العنوان مقال: تطبيق الديمقراطية: قراءة في الفشل وإمكان النجاح
الكاتب غازي التوبة
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-2000
مشاهدات 85
نشر في العدد 1400
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 16-مايو-2000
■ النقل الحرفي للديمقراطية كنظام سياسي كان نتيجة خطأ أسبق هو النقل الحرفي للقومية الغربية ونفي اعتبار الإسلام عاملًا من عوامل بناء الأمة
ارتفع خلال السنوات الماضية كثير من الأصوات، التي تدعو إلى تطبيق الديمقراطية، وإلى الأخذ بمبدأ السوق، وتوسيع الحريات الاقتصادية، وإلى الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان، ودعت هذه الأصوات إلى التزام المواثيق الدولية ومؤسساتها ومعاييرها في تطوير حياتنا على كل الأصعدة من أجل أن نستطيع تأهيل ذاتنا لدخول عصر العولمة.
وقد يتبادر إلى بعض الأذهان أن الدعوة الديمقراطية والحرية الاقتصادية والمناداة بحقوق الإنسان دعوة جديدة تناولتها أقلام المتخصصين لأول مرة، لكن الحقيقة أن كل تلك المفردات تناولتها الأقلام سابقًا في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فقد دعا بعض الكتاب في القرن التاسع عشر الخلافة العثمانية إلى إصدار وثيقة تقر بحقوق الإنسان، ودعوا إلى تحرير اقتصاد الخلافة من القيود الاقتصادية المختلفة وربطه باقتصاد السوق، كما دعوا إلى إقرار دستور للبلاد يحدد الحقوق والواجبات لكل المستويات في الخلافة العثمانية، كما دعوا إلى القيام بإجراءات ديمقراطية تتمثل بإقرار انتخابات وإنشاء برلمان يصدر التشريعات المناسبة لمختلف شؤون الخلافة، وقد مارست الدول الأوروبية الضغوط من أجل تحقيق ذلك وتنفيذه، وقد استجابت القيادة العثمانية لتلك الضغوط الداخلية والخارجية فأصدرت «خط كلخانة» في الثالث من نوفمبر عام ١٨٣٩م، الذي يعتبر بمثابة إعلان حقوق الإنسان في الخلافة العثمانية، كما أصدرت «الخط الهمايوني» الشريف في ١٨ فبراير عام ١٨٥٦م، الذي ألحق اقتصاد الخلافة العثمانية باقتصاد السوق، كما أصدرت دستورًا عام ١٨٧٦م نص على وجود مجلس النواب وآخر للأعيان وعلى انتخابات تشريعية، وبالفعل فقد جرت عدة انتخابات في أوقات متعددة وصدرت عن المجلس التشريعات المناسبة، التي تعالج أوضاع الدولة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية... إلخ.
وقد كانت هناك تجارب مماثلة في مصر في القرن التاسع عشر في الدعوة إلى الديمقراطية، وتحرير الاقتصاد، وإقرار حقوق الإنسان...إلخ، خلال فترة حكم محمد علي باشا وأولاده وأحفاده، التي ابتدأت عام ١٨٠٥م، فقد صدرت تشريعات وأحكام وقوانين تتعلق بإقامة مجلس الشورى، وإجراء انتخابات، وإقرار تعليم المرأة، وفتح مدارس خاصة بها ... إلخ، ومادمنا في صدد استعراض التجارب الماضية في القرن التاسع عشر، فلا بد من الإشارة إلى تجربة خير الدين التونسي في تونس، الذي أقر دستورًا في عام ١٨٦٠م، أقام على أساسه مجلسًا للشورى.
أما في القرن العشرين، فقد انتشرت بعد الحرب العالمية الأولى تطبيقات بدرجات متفاوتة للديمقراطية وحرية الأحزاب، وإنشاء البرلمانات، وحرية الصحف، وحرية السوق، شملت العراق ومصر وسورية ولبنان...إلخ، ثم ازدادت بعد الحرب العالمية الثانية عندما استقلت وتحررت من الاستعمار الأوروبي في الخمسينيات والستينيات دول عربية أخرى.
إذن ليست الدعوة إلى تطبيق الديمقراطية وحرية السوق والأخذ بحقوق الإنسان جديدة كل الجدة على واقعنا الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بل هي مفردات مطروقة منذ القرن التاسع عشر، بل وأخذت طريقها إلى التطبيق في معظم أنحاء العالم العربي؛ لذلك فمن الواجب على الداعين إلى الأخذ بها الآن أن يدرسوا تلك التطبيقات، ويبحثوا عن الأسباب التي جعلت تلك القيم والمبادئ لا تصبح جزءًا من تكوين المجتمع وبيئته، بل بقيت شيئًا خارجيًّا غير متجذر في واقعه، ويمكن أن تمثل على ذلك الفشل بدولتي العراق ومصر، فهما دولتان كبيرتان نسبيًّا، وقد استقلتا بعد الحرب العالمية الأولى في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم دخلتا عصبة الأمم بعد الاستقلال، وقد أخذت كل منهما بالنظام الديمقراطي وحرية اقتصاد السوق، فقد صدر في مصر دستور عام ١٩٢٣م، الذي أقر حرية الصحافة، وسمح بتشكيل الأحزاب، وأوجب إجراء الانتخابات البرلمانية، وجعل الوزارة مسؤولة أمام البرلمان، وفصل بين السلطات، وقد ترأس سعد زغلول العائد من المنفى الوزارة عام ١٩٢٤م، ثم ترأس البرلمان عام ١٩٢٦م، وقد حدث الشيء نفسه في العراق، حيث صدر دستور عام 1923م، الذي نظم العلاقة بين السلطات الثلاث، لكننا نجد أن الأوضاع انقلبت في كلا البلدين في ستينيات القرن العشرين إلى الضد فيما كانت عليه، فألغيت الديمقراطية ونظام حرية السوق، وانتقل البلدان إلى نظام دكتاتوري اشتراكي مورست فيه أقصى انتهاكات لحقوق الإنسان، فما الذي أدى إلى هذا الفشل؟ وما الذي جعل تلك المبادئ لا تصبح جزءًا من واقع المجتمع وتكوينه؟.
الأرجح أن أحد الأسباب الرئيسة في فشل تلك المبادئ هو النقل الحرفي لصورتها الغربية دون أدنى مراعاة لمنظومة أمتنا الثقافية وشخصيتها الحضارية، وفي هذا تجاهل أن الديمقراطية ككل نتاج اجتماعي وليد عدة ظروف اقتصادية ودينية وسياسية خاصة؛ لذلك يجب أن نراعي عند إعادة تطبيقها المنظومة الثقافية والشخصية الحضارية لساحة التطبيق، وهذا بكل أسف لم تقم به القيادات القومية التي كانت تقود بلادنا العربية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، بل طبقت الديمقراطية بصورتها الحرفية التي كانت موجودة عليها في أوروبا، ويمكن أن يتضح لنا خطأ القيادات القومية إذا قارنا فعلها بفعل قيادات أخرى إزاء تطبيق الديمقراطية وهي إسرائيل، فعندما طبقت إسرائيل الديمقراطية راعت الجانب الديني التوراتي في حياة الشعب اليهودي، وكانت التشريعات متفقة مع القيم الدينية، التي يطرحها الدين اليهودي كعطلة السبت، وإيجاب عدم العمل في هذا اليوم، والسماح للأحزاب الدينية بالنشاط السياسي، ورعاية المدارس الدينية والإنفاق الحكومي عليها، وتقدير رأي رجال الدين في الشؤون العامة.. إلخ.
ويتضح لنا خطأ القيادات القومية مرة ثانية عند تطبيقها الحرفي للاشتراكية الشيوعية في ستينيات القرن العشرين؛ حيث روجت لكل المبادئ التي تعادي الدين، وتصطدم به اصطدامًا كاملًا، وتستهدف اقتلاعه من واقع المسلمين.
ويتضح لنا حجم هذا الخطأ إذا قارناه بموقف قيادة إسرائيل من التطبيق الاشتراكي، الذي تجسد في الكيبوتز والموشاف، وهي قرى ومستوطنات تأخذ بالنهج الاشتراكي الشيوعي، لكنها لم تطبق الاشتراكية الشيوعية حرفيًّا، بل قامت بعملية فرز للاشتراكية الشيوعية، وأخذت منها ما لا يتعارض مع ميراثها الديني، وكان منها المبادئ التالية: الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، تأميم المرافق العامة، الحياة الجماعية المشتركة... إلخ، وإني لأبدي أسفي لاستشهادي بإسرائيل مرتين، ولكنها المفارقة المؤلمة التي تجعل الدارس لا يستطيع السكوت عليها، وهي أن تحترم قيادات إسرائيل ميراثها الديني، في حين لا تفعل ذلك القيادات القومية العربية.
لم يكن النقل الحرفي لجوانب من الديمقراطية الغربية أو الاشتراكية الشيوعية، هو الخطأ الوحيد الذي وقعت فيه القيادات القومية في بلادنا العربية بل ربما كان هذا الخطأ نتيجة خطأ آخر، وهو نقل القومية بصورتها الحرفية كما جاءت في الغرب، فقد اعتبرت تلك القيادات القومية أن الأمة تتكون بتأثير عناصر اللغة والتاريخ أو بتأثير عنصر المكان... إلخ، لكنها لم تعتبر الدين عنصرًا من عناصر بناء الأمة وبالذات الدين الإسلامي، مع أن دراسة أحوال منطقتنا العربية يجعلنا نقول: إن الدين الإسلامي عامل رئيس في بناء الأمة، التي تقطن العالم العربي إن لم يكن العامل الوحيد في وجودها، فهو الذي وحد ثقافتها وقيمها وموازينها وعاداتها وتقاليدها ولغتها واقتصادها وأجناسها إلخ. إن هذا الخطأ في تقدير دور الدين الإسلامي في بناء أمتنا مع وضوح ذلك الدور كان مرده إلى نقل النظريات الغربية، في بناء الأمم وتطبيقها على واقعنا دون أدنى مراعاة لهذا الواقع، ودون النظر المستقل إليه بمعزل عن النظريات الغربية.
وطالما أن بلادنا مدعوة إلى تطبيق الديمقراطية، ولكي لا نكرر الأخطاء السابقة علينا أن نتعامل تعاملًا جديدًا مع الديمقراطية يقوم على تحليل المبادئ والقيم والآليات، التي تقوم عليها هذه الديمقراطية، ثم تعرضها على منظومة أمتنا الثقافية وشخصيتها الحضارية، فنقر ما يتوافق معها ونرفض ما يتعارض معها، ففي حال التحليل والتفكيك للديمقراطية نجد أنها تقوم على المبادئ والقيم والآليات التالية: نسبية الحقيقة، وحاكمية الجماهير، والتحليل والتحريم حسب الأهواء والمصالح، والشورى بين الحاكم والمحكوم، ومشاركة الأمة للحاكم في اتخاذ القرار، وتبادل الرأي بين جماهير الأمة في اختيار القرار المناسب، ومحاسبة المسؤولين والتشاور، من أجل وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.. إلخ، وعند استعراض العناصر السابقة نجد أن بعضًا منها يتعارض مع ديننا الإسلامي الذي هو أصل منظومتنا الثقافية وشخصيتنا الحضارية، ومن هذه العناصر المتعارضة: نسبية الحقيقة التي تتعارض مع النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة، وحاكمية الجماهير التي تتعارض مع حاكمية الله – تعالى -، والتحليل والتحريم حسب الأهواء والمصالح، الذي يتعارض مع التحليل والتحريم حسب الشريعة، أما بقية العناصر الديمقراطية وآلياتها التي أشرنا إليها سابقًا فهي لا تتعارض مع ثوابت ديننا الإسلامي، بل هي في بعض الأحيان من مبادئ الدين الإسلامي: إيجاب الشورى بين الحاكم والمحكوم، واعتبار الانتخاب وسيلة لشرعية الحاكم، وتقنين الوسائل التي تحاسب المسؤولين ... إلخ.
رأينا فيما سبق أن القيادات القومية نقلت الديمقراطية الغربية نقلًا حرفيًّا دون أدنى اعتبار لمنظومة الأمة الثقافية وشخصيتها الحضارية، وقد أدى ذلك النقل الحرفي إلى نتائج سلبية على المستوى الحضاري؛ لذلك فالأمة الآن مدعوة إلى تعامل جديد مع الديمقراطية يقوم على إعادة النظر في قيمها ومبادئها وآلياتها على ضوء منظومة أمتنا الثقافية وشخصيتها الحضارية المنبثقة عن ديننا الإسلامي، والأخذ بما يوافق هذه المنظومة وإبعاد ما يخالفها.
السياسة والمصالح:
بقلم: د. علي الحمادي.
يتكلم بعض الناس في اجتهادات بعض الدعاة ومواقفهم السياسية، ويتهمونهم بالتناقض والميوعة والمداهنة، وسبب ذلك أن هؤلاء «ومنهم بعض الصالحين» لم ينتبهوا إلى أن المسلم غير مكلف بما لا يطيق، وأن السياسة ما هي إلا ترجيح بين المصالح، بل إن مدار الشريعة قائم على ذلك.
يقول الإمام ابن تيمية في (السياسة الشرعية، ص: ٥٣): «إن مدار الشريعة على قوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16) المفسر لقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 10٢)، وعلى قول النبي ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ورفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع».
ويقول كذلك الإمام ابن تيمية (السياسة الشرعية، ص:١٤٢): «فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات، واجتناب ما يمكنه من المحرمات لم
يؤاخذ بما يعجز عنه».
إن الحقيقة التي ينبغي للمسلمين أن يدركوها أن الدعاة إلى الله لا يملكون زمام الأمور كلها، بل تحيط بهم أخطار كثيرة، ورب موقف واحد يتخذونه قد تتعرض بسببه الدعوة الإسلامية والدعاة إلى أزمات كثيرة.
لذلك فإنهم في الغالب يجتهدون في أمورهم، ويرجحون بين المصالح، ويسعون إلى درء أكبر المفاسد، وكل ذلك من أجل حفظ دعوة الله من أن يمسها ما يجعلها عاجزة عن القيام بواجبها تجاه هذا الدين، وهم بعد ذلك غير مطالبين شرعًا عما عجزوا عنه.
إن الذي يجلس على أريكته، والذي لاهم له إلا القراءة والتعلم «رغم أهمية ذلك» في الأماكن المريحة الأمنة، دون أن يقارع الظلم والظالمين ودون أن يخوض معترك الحياة العملية ليواجه الانحراف بشتى أنواعه، وهو يدب في جسد هذه الأمة، أقول: من كان هذا حاله، فإنه يصعب عليه أن يدرك أبعاد الاجتهادات السياسية للدعاة.
ولذلك لما خاض بعض المنتقدين المعتركات السياسية، وواجهوا الواقع المرير، اضطروا إلى اتخاذ المواقف والاجتهادات التي اتخذها من كانوا ينتقدونهم من قبل ويتهمونهم بالميوعة والتناقض والانحراف.
يقول صاحب (العوائق، ص ۳۲۳): «ويتداول حديث عن أخطاء سياسية ترتكبها القيادات، وما هي بأخطاء في حقيقتها لمن أمعن النظر، لكنه تفضيل بين المصالح واتباع لقاعدة الفقهاء في الحرص على أكبر المعروفين عند تعارضهما، ولو بتفويت أدناهما، واحتمال أيسر المفسدتين العارضتين لإبعاد أعظمهما وأكبرهما».
وأغلب هذه المواقف المنتقدة على الحركة مخرجة على هذه القاعدة في الموازنة بين مراتب المعروف والمنكر ودرجات المصالح والمفاسد، فما من تعاون مع حزب معيب، أو تصريح بثناء على فعلة حسنة من حاكم لم يتم إسلامه، أو ما شابه ذلك، إلا وللقيادات فيها تأويل مستخرج وفق هذا الإفتاء.
ولا ندعي أن كل هذه التصرفات المعتمدة على هذه القاعدة كانت صوابًا دومًا في نتائجها، فإن ذلك ليس ركنًا في توثيق المسلم إنما هو يجتهد في باب السياسة، كما في غيرها، فيصيب ويخطئ تبعًا لمدى فراسته وطويل تجربته، إنما الركن المهم هو أن هذا التأويل والاجتهاد يستند إلى أقوال معتمدة في مذاهب أعيان الفقهاء القدماء.
يحسن بنا أن نفهم هذه القاعدة التي سطرها علماؤنا من قبل، وأن نعذر إخواننا في اجتهاداتهم السياسية، وإذا لم نتفق مع اجتهادهم فينبغي أن ندخلهم في دائرة الخطأ والصواب لا دائرة التفسيق والتضليل وشتان بين هاتين الدائرتين.