; مقاصد القرآن الكريم - صوت النفير العام | مجلة المجتمع

العنوان مقاصد القرآن الكريم - صوت النفير العام

الكاتب الشيخ حسن البنا

تاريخ النشر الجمعة 01-أكتوبر-2004

مشاهدات 75

نشر في العدد 1620

نشر في الصفحة 56

الجمعة 01-أكتوبر-2004

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ نفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾  (التوبة٣٨_٤٢)

أخل بنفسك من شوائب المادة، واحصر تفكيرك في هذه التعاليم الروحية، واستجمع لها روحك وقلبك واستمع لها كما يستمع الجندي المطيع أوامر القائد المحبوب الحازم المطاع، فإنك ستفهم منها فلسفة رائعة في تكوين الأمم وأعلام الجهاد ودعائم النصر، وتستطيع أن تلخص مقاصد هذه الآياتالكريمة في هذه الجمل:

١-على المؤمن بالدعوة أن يعمل لها.

٣- أجر العمل أفضل من حرمان القعود.

٤- إذا قصر المؤمن في الجهاد عوقب واستبدل به غيره.

٥-حسب المجاهد ثوابًا أن رضيه ربه لهذا الميدان.

٦- في واقعة الهجرة العملية آية ذلك ودليله.

٧-لا عذر لقاعد عن نصرة الحق مهما كان فإنما هو النفير العام.

وإليك بيان ذلك:

من الناس من أحاطت به ظروف جعلت عبء حياته على غيره، فهو في أمن ودعة وهدوء وراحة، ومنهم من أحاطت به ظروف جعلته يحمل عبء سواه، فهو في كفاح دائم وفي نضال مستمر وفي عمل لا ينقطع. وكذلك الأمم في حياتها تتقلب بها الحادثات وتنتابها عوامل الاجتماع، فهي أحيانا وادعة هادئة، وأحيانًا كادحة مجاهدة، وإنما يحمل عبء الجهاد فيها أصحاب الدعوات الخالصة والمبادئ السليمة ورجال الإصلاح الصحيح الذين آمنوا بوجوب العمل واعتقدوا ضرورة الحاجة إلى الجهاد، هؤلاء النفر من بناة الأمم ودعاة الحق ودعائم الإصلاح، لابد أن يجاهدوا ولا بد أن يستعدوا لكفاح طويل لا نهاية له، فإن حاجات الأمم أطول من أعمارهم مهما طالت، وعليهم ألا يقصروا أو ينوا في أداء المهمة التي كان من حظهم أن يحملوا عينها وينتدبوا أنفسهم للقيام بها.

وهم إذا فعلوا ذلك فقد أعد الله لهم أعظم الأجر لقاء هذا التعب وهم إذا حرموا أنفسهم لذائذ حقيرة في حياة قصيرة فقد أعد الله لهم في خلد جنته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فإن سمت أنفسهم عن المعاوضات وجاهدت لأنها اعتقدت وجوب الجهاد ورأت في لذة العمل وفي سعادة النجاح وفي إسعاد المجتمع ثواب عملها وجهادها، فبها ونعمت ولن يضيع الله أجرها بل سيضاعفه لها، وإن كان ولا بد من معاوضة، فشتان بين ما يفنى وما يبقى وبين لذائذ هذه الحياة الدنيا ولذائد الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، والموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها.

فإذا أبى المجاهدون إلا القعود واستسلموا للضعف وسلموا الراية وخانوا الأمانة، فهناك العذاب الأليم والجزاء الوفاق، ولن يدع الله الراية بغير حملة، ولن يترك الدعوة بغير أنصار، بل يُديل الله منهم ويستبدل قوما غيرهم، ويكون إثم المقصرين القاعدين الذين ملوا العمل وسئموا الكفاح على أنفسهم والضرر حانق بهم، ولن يضروا الله شيئا فإن الله هو الغني الحميد.

وعلى المجاهد أن يعلم أنه شرف عظيم وفضل كبير أن يختاره ربه لحمل أمانته ونصرة دعوته ولو لم يكن له من الثواب إلا هذا التكريم، لكان فيه فوق الكفاية، فإن الله لا يختار لهذا الشرف إلا من أحبهم، وماذا يرجو مؤمن بعد أن يكون لربه حبيبًا ومن رسوله قريبًا؟ فليشكر الله على هذه المنة ولا

يرى لنفسه فضلًا في شيء ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات:١٧).

ولقد تجلت قدرة الله العظيم واستغناؤه تبارك وتعالى عن الأسباب والمخلوقات في حماية أوليائه ونصرة أنبيائه وإظهار كلمته في مواطن كثيرة، منها يوم الغار إذ خرج رسول الله ﷺ ليس معه إلا صاحبه الكريم، يملأ قلبيهما الإيمان وتظلهما العقيدة الصادقة بجنود لا قبل لأحد بها ولا سلطان لمخلوق عليها ، فكان عاقبة ذلك تأييد الله ونصره لهما وخذلان أعدائهما، وردهم على أعقابهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا، وأنزل الله سكينته على رسوله وأيده بجنوده وأعلى كلمته وأحبط مكيدة الكافرين، فانظر إلى هاتين العبرتين: صدق عقيدة من المجاهدين، يقابله تأييد ومناصرة من رب العالمين، لا دخل فيه لأحد من المخلوقين وهما صنوان لا يفترقان أبدا صدق الإيمان، وفخر النصر.

وإذا كان ذلك كذلك، فمفروض على كل مؤمن أن يكون جنديًا في سبيل العقيدة التي آمن بها يذود عنها، ويعمل لها، ويجاهد في سبيلها بنفسه وماله، ولا عذر لأحد في ذلك.

قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتي على هذه الآية: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة :٤١) فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخًا وشبانًا، جهزوني يا بني، فقال بنوه يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر ومات مجاهدًا.

وشهد أبو أيوب الأنصاري مع رسول الله بدرا ثم لم يتخلف عن غزوة للمسلمين إلا عاما واحدا، وكان أبو أيوب يقول: قال الله تعالى ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا، وما زال (رضي الله عنه) المجاهد القوي والجندي الفتي، حتى قضى ابن يثرب وحليف الشيح والقيصوم وربيب الصحراء على أسوار القسطنطينية ونام شهيدًا سعيدًا قرير العين هادئ النفس على ضفاف البسفور.

 وحدث أبو ر راشد الحراني: قال: وافيت المقداد بن الأسود جالسًا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، وقد فضل عنه لسمنه وعظمه وهو يريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك، فقال: أنت علينا سورة البعوث ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾

وقال ابن جرير: حدثني حبان بن زيد الشرعي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان واليًا على حمص إلى الجراجمة، فرأيت شيخا كبيرا قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت إليه فقلت: يا عم، لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه فقال: يا بن أخي.. استنفرنا الله خفافًا وثقالًا ولم يعذر أحدا.

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قالوا : فإن فينا الثقيل وذا الحاجة والضيعة والشغل والمتيسر به أمره، فأنزلها الله، وأبى الله أن يعذرهم دون أن ينفروا مهما كانت ظروفهم وعلى ما كان منهم.

وبعد.. فإلى من يريدون تكوين الأمم على روح الجندية الصحيحة، هل رأيتم نفيرا عاما كهذا النفير؟ فإن كنتم جادين، فخذوا على هذا الدرب، ودعوا العبث واطرحوا التجارب الفاشلة.. وأنتم - أيها الإخوان المسلمون - أسمعتم نفير الله في كتابه؟ إن كنتم جادين في دعوتكم فاستعدوا فما يوم الجهاد ببعيد، ﴿قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء:٥١) وحينئذ احذروا أن تثاقلوا إلى الأرض، وأن تغفلوا بالحياة الدنيا عن الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرةإلا قليل[1].

العسكرية عهد:

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:١١١) يوم أراد الله تبارك وتعالى أن يسعد الإنسانية وأن يعم العالم برحمته ويقدم للناس كافة نظامًا كاملًا يضمن لهم سعادة الدارين، بعث إليهم رسوله ﷺ وأنزل عليه كتابه ومنحه أستاذية الدنيا جميعًا، وجعل كل مسلم معه أو بعده حارسًا على هذا الكنز ووارثًا لهذه . الأستاذية الكبرى وقائمًا بحق هذه المهمة العظيمة.

فليس عجيبًا بعد ذلك أن يعقد الحق تبارك وتعالى بينه وبين هؤلاء الحراس من المؤمنين ذلك العقد المحكم، فيكون هو المشتري وهم البائعين والسلعة: النفس والدم والروح والجزاء: الجنة، وكيفية التسليم: جهاد في سبيل الحق وفناء في أداء هذه الحراسة القدسية للكنز الثمين. وهل تؤدى مهمة المؤمن الحق بأقل من هذا الثمن؟ كتب هذا العقد المحكم على صفحات التوراة والإنجيل والقرآن وشهد عليه عيسى وموسى ومحمد وجبريل، وليس أحد أو فى بعهده من الله، فما أربحها من تجارة، وما أجزله من ثواب، وما أقدسها من بشري ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾

قالوا: إن هذه الآية حين نزلت فرح بها عامة الصحابة فرحًا شديدًا، ووجد خاصتهم في أنفسهم شيئًا: إذ قالوا أيشتري الله منا ما هو ملك له..؟ وكيف يشتري المالك ملكه..؟ أوقد غلب علينا العقوق حتى لا نسلم لله وديعته إلا بثمن؟! فما أغلى هذا المشهد.. وما أسمى هذا المقام.

قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله ﷺ ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفسًا أو اثنان وسبعون نفسًا وامرأتان قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال: أشترط لربي عز وجل أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل. فنزلت الآية.

ترى في أية طريقة ولأية غاية يقدم المؤمن نفسه للقتل.؟ لظلم وعدوان... !لمال وملك وجاه.. !لاهتضام شعب واحتلال أرض وعبث بأمن وانتقام لوهم واعتزاز بجنس أو عصبية...!

اللهم لا شيء من ذلك.. يتقدم المؤمنون إلى هذه الميادين، ولكن ليعلو الحق ويسود العدل وتخفق راية السلام وتكون كلمة الله هي العليا، وليقولها خليفتهم داوية قوية جريئة ملء الأرض والسماء: متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟

أيها المسلمون: إن نفوسكم ليست ملكًا لكم ومع هذا فقد اشتراها الله منكم، وإن مهمتكم وإيمانكم وعزتكم لا تكمل بغير إنفاذ هذا البيع وتسليم الأمانة مهما حاولتم، وإن الأمانة ستُسلم طوعًا أو كرها: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ (النساء: (۷۸) ولن يمنعها القعود من القتل إن كتب عليها، ولن يحدوها الإقدام إليه إن منحها الله إياه، ففيم القعود إذن؟

ليت شعري! أي جزاء سيقدمه «موسوليني» لجنود الفاشية؟ لعل قطعة من طرابلس المهضومة أو من سهول الحبشة حيث يذوق أهلها مر العذاب وينعم بعذابهم الفاتحون. وليت شعري أي جزاء سيقدمه «هتلر» لجنود النازية لعله يمنيهم اليوم بالكاميرون وذهبها أو بإفريقية الشرقية ومطاطها وغاباتها؟ وليت شعري! أي جزاء يمني به (ستالين) جنود البلاشفة الحمر؟ أظنهم سيقتسمون أنقاض الحمراء أو قصر طليطلة بإسبانيا.

 أيها المسلمون أين هذا الجزاء مما أعده الله لجنود الإسلام الفضلاء من جنة عرضها السماوات والأرض، أكلها دائم وظلها، تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار، أفبعد هذا أيها المسلمون يغلبكم القوم بعسكرية طائشة على هذه العسكرية الفاضلة؟ حياكم الله يا أبطال فلسطين وأحيا في المسلمين جميعًا هممًا كهممكم[2]

الرابط المختصر :