; مقال الأسبوع.. من قتل بطرس غالي؟ | مجلة المجتمع

العنوان مقال الأسبوع.. من قتل بطرس غالي؟

الكاتب عبدالعظيم محمود الديب

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1993

مشاهدات 100

نشر في العدد 1056

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 06-يوليو-1993

ردا على تزييف غالي شكري

صدر للدكتور الناقد الأدبي غالي شكري كتاب بعنوان «المثقفون والسلطة» وأشاد به النقاد واحتفوا به وليس لنا من ملاحظة على ذلك، ولن نناقش الكتاب ولن نقف أمام ما جاء به، فذلك أمر شرحه يطول، وما أحسبه يفوت على فطنة القراء –إن وجد قراء- ولكني فقط أمام سطور منه، حيث أذاعها أحد «المنوهين» بالكتاب في صحيفة سيارة، يذيع ما يكتب فيها بين الناس. وأعني بذلك قوله «كانت الجامعة الوطنية حديثة النشأة آنذاك، بعد سنوات طوال من رسوخ فكر الجامعة الإسلامية، وبعد صراعات طائفية وصلت إلى حد اغتيال بطرس باشا غالي عام 1910م على يد الورداني من الحزب الوطني، وإلى عقد المؤتمر القبطي في أعقاب ذلك، ثم الرد عليه بمؤتمر المسلمين، مما أشاع جوًا من التوتر، لعبت فيه العديد من العناصر دورًا سلبيًا، وفي مقدمتهم الشيخ عبد العزيز جاويش، من الحزب الوطني.. هذا ما قاله الدكتور غالي شكري بنصه: ولا أريد –هنا- أن أتناول غمزه للمؤتمر، والعناصر التي لعبت دورًا سلبيًا، التي لم يتذكر منها إلا العالم الوطني الغيور الشيخ عبد العزيز جاويش، ونسي العناصر التي طعنت وطنها في الصميم واستعانت بالمحتلين ونشرت في صحف الغرب طعنًا في وطنها واستعداء عليه، كما نسي «العناصر» التي تجنست بجنسيات أجنبية.. و«العناصر» التي كانت تعمل وكلاء لقناصل الدول الاستعمارية و«العناصر» التي أبدت خطاب تيودور روزفلت رئيس الولايات المتحدة الذي أهان فيه مصر والمصريين!!! نعم نسي غالي شكري كل ذلك ولم يذكر إلا الشيخ الجليل والوطني الأصيل عبد العزيز جاويش. لا أريد أن أتعرض لذلك، فالوطن اليوم في حاجة منا إلى أن نصفح ونعفو عن كثير.

اغتيال سياسي لا طائفي

ولكني فقط أقف أمام قوله «وبعد صراعات طائفية وصلت إلى حد اغتيال بطرس باشا غالي عام 1910م».. أقف أمام هذه العبارة، وأتساءل: ماذا يفهم منها القارئ؟

وأدعو كل قارئ أن يعيد قراءتها عدة مرات، ليرى ماذا تفيد هذه الجملة؟ أليس يفهم منها أنه قد حدثت بمصر صراعات طائفية اشتدت وتفاقمت حتى صار الاغتيال من وسائلها، ووصل الأمر إلى اغتيال بطرس باشا غالي أكبر رأس قبطي في ذلك الوقت «كان رئيسًا للوزارة يومها». وبعبارة موجزة ألا يفهم من كلام الدكتور غالي شكري أن بطرس غالي قتل على الهوية، أي قتل لأنه مسيحي. لنفترض أن هذا صحيح ثابت!!

فما الداعي لإثارته الآن؟ بعد مضي نحو قرن من الزمان؟ ألا يدخل ذلك تحت طائلة القانون الجديد الخاص بحماية الوحدة الوطنية في مصر، وإدانة كل من يحاول إثارة أحقاد أو ضغائن؟ ألا يدخل ذلك في باب إحياء الثأر، وإشعال الفتنة؟ هذا كله على فرض صحته. فما بالك إذا كان هذا تزييفًا للواقع، ودسًا للسم في الخفاء، ففي مهارة وخفة كان يفعل المستشرقون ومن لف لفهم «يكتبون كلامًا كثيرًا من المسلمات الصحيحة التي لا اعتراض عليها، ثم في مهارة وحنكة مردوا عليها، يدحرجون جملة في ثنايا الكلام، فيها سم قاتل، تمر مرًا خفيفًا ناعمًا، لا يشعر بها القارئ، إلا وقد امتزجت بدمه» وكذلك فعل!!

والآن نحاكمه إلى وقائع التاريخ الثابتة التي تؤكد أن بطرس باشا غالي، لم يقتل في فتنة طائفية، وإنما قتل في قضية سياسية، كما قتل أمين باشا عثمان، وكما تعرض الخديوي عباس حلمي، ولم يكن أي منها مسيحيًا. قلت أمين عثمان وهو مسلم لأنه تحدى مشاعر الأمة حين قال: إن العلاقة بين مصر وإنجلترا علاقة أبدية لا انفصام لها فهي زواج كاثوليكي لا طلاق فيه. قتل على هذه الكلمة وكان من قتلته الرئيس محمد أنور السادات، وما أظن ذلك يغيب عن غالي شكري!!

يحكي المؤرخ أحمد شفيق في: «مذكراتي في نصف قرن» عن هذه الفترة قائلًا: «وأصبح المواطنون يحاربون في جبهتين يحاربون الاحتلال ويحاربون في الوقت نفسه الخديوي وأذناب الاستعمار وظهرت المنشورات الثورية التي تدعو إلى تأسيس جماعات سرية للاغتيال ووصلت إلى الخديوي خطابات تهديد بالقتل وقبض على 3 من الشبان بتهمة التآمر، وتكوين جمعية سرية لاغتيال الخديوي، وكتشنر، ومحمد سعيد، فزجوا في السجون» «انظر مذكراتي في نصف قرن 2 ب، 165/ 178، 210، 268، 270» عن الاتجاهات الوطنية للدكتور محمد حسين.

أسباب قتل بطرس غالي الحقيقية

على طول تاريخ مصر لم يقتل قبطي على هويته، أي لأنه مسيحي كما يحاول أن يذيع ذلك ويشيعه في الناس الدكتور غالي شكري وإنما كان قتل بطرس غالي لأسباب يعرفها غالي شكري ويعرفها كل من له أدنى إلمام بتاريخ العمل الوطني وسجلها التاريخ وسجلها الأدب الشعبي في أهازيجه.

وهذه الأسباب هي:

توقيع اتفاقية السودان 1899م

 تلك الاتفاقية المشؤومة التي خولت لإنجلترا رسميًا حق الاشتراك في حكم السودان أي الانفراد بحكمه في الواقع، حيث لها حق تعيين الحاكم العام للسودان ويكون إنجليزيًا تختاره إنجلترا وتصدر مصر قرار تعيينه، ويحكم السودان حكمًا مطلقًا يكون لمنشوره حكم القانون، وقد فوجئ الناس وقتذاك بتوقيع هذه المعاهدة الجائرة، ولم يذع أمرها إلا بعد إبرامها.

 وكانت الصحف تجهل الخطوات التي سبقتها، فلم تنشر شيئًا عن مقدماتها أو المفاوضات بشأنها وكان مهندس المأساة ومديرها هو بطرس غالي وزير الخارجية في ذلك الوقت.

مأساة دنشواي وقوانين القمع

بعد 7 سنوات من اتفاقية السودان وقعت المأساة التي فجرت في أعماق الشعب المصري طوفان الغضب، ومرارة الحزن والألم، مأساة دنشواي عام 1906م، وكان بطلها بطرس غالي، فهو الذي أصدر أمرًا بتشكيل المحكمة المخصوصة لمحاكمة الفلاحين المظلومين، المتهمين بقتل أحد جنود الإنجليز الذين كانوا يصطادون في القرية فأصاب رصاصهم مقتلًا من امرأة وحرق قمحها. رأس بطرس غالي هذه المحكمة بنفسه حيث كان وزيرًا للعدل بالنيابة وقد أرسلت المشانق لتنصب في القرية قبل صدور الحكم بل قبل انعقاد المحكمة ونفذ الحكم علنًا في القرية أمام الآباء والأبناء والنساء والأطفال بالجلد ثم الشنق. وسجل الشعراء مع المؤرخين هذه المأساة التي هزت وما زالت وجدان الأمة وكانت البكائيات الوالهة تغنى في الأفراح والأعراس وتفتتح بها الاحتفالات.

استهل بطرس غالي عمله رئيسًا للوزارة بإعادة العمل بقانون قديم «كان قد صدر سنة 1881م أيام الثورة العرابية ثم ألغي» يخول لوزير الداخلية حق إنذار الصحف وتعطيلها دون محاكمة ويسجن أصحابها وكتابها وأوذي وسجن بسببه، صحف وكتاب كثيرون. كما أصدر قانون النفي الإداري الذي كان يتيح للسلطات حق نفي من يناوئها إلى الواحات أو إلى جبل الطور في صحراء سيناء.

بناء على نصيحة المستشار المالي الإنجليزي طلب من رئيس الحكومة بطرس غالي أن يمد امتياز قناة السويس 40 سنة أخرى وقد ظل مشروع المد في طي الخفاء وكان في عزم الوزارة مفاجأة الرأي العام بإنفاذه، لولا أن تسربت أنباؤه، وهاج الشعب وطالب بعرضه على الجمعية العمومية وقتل بطرس غالي أثناء نظر الجمعية للمشروع وقد رفضته الجمعية.

الحقيقة في هوية الورداني

هذا هو التاريخ فلماذا التحريف والتزييف؟ ولماذا الإثارة والتهييج؟ ولماذا يقع الدكتور غالي شكري في ذلك الخطأ الفادح؟ ولعل من غرائب المصادفات أن نقرأ في جريدة الأهرام بتاريخ 19/ 12/ 1992م لسعد الدين وهبة في مقاله الأسبوعي «من المفكرة» قوله: قابلت الجماهير قتل بطرس غالي عندما حاول أن يمد امتياز قناة السويس، في نظر الجماهير، ومع أن القتل جريمة نهت عنها كل القوانين والشرائع، إلا أنه اعتبر بطولة من القاتل الذي أراد أن يخلص البلاد من هذا الرجل الخائن، حتى أصبح اسمه دليلًا على الوطنية والشهامة والرجولة في نظر الجماهير، وكعادة المصريين إذا أعجبوا بإنسان ما أن يطلقوا اسمه على أبنائهم فأطلق اسم الورداني على مئات الأطفال الذين ولدوا في تلك الفترة. بل إن الأغنية الشعبية التي مطلعها: قولوا لعين الشمس ما تحماشي.. أحسن غزال البر صابح ماشي هذه الأغنية إنما وضعت وتغنى بها الشعب تحية للورداني وهو يسير إلى المشنقة.

قاتل بطرس غالي مسيحي وليس مسلما

وكان باستطاعتنا أن نكشف هذا التحريف، ونرد هذا التزييف بجملة واحدة وهي «أن إبراهيم الورداني قاتل بطرس غالي ليس مسلمًا، بل هو مسيحي وطني من أنصار مصطفى كامل». نعم كان إبراهيم ناصف الورداني من شباب الحركة الوطنية المخلصين ولم يشأ أن يترك قتل بطرس غالي لواحد من شركائه المسلمين وأصر على أن يقوم هو بذلك حتى لا ينحرف بالحادث بعض المغرضين ويصوروه على أنه عمل طائفي عنصري ولست أدري كيف فاتت هذه الدكتور غالي شكري ولو رجع إلى كتاب الأعلام للزركلي، لعرف أن إبراهيم ناصف الورداني لم يكن مسلمًا، ومن ثم لا يمكن لعاقل أن يقول: إن قاتل بطرس غالي كان فتنة طائفية. كما ذكرت مؤسسة فرنكلين الأمريكية في موسوعتها الثقافية أن اغتياله كان لتعاونه مع الإنجليز وسكوته على بغيهم في حادث دنشواي.


اقرأ أيضا:

خيانة وانتقام.. لماذا اغتال إبراهيم الورداني رئيس وزراء مصر بطرس غالي؟


 

الرابط المختصر :