; مقامات رمضانية (٤)- صائم في مقام السماع | مجلة المجتمع

العنوان مقامات رمضانية (٤)- صائم في مقام السماع

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 12-سبتمبر-2009

مشاهدات 63

نشر في العدد 1869

نشر في الصفحة 54

السبت 12-سبتمبر-2009

● السماع القرآني أسلوب أهل المعرفة بالله والاستقامة على صراطه

● رمضان شهر سماع القرآن إدراكا وفهما واستجابة ... والابتعاد عن كل ألوان اللغو واللهو

● السماع أصل العقل ورسول الإيمان إلى القلب وداعيه ومعلمه

طنين.. طنين.. يملأ الآذان صخبا والحياة ضجيجا.. ألوان من الغناء، وأشكال من الموسيقى، وطرائق من اللغو، ودروب من الحديث والتخاطب والشعر والتمثيل والصراخ والهتاف موجات من أصوات الهراء والضلال والباطل تملأ الأثير.. وتكاد تخنقه أو تصمه حيث أطلق ستة آلاف قمر صناعي تدور حول الأرض، ما زال نصفها يعمل... وتلتقط آلاف المحطات...

حان الوقت ليصمت كل ذلك العدد الهائل، جاء رمضان شهر القرآن ليسمع القرآن وحده وهو سماع الآيات، لا سماع الأبيات، وسماع القرآن، لا سماع مزامير الشيطان، وسماع كلام رب الأرض والسماء لا سماع قصائد الشعراء، وسماع المراشد لا سماع القصائد وسماع الأنبياء والمرسلين، لا سماع المغنين والمطربين.

● سماع إدراك وفهم وإجابة

 حان الوقت للسماع الإيماني.. سماع القرآن سماع إدراك، وسماع فهم، وسماع إجابة، كما يقول ابن القيم في مدارج السالكين: سماع الإدراك تجده في قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) ﴾ (الجن)، وقوله: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (30) ﴾ (الأحقاف)، فهذا سماع إدراك اتصل به الإيمان والإجابة. وأما سماع الفهم فهو المنفي عن أهل الإعراض والغفلة ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصَّمَ الدُّعَاءِ إِذَا وَلَوْا مُدْبِرِينَ (الروم)، ﴿ولو علم اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُم مُعْرِضُونَ (الأنفال). وأما سماع القبول والإجابة ففي قوله تعالى حكاية عن عباده المؤمنين أنهم قالوا ... ﴿وقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبِّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥﴾ (البقرة)، فإن هذا سماع قبول وإجابة مثمر للطاع. فهذا السماع حاد يحدو القلوب إلى جوار علام الغيوب، وسائق يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح، فلا يعدم من اختار هذا السماع إرشادا لحجة، وتبصرة لعبرة وتذكرة لمعرفة، وفكرة في آية، ودلالة على رشد وبصيرة من عمى، وأمرا بمصلحة ونهيا عن مضرة ومفسدة، فمن قرئ عليه القرآن فليقدر نفسه كأنما يسمعه من الله يخاطبه به وعندئذ تزدحم معاني المسموع ولطائفه وعجائبه على قلبه. 

● رسول الإيمان

والسماع رسول الإيمان إلى القلب وداعيه ومعلمه، وكم في القرآن من قوله ... ﴿إن في ذلك لآيات أفلا يَسْمَعُونَ  (السجدة)، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكن تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ (الحج).

فالسماع أصل العقل وأساس الإيمان الذي ابتني عليه، وهو رائده وجليسه ووزيره ولكن الشأن كل الشأن في المسموع. 

وكان النبي ﷺ  يحب أن يستمع للقرآن ففي البخاري عن عبدالله بن مسعود را قال: قال لي رسول الله : «اقرأ علي». فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية : ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا ، فقال: «حسبك الآن»، فإذا عيناه تذرفان. وفي صحيح مسلم، قال رسول الله ﷺ لأبي موسى: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود».

كذلك الاستماع لقراءة الصلاة، فإن أبا موسى قام ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي ﷺ صوته، وكان حلو الصوت، فقمن يستمعن فلما أصبح، قيل له، فقال: لو علمت لحبرته لهن تحبيرا. على شرط مسلم).

وأصحاب السماع منهم من يسمع بطبعه ونفسه وهواه، فهذا حظه من مسموعه ما وافق طبعه.

ومنهم من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته وعقله، فهذا يفتح له من المسموع بحسب استعداده وقوته. ومنهم من يسمع بالله لا يسمع بغيره فبي يسمع، كنت سمعه الذي يسمع به.

وهذا أعلى سماعا وأصح من كل أحد . وفي الحديث القدسي إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته (البخاري).

هذا السماع القرآني سماع أهل المعرفة بالله والاستقامة على صراطه المستقيم ويحصل للأذهان الصافية منه معان وإرشادات ومعارف وعلوم، تتغذى بها القلوب المشرقة بنور الأنس، فيجد لها لذة روحانية يصل نعيمها إلى القلوب والأرواح، وربما فاض حتى وصل إلى الأجسام فيجد من اللذة ما لم يعهد مثله من اللذات الحسية.

مباشرة القلب

فإذا تجردت الروح وكانت مستعدة وباشر القلب روح المعنى، وأقبل بكليته على المسموع فألقى السمع وهو شهيد. وساعده طيب صوت القاري، كاد القلب يفارق هذا العالم، ويلج عالما آخر، ويجد له لذة وحالة لا يعهدها في شيء غيره البتة.

وذلك لمحة من حال أهل الجنة في الجنة، واقتراب للملائكة من أهل الأرض كما جاء عن أسيد بن حضير بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوط عنده، إذ جالت الفرس، فسكت فسكتت فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكتت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبا منها. فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال:اقرأ يابن حضير اقرأ يابن حضير، قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: «تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم (البخاري).

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ  أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾ (الرعد). أصح القولين أن ذكر الله ها هنا القرآن، وهو ذكره الذي أنزله على رسوله، به طمأنينة قلوب المؤمنين، فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن والقول الآخر هو ذكر العبد ربه.

قال الحسن البصري رحمه الله : تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق ..

الرابط المختصر :