العنوان مقاطعة منتجات تقنية المعلومات.. بين العجز والمحاولة!
الكاتب عبدالعزيز المشوح
تاريخ النشر السبت 24-أغسطس-2002
مشاهدات 55
نشر في العدد 1515
نشر في الصفحة 18
السبت 24-أغسطس-2002
● شركة ميكروسوفت التي تسيطر على ٩٠٪ من مبيعات البرامج التشغيلية رفعت لافتات خلال الاجتياح الصهيوني للضفة الغربية تهنئ الجيش بنجاح المهمة!
● شركة «إنتل» تمتلك أكبر مصنع لإنتاج الرقائق الإلكترونية في الكيان الصهيوني تصدر منه(٧٠%) من احتياجات الشرق الأوسط.
● نشاط تجسسي واسع تقوم به هذه الشركات من خلال عتادها التقني وبرمجياتها التي نثق فيها ونتهافت عليها.
● نهضة تقنية عربية في عالم البرمجيات بمختلف أنواعه.. لماذا لا نثق فيها؟
● صادرات مصر منها بلغت ٥٠٠مليون دولار بمعدل نمو(٣٥ ٪) .. صادرات الأردن بلغت ۱۱۲مليون دولار بزيادة قدرها (100٪).
● إذا كانت ثقتنا في التقنية العربية مازالت ضعيفة فلماذا لا نتجه إلى السوق الشرق آسيوي والصيني والألماني.
أتوقع ردة فعل الكثيرين ممن سيقرؤون هذا العنوان، وأعرف أن الاستهجان هو سيد الموقف عندما نتكلم عن مقاطعة منتجات تقنية المعلومات. شيء متوقع أن يرفض الكثير الحديث حول هذه الفكرة كونها نوعًا من الترف الفكري أو المبالغة. الفكري أو المبالغة في استخدام سلاح المقاطعة في منتجات هي بالنسبة لنا كالماء والهواء!! ولولا هذه المنتجات لما استطعت أن أكتب هذه الحروف لكم.
وحتى أخفف من حدة الاستهجان، أقول أنا لا أدعو إلى مقاطعة كلية لمنتجات تقنية المعلومات، فهذا ليس من المنطق في شيء، وإنما أدعو إلى تحجيم هذا الاستخدام ومحاولة استخدام البدائل الأخرى المتاحة وهي كثيرة إذا أردنا المحاولة هذا ما يدعو إليه المقال باختصار وما يرمز إليه عنوانه، ولكنه في الوقت نفسه يكشف الحالة المزرية التي نعيشها، في الاعتماد الكلي على منتجات تقنية المعلومات الأمريكية والإسرائيلية.
هل نحن بحاجة إلى هذه المقاطعة؟
مقاطعة منتجات تقنية المعلومات مثل غيرها من أنواع المقاطعة. للمنتجات الأمريكية (والإسرائيلية من باب أولى)، الهدف منها هو الضغط على هذه الشركات حتى تقطع دعمها للكيان الصهيوني.
ومجال تقنية المعلومات من أهم المجالات التي نجد فيها اندماجًا كبيرًا بين الشركات الأمريكية والإسرائيلية، بل إن الكيان الصهيوني يمثل ثاني أهم دولة في العالم بعد أمريكا من حيث تقنية المعلومات، حيث يبلغ عدد الشركات الإسرائيلية ٤٠٠٠ شركة تقريبًا! ومعظمها تأسس على أيدي أشخاص من جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي يتمتع بخبرة تقنية متطورة مدعومة من أمريكا.
والآن بدأ معظم هذه الشركات ينتقل إلى ولاية (ديلاوير) الأمريكية لسهولة النشاط التجاري والضريبي هناك والذي يمكنها من ممارسة عملها بسهولة وبتكاليف أقل. وهذا يدل على مدى الاندماج الكبير بين التقنية الأمريكية والإسرائيلية.
مثال آخر على عمق هذا الاندماج وخطر على المنطقة العربية شركة (إنتل) الأمريكية التي تمثل أكبر شركة لإنتاج المعالجات الخاص بتشغيل أجهزة الحاسوب، وهي تمثل الحلية القوي والاستراتيجي لشركة (مايكروسوفت الأمريكية أكبر منتج للبرامج في العالم.
إن أكبر مصنع لشركة (إنتل) في المنطقة الإنتاج المعالجات والرقائق الإلكترونية موجود في إسرائيل وتصدر منه جميع الاحتياجات التقنية للمنطقة. وتمثل حصة شركة (إنتل) ٧٠% من مبيعات الأجهزة في منطقة الشرق الأوسط.
يقول مديرها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط «لا حاجة للشركة في فتح مصنع جديد في المنطقة، فقط سوف نحرص على افتتاح المكاتب والفروع والبرامج التعليمية »!
إنهم لا يريدون أن يضعوا بين أيدي العرب أي تقنية أو سبيل إلى هذه التقنية! ومن المؤكد أن المؤكد ن منتجات المصنع الإسرائيلي تباع في المنطقة لرخص تكاليف النقل والتركيب، أي إننا نحن من يشغل هذا المصنع بشرائنا لهذا المنتج!
دعم ومساندة في وضح النهار!
مثال آخر وهو شركة (مايكروسوفت) الأمريكية التي تسيطر على أكثر من ٩٠٪ من مبيعات البرامج التشغيلية وأنواع من العتاد التقني الآخر، بدءًا من الجهاز الشخصي ومرورًا ببرامج وعتاد الشبكات وانتهاء بكل احتياجات الإنترنت.
وقد قام فرعها في إسرائيل خلال الاجتياح الصهيوني الأخير للضفة الغربية بنشر لافتات دعائية كبيرة يشكر ويدعم فيها الجيش الصهيوني لقيامه بمهامه على أحسن وجه!
وبسبب الضجة التي حدثت في المنطقة استنكارًا لهذه الخطوة، قامت الشركة بإصدار بيان رسمي تعتذر فيه عن هذا العمل، وتمت إزالة الإعلانات بعد فترة وجيزة!
منهم العتاد والتجسس وعلينا الشراء وعدم التوجس
أحد أهم أسباب المقاطعة هو قطع الطريق على شركات التقنية الأمريكية والإسرائيلية بالتجسس على المستخدمين سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات، وذلك عن طريق البرامج والعتاد التقني الذي نشتريه منهم ونعتبره محل ثقة لدينا! بل هو مخصص للحماية ضد التجسس!!
من ذلك البرنامج الشهير في الشخصية والذي يسمى (أي سي. كيو ICQ) والذي تنتجه شركة إسرائيلية، وقد ثبت عمليًا أنه قناة من قنوات التجسس، ومع ذلك فالملايين من العرب يستخدمونه وبكل ثقة واعتزاز!!
في شهر سبتمبر ۲۰۰۱ اتخذت وزارتا الخارجية والدفاع في ألمانيا قرارًا بالتخلي عن برامج شركة (مايكروسوفت) الأمريكية في الأجهزة التابعة لهما وذلك لأسباب أمنية.
وقال مصدر في مجلة (دير شبيجل) الألمانية إن سبب التخلي يعود إلى ضرورة تجنب حدوث تجسس أمريكي واطلاع على المعلومات السرية الخاصة، ونشرت المجلة تقريرًا يشير إلى أن الاستخبارات الألمانية ترتاب في أن الجهات الأمريكية المسؤولة تمتلك شفرات مايكروسوفت، مما يسهل عليها الحصول على برامج ومعلومات سرية خاصة.
ألا يكفي هذا السبب في تقليص الاعتماد على العتاد التقني التي تنتجه شركة (مايكروسوفت) أو غيرها؟! ومن يتابع الأخبار التقنية سوف يجد أنه يتم الإعلان كل فترة عن اكتشاف ثغرة أمنية في برنامج من البرامج أوفي موقع مشهور يقدم خدمة عالمية مثل بريد الهوتميل!
حتى برامج الحماية التي تنتجها الشركات الأمريكية هي برامج تجسس على الشركات التي تستخدمها، وذلك مثل ما حدث مع بعض الشركات العربية التي استخدمت برنامج الحماية الشهير (فاير وول 1). وقد صرح أحد مختصي الأنظمة الأمنية المعلوماتية في مؤتمر بأن برنامج (فاير وول ۱) تحول إلى أداة مهمة للتجسس وللاطلاع على المعلومات ونقلها والقدرة على تخريبها أو تعطيلها بشكل كامل من قبل الشركات المنتجة لهذه الأنظمة والتي تترك ثغرات بشكل متعمد في هذه الأنظمة الأمنية من دون علم المستخدمين لها تمكن هذه الشركات المنتجة من الاختراق!
هل هناك بدائل..؟
إذا أردنا أن نكون منصفين ومنطقيين في هذه النقطة، نقول بكل صراحة وجرأة.. نعم لا توجد لدينا البدائل الكثيرة التي تسمح لنا بهجر العتاد التقنِي الأمريكي والإسرائيلي!
لكن هناك مجموعة من الخطوات تمكننا من البدء في تنحية العتاد التقني الأمريكي عن الساحة واستخدام تقنيات من أماكن أخرى فهناك العتاد التقني الأوروبي وخاصة الألماني، وهو ينافس المنتجات الأمريكية والإسرائيلية. وهناك العتاد الشرق آسيوي والصيني والياباني، وكل هذه التقنيات لا تقل مستوى وكفاءة عن المنتجات الأمريكية والإسرائيلية، قد يكون السعر في بعض الأحيان له دوره، ولكن ليس إلى حد كبير، المشكلة أن العتاد التقني الأمريكي أصبح مسيطرًا بسبب الدعاية الكبيرة له والاعتماد الكلي من قبل الأفراد والمؤسسات والحكومات، والعلاقة الوطيدة بين الشركات العربية والأمريكية.
والشركات العربية أصبح لها مكان واضح في سوق البرمجيات والعتاد التقني بمختلف فروعه، فلقد وصلت الصادرات المصرية من برامج الكومبيوتر إلى حوالي ٥٠٠ مليون دولار في العام، وقد أدت الاستثمارات في التحتية التقنية والقدرة التنافسية والمبادرات المتمثلة بإنشاء المناطق الحرة إلى جعل مصر شريكًا مفضلًا للعديد من الشركات العالمية.
وكان قطاع تكنولوجيا المعلومات قد نما في مصر بنسبة (٣٥%) مقارنة بالعام السابق، وهذا يدل على أن التطور في طريقه للصعود وأن هناك وعيًا شاملًا من كل شرائح المجتمع والحكومة لتفعيل هذا القطاع. وكشفت تقارير أن صادرات الأردن من صناعة البرمجيات وتقنية المعلومات بلغت العام الماضي ۲۰۰۱ نحو 112.8 ملیون دولار مقابل 56.4مليون دولار عن العام السابق بزيادة قدرها (100%).
وكل هذه المؤشرات تدل على أن الدول العربية تستطيع أن تقوم بتوفير العتاد التقني اللازم لسد الفجوة وإحلال البديل عن الشركات الأمريكية واليهودية ولكن...!! إنه انعدام الثقة!
متى نعطي أنفسنا الثقة..؟:
فقدان الثقة في شركات التقنية العربية هو الذي كرس مفهوم الاعتماد الكلي على الشركات الأمريكية واليهودية وغيرها في استيراد العتاد التقني!
إن تغيير مفهوم (الشركات الأمريكية هي الأفضل) يساعد على كسر حاجز الاعتماد الكلي عليهم، ويعطي فرصة للشركات العربية لكي تثبت وجودها من خلال عرض عنادها وتجربة المستهلكين له ومن خلال دراسات السوق نجد أن هناك الكثير من الشركات العربية. العاملة في مجال العتاد البرمجي وبعض التقنيات الأخرى تقدم خدمة متميزة ومنتجات تضاهي المنتج الغربي، لكنها تفتقد الدعم والثقة من الحكومة والمستخدمين.
وذكرت جريدة (الاتحاد) الإماراتية على لسان كثير من مسؤولي شركات التقنية العربية أن معظم المشاريع الحكومية يذهب للشركات الأجنبية، دون المرور على الشركات المحلية، وذلك بسبب عدم الثقة في المنتج والخدمة التي تقدمها هذه الشركات!
بعض الأفكار المقترحة لتحجيم الاستخدام أو للمقاطعة
سنجد صعوبة في تطبيق بعض الأفكار في بداية الطريق، وهي ليست مستحيلة، بل إننا
نظنها كذلك مع أننا لم نضعها على محك التجربة، وهذه بعض الأفكار:
- التركيز في شراء العتاد التقني على الشركات الأوروبية والشرق آسيوية ولها (ماركات) تجارية معروفة.
- التوقف عن استحداث البرامج المستخدمة إذا لم تكن هناك حاجة لذلك، حيث إن النسخ الجديدة غالبًا ما تكون نفس النسخ القديمة، مع إضافة بعض التعديلات والتحسينات والحاجة إلى الجديد يقدرها صاحب المصلحة، ولكن من خلال التجربة أثبتت البرامج أن بعض النسخ القديمة أفضل من الجديدة.
- نسخ البرامج ذات الاسـتـخـدام الفردي وعدم شراء نسخة جديدة.
- استخدام بريد إلكتروني لدى الشركات العربية المعروفة مثل (نسيج- إسلام أون لاين- مكتوب- بريد موقع الإسلام) ومحاولة تجنب الشركات التي لها صلة باليهود مثل (ياهو، هوتميل) وغيرهما. ونحن نعلم مدى الفساد الذي تنشره شركات البريد الإلكتروني هذه حيث إن الإعلانات وبريد الجنس كل يوم تصل بريدك ولا تعرف من أين أتت إنها متاجرة بعناوين البريد الإلكتروني في كل شركة وبيعها بأثمان باهظة إلى شركات أخرى!! ونحن مهمتنا تفريغ البريد كل يوم.. هذا إذا لم يقع أحدنا في المصيدة ويفتح البريد الجنسي!!
-على أصحاب المواقع البحث عن شركات استضافة أوروبية أو عربية، والبعد قدر الإمكان عن الشركات الأمريكية واليهودية.
وما حصل قبل فترة من اقتحام قوات (الإف بي آي) (fbi) لبعض مواقع شركات عربية وإسلامية، يدل على أن وجود هذه المواقع بين أيديهم هو عرض للتفتيش وسرقة المعلومات، مع أن جميع شركاتهم تتباهى بأن سرية المعلومات لديها في أعلى المستويات!
- عدم الدخول في شراء وبيع الأسهم لهذه الشركات التقنية في أسواق البورصة العالمية.
-التضييق على هذه الشركات بعد فتح فروع جديدة لها في المنطقة ونشر عتادها بشكل واسع.
-شراء واستخدام البرامج العربية المتاحة الأسواق، رغم ضعفها نوعا ما، لكنها سوف تتطور مع الاستخدام والمتابعة.
وأخيرًا.. أتمنى ألا يفهم القارئ أنني أريد نقل التقنية وتطوير البِنَى التحتية للتقنية في البلاد العربية والإسلامية.. أبدًا.. هذا يطلبه إلا جاهل بواقع التقنية العربية. ولكنني أريد أن نبدأ رحلة الاعتماد على الذات في تطوير البنى المعلوماتية عندنا، خاصة بعد أن رأينا هذا الاندماج العميق بين التقنية الأمريكية والإسرائيلية، وبعد أن فهمنا أن الغرب سوف يقف سدًّا منيعًا أمام نقل التقنية لنا، إنه يعتبر سوقًا لبيع عتاده فقط!
وأيضًا.. محاولتنا هذه يجب أن تعرف بها شركات التقنية الأمريكية، وهم يعرفون ماذا يمثل لهم السوق العربي والإسلامي.
إن خطواتنا تحتاج إلى إدارة قوية للبدء بها فما زال الكثير منا متأثرًا ببريق الإعلام القوي لشركات التقنية الأمريكية، والجزء الأكبر منا لا يعرف مدى أهمية هذا المجال في التأثير على البيئة الاقتصادية الأمريكية.