوض في تبادل الاتهامات، أو في حديث عن الضحية ومن الجلاد.؟! وسأكون عصيًّا على الاستفزاز، وأقول ربما، وأكرر ربما، لا يقبل «الأمني» أن يفرض نفسه على التاريخ والوطن والموقف «خصمًا وحكمًا» «قاضيًا وجلادًا»، ولذا فإنني في هذا المقام أدعوه أمام الرأي العام الوطني والعربي إلى الكلمة السواء، أدعو إلى أن توضع ملفات الوطن جميعًا، وملفات الإخوان المسلمين بشكل خاص على منصة قضاء وطني عادل ونزيه وليقل هذا القضاء كلمته التي ينبغي أن تذعن لها الرقاب.
أما الحديث عن أزمة «المال» و«أزمة المكان»، فكم طاب خبر الحرية مع ترب الأرض، وكأني بمن يشير إلى الضيق والحاجة، لا يدري ولا يريد أن يدري أنها أزمة رافقت الغربة، ونمت معها، فلا جديد فيها إلا ما تُنشئه الأهواء وفي أزمة المكان، فربما غاب عنه أن كل مكان ينبت العز طيب. وربما ذكرنا رسل قريش إلى النجاشي، عندما قال أحدهم للآخر لأحدث الملك غدًا حديثًا أستأصل به شافتهم، فأجاب الآخر «الجاهلي» الأمثل طريقة ويحك فإن لهم قرابة ورحمًا!!
وألف وسام على صدر الدبلوماسية الأمنية التي تفتخر أنها انتصرت لا في استرداد الجولان، وإنما في حرمان شاب معارض أبوه، من مقعد في جامعة، وفي مطاردة طفل في العاشرة من حقه في تعليم أساسي، أو في إرغام مواطن سدت في وجهه الأبواب، وضاقت به السيل على أن يجلس على كرسي في سفارة ليكتب عن نفسه.. أنا المجرم التائب.. أقر وأعترف فألف تهنئة للقادة العظام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل