العنوان مقاطعة أمريكا.. ليست بالحلم الصعب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 923
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 04-يوليو-1989
مواطن أمريكي قتل بطريق الخطأ في غرينادا... فأقامت الولايات المتحدة الأمريكية الدنيا ولم تقعدها من أجل هذا المواطن... والسلطات الصينية تقدم على إعدام مجموعة ممن أسمتهم المتمردين، فينتفض الضمير الأمريكي «الحي جدًا!!» تأثرًا بهذه الفعلة الشنيعة، وتملأ أمريكا الدنيا ضجيجًا بدفاعها عن الديمقراطية المقموعة في الصين... فشكرًا «لإنسانية» أمريكا!!
وفي فلسطين المحتلة سقط حتى الآن قرابة (850)
شهيدًا... وأكثر من (40) ألف جريح... سقطوا على أيدي الجنود الصهاينة المزودين
بأسلحة مصنوعة في الــــU. S. A... دون أن تحرك أمريكا ساكنًا...
بل هي ترفض الموافقة على مجرد قرار «لا يسمن ولا يغني من جوع» يدين «إسرائيل» في
الأمم المتحدة... فشكرًا «لعدالة» أمريكا!!
ومليارات الدولارات تتدفق سنويًا على الخزانة
«الإسرائيلية» لتتحول إلى ترسانة أسلحة تخترق صدور أبناء الشعب الفلسطيني
يوميًا... فشكرًا «لكرم» أمریکا!!
والعدو اليهودي يمارس في فلسطين كل أنواع القمع
والاضطهاد بحق مئات الألوف من أبناء الشعب الفلسطيني من أجل وقف انتفاضته
المباركة... ومن أجل وأد روح الجهاد والاستشهاد التي سرت في أوصاله... كل ذلك يجري
بمباركة ورعاية أمريكا...
وهكذا، فإن العدو اليهودي الذي يحشد قرابة ثلث
جيشه وقواته للتصدي لهجمات أبطال الحجارة والمولوتوف، لا يقف في هذه المواجهة
وحيدًا... لأنه وقبل كل شيء لا يمثل المصلحة اليهودية فقط... ولا يحقق الحلم
التوراتي القديم ببسط نفوذ اليهود من الفرات إلى النيل لإنشاء «إسرائيل الكبرى»
فقط...
ولكنه إلى جانب ذلك كله، يمثل بوابة المصالح
الأمريكية الرأسمالية في المنطقة... وفي قلب العالم العربي والإسلامي... ولذلك
ارتبط الكيان اليهودي الباطل على أرض فلسطين باتفاقية تحالف إستراتيجي مع ربيبته
الولايات المتحدة الأمريكية التي أعطته وضعًا فريدًا، وخصته بمرتبة الدولة الأولى
بالرعاية... ولذلك سمح للكيان اليهودي أن يشترك مع الولايات المتحدة الأمريكية في
برنامجها الإستراتيجي المعروف بحرب النجوم... ليس لأن أمريكا في حاجة إلى الدعم
«الإسرائيلي» أو المال «الإسرائيلي»... أو التكنولوجيا «الإسرائيلية»... ولا حتى
العقل «الإسرائيلي» بكل ما اشتهر به من مكر ودهاء وحيلة ولف ودوران... ولكن بسبب
أن المصلحة الأمريكية «الإسرائيلية» تستدعي مثل هذا الاحتضان وهذا التدليل لهذا
الحليف المحاط «بالأعداء!!» من كل جانب..
ولأنه - وهذا مهم - ليس هناك ما يهدد المصالح
الأمريكية المتشبعة والمتغلغلة في المنطقة... ولأنه رغم كل المواقف الأمريكية ضد
المصالح العربية، ورغم الدعم اللا محدود «لإسرائيل» ورغم التبني المستمر لكل
الإجراءات اليهودية من جانب أمريكا... فإنها لم تقابل إلا بتقدير دورها في المنطقة
باعتبار أن أوراق الحل بيدها، وكان الحرص من جميع الأطراف العربية والفلسطينية على
مد الجسور معها!
ونعتقد أن الحل الذي تملكه أمريكا... وتسعى لجر
الأطراف العربية والفلسطينية إليه ينطلق من اعتبار المصلحة اليهودية... ومحاولة
ترويض وتهيئة الأطراف الأخرى للقبول بالطروحات اليهودية للحل والتي لا تخرج بحال
عن منطوق الحكم الذاتي العادي أو «السوبر»... بعد إدخال تعديلات شكلية عليه...
ونعتقد أن السير وراء الحل الأمريكي سيوصل في
النهاية إلى القبول والإقرار بالوجود اليهودي على الأرض الفلسطينية المغتصبة...
وسينزع أخيرًا كل تحفظ على الاشتراطات «الإسرائيلية» والأمريكية...
نحن نعتقد أننا بحاجة ملحة إلى إجراءات فعالة،
ليس ضد الكيان اليهودي فحسب، وإنما ضد الولايات المتحدة نفسها، بهدف دفعها لإعادة
كل حساباتها التي كانت وعلى طول الخط وعرضه تسير باتجاه تثبيت الوجود اليهودي في
المنطقة...
وهذه الإجراءات ضد أمريكا... مطلوبة سريعًا وعلى
مختلف الأصعدة من أجل زعزعة هذا التحالف بين الكيان اليهودي وربيبته، ومن أجل عزل
أو إبعاد الكيان اليهودي عن قصباته الهوائية في الولايات المتحدة الأمريكية...
وهذا الأمر يستدعي تحركًا على كافة المستويات من
أجل وضع استراتيجية عربية إسلامية في التعامل مع الولايات المتحدة... استراتيجية
تخدم المصلحة العربية والإسلامية، وتخدم قضية صراعنا مع اليهود... استراتيجية
جديدة في التعامل ترتكز في جوهرها على حشد كل الضغوط الممكنة على الإدارة
الأمريكية لوقف دعمها اللا محدود للكيان اليهودي...
وإذا كانت موازين القوى العسكرية في العالم اليوم
تلغي احتمالات ممارسة ضغوط عسكرية على القوى الداعمة للكيان اليهودي...
فإن هذا لا يمنع من ممارسة الجانب الأرحب
«الممكن» من هذه الضغوط والمتمثل بالمقاطعة... وعلى مختلف الأصعدة... ونحن نعتقد
أن الأمر ليس عسيرًا لو «انفلتنا» من القيود الأمريكية نفسها علينا... وعلى فكرنا
وعلى قرارنا...
وفي هذا السياق فإن كل أشكال المقاطعة الاقتصادية
والدبلوماسية والثقافية والسياحية من شأنها أن تكون مجدية... وأن تحول المعادلة
تمامًا...
مارس العرب يومًا ما حظر النفط عن أمريكا والدول
الداعمة «لإسرائيل»؛ فتغيرت طبيعة وشكل الحياة اليومية في هذه الدول... ولمسنا
بوضوح فعل الحظر العربي في هذه الدول...
نحن لا نحلم بطرحنا مثل هذه الأشياء، لكن عصر
الردة عن العزة والكرامة وعصر التبعية العربية لمحاور الدول العظمى وعصر الفرقة
والخلافات العربية، جعل مثل هذه المطالب وكأنها أضغاث أحلام...
وكما أننا لا نحلم، فإننا نعتقد أن
الخطر اليهودي الداهم يهدد منطقتنا العربية والإسلامية بأسرها...
الأمر الذي يستدعي مثل هذه الوقفة من
كل هذه الأنظمة... ومن كل الهيئات والإطارات التي تجمعها سواء كانت إسلامية كمنظمة
المؤتمر الإسلامي، أو عربية كجامعة الدول العربية أو غيرها من مجالس التعاون
العربية.
وإذا كان «الحاضر» العربي والإسلامي أصابه المرض
وكثير من الخلل، فإننا لا زلنا نرجو الخير في «المستقبل» العربي والإسلامي...
ليكون على مستوى التحدي الحضاري.. وعلى مستوى الصراع الدائر الآن بكل الصور
والأشكال...