العنوان مقال دعوة الشعوب للقيام بواجبها في المقاطعة الاقتصادية
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1994
مشاهدات 61
نشر في العدد 1098
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 03-مايو-1994
تزداد الضغوط من كل جانب على حكومات الدول العربية لإلزامها بوقف
المقاطعة العربية إسرائيل لإسرائيل أو إلغائها أو تخفيفها، ونحن نرى بعض
الحكومات تواجه هذه الضغوط الأجنبية وحدها وكل ما تفعله الحركات الشعبية هو
مطالبتها برفض هذه الضغوط وعدم الخضوع لها، لكنها لا تقوم من جانبها بواجبها كما
ينبغي عليها، ونعتقد أن الشعوب والأفراد يجب عليهم الآن أن يأخذوا من جانبهم زمام
المبادرة لتنظيم عملية المقاطعة الشعبية الاقتصادية بصورة جماعية مباشرة.
إن هذه المقاطعة الشعبية تدعم موقف الحكومات وتقوي مركزها وتخفف
الضغوط الموجهة إليها متى تبين لأعدائنا أن إلغاء المقاطعة الحكومية الذي يريدون
فرضه لن يفيدهم ولن يلزمنا أفرادًا أو جماهير بشراء هذه البضائع التي يصدرونها
لنا، وأن المقاطعة الشعبية ستسد أمامهم الطريق الذي يريدون فتحه لاختراق جدار
الحصار الذي بنيناه حول عدونا وفضلًا عن ذلك فإنها تساعد شعوبنا على الاعتماد على
نفسها وتنمية اقتصادها للوصول إلى الاكتفاء الذاتي.
إن العالم الآن في مرحلة جديدة أصبحت فيه المصالح الاقتصادية والمالية
هي العامل الأول في العلاقات الدولية، صارت الدول الكبرى تحتكر السيطرة العالمية
وتتخذها وسيلة لتنمية ثرواتها على حساب الشعوب الأخرى، ونجحت في فرض ما يسمى
باقتصاد السوق الذي تعتبر اتفاقيات الجات عنوانًا لما تميز به، وخاصة إلزام الدول
بعدم فرض رسوم جمركية لحماية مشروعاتها وصناعاتها الناشئة، وعدم تقديم دعم مالي
لمنتجاتها الوطنية، وبذلك جرد الاقتصاد الوطني من كل حماية وأصبح مجردًا من كل
سلاح يدفع به غزو السوق المحلي من جانب منتجات الدول الغنية التي تتمتع بجميع
الميزات لاكتساح السوق الوطني والقضاء على الإنتاج المحلي الناشئ الضعيف.
لقد تحولت الشعوب الصغيرة والدول الناشئة إلى مجرد مجتمعات استهلاكية
وسوق لبضائع الدول المتقدمة ومنتجاتها، سواء كانت زراعية أو صناعية، وتفرض عليها
التبعية والخضوع لقرارات الدول الصناعية، سواء في النواحي الاقتصادية والمالية أو
النواحي السياسية والعسكرية، وهذا هو الاستعمار الجديد الذي تواجهه الشعوب الصغيرة
الناشئة إذا استسلمت له ولم تجد وسيلة لمقاومته.
وقد فرضت الدول الكبرى سيطرتها على المنظمات الدولية والمجتمع الدولي
لدرجة جعلت حكومات الدول الأخرى مضطرة لتنفيذ ما تفرضه عليها، ولا يمكنها مواجهة
ضغوط الدول الكبرى والمنظمات الدولية التي تسيطر عليها إلا إذا تحركت جماهير
شعوبها وفرضت إرادتها وتحملت مسؤوليتها ووقفت مواقف حاسمة دون حاجة لتورط الحكومات
في تحمل مسؤولية المواقف الشعبية أو التصادم معها.
في نظرنا إن السلاح الوحيد الذي نلجأ إليه هو «المقاطعة الشعبية»
لأنها هي التي تمكن الشعوب الصغيرة والناشئة من الدفاع عن منتجاتها وصناعاتها
المهددة بالغزو الاقتصادي الذي تمارسه الدول الكبرى والغنية التي تتبع سياسة
الإغراق لإبادة المشروعات الوطنية سواء كانت زراعية أو صناعية.
إن بعض فصائل التيار الإسلامي قد دفعها اليأس والإحباط الذي تواجهه
إلى السير في طريق العنف لمقاومة السلطة المحلية والوطنية بحجة أنها تخضع لإرادة
القوى الأجنبية المعادية أو أنها تنفذ قرارات تفرضها عليها القوى الكبرى، بل إن
البعض يعتبرها مجرد عميل للقوى الأجنبية التي تفرض سيطرتها على بلادنا وعلى العالم
كله، لكن هذا الطريق يغرق مجتمعنا في مستنقعات الفتن الداخلية التي لا تنتهي،
وتؤدي إلى أي نتيجة تهدد أمتنا بالتمزيق والانهيار الشامل الذي لا يمكن الخروج
منه.
لقد حاول كثيرون أن يدعوا جميع الأطراف إلى الاحتكام إلى العقل
والحكمة والحوار لوقف هذا النزيف الذي يهدد مجتمعنا، لكن هذه الدعوات لم تنجح.
ونعتقد أن القوى الأجنبية لديها أعوان في بعض البلاد تسخرهم لإحباط كل
محاولة للمصالحة الوطنية بين الحكومات ومعارضيها بل ولزيادة حدة المصادمات والعنف
من الجانبين الذي يصل لحد الحرب الأهلية، ذلك أن استمرار الفتن يضعف الدول الصغيرة
ويزيد الحكومات اضطرارًا لطلب المساعدات والقروض والخضوع للشروط التي تفرضها القوى
الأجنبية التي تفرض وصايتها عليها مقابل ذلك، أي أنها تحقق أهداف القوى الأجنبية
المعادية للطرفين ولشعوبنا وأمتنا.
لهذا فإننا نعتقد أن العناصر التي تتورط في العنف والفتنة يمكن أن
تستجيب لدعوة العدول عن طريق العنف إذا فتح أمامها طريق المقاومة السلمية وهو يبدأ
في نظرنا بالمقاطعة الشعبية الاقتصادية لمواجهة طغيان القوى الأجنبية المعادية
التي يعتقدون أنها هي التي تسخر السلطات المحلية لتنفيذ سياستها المعادية لنا في
جميع قضايا العالم العربي والإسلامي سواء في فلسطين أو البوسنة أو كشمير أو
الصومال أو السودان أو اليمن أو الجزائر أو مصر أو غيرها من بلاد العالم الإسلامي.
إن الدعوة للمقاطعة الشعبية لها مزايا اقتصادية وسياسية تبرر المساعدة
بإعداد الأفراد والجماهير لها والاعتماد على العقيدة والقيم الإسلامية والوطنية في
التخطيط لها وإعداد جهاز فني من الخبراء لتوجيه القيام بواجبها بإخلاص وعزم يزداد
كلما وجدت قيادة تكون محل ثقتها وقدوة لها.
هذا هو الجهاد الذي يفرضه علينا واقع المجتمع العالمي الآن، حيث أصبح
الاقتصاد والمال هو محور العلاقات الدولية وأصبحت الشعوب ملزمة بأن تدعم موقف
دولها وحكوماتها بمواقف شعبية حازمة وصامدة والمسلمون والعرب هم أشد الناس حاجة
لذلك في هذه الأيام.
أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل