; مقاصد الشريعة في نظام الوقف (۸) | مجلة المجتمع

العنوان مقاصد الشريعة في نظام الوقف (۸)

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 07-مارس-2009

مشاهدات 91

نشر في العدد 1842

نشر في الصفحة 66

السبت 07-مارس-2009

المجال العام هو ما يجمع الفرد بالآخرين.. هو ساحة المشترك الاجتماعي، الذي تفرضه ضرورات الحياة وتتقاسم فيه الفئات والجماعات والأفراد منظومة من القيم المشتركة التي لا يختص بها فرد دون آخر، ولا تحتكرها مجموعة أو فئة دون أخرى، وتحكمها منظومة قيمية تتقاسمها فئات المجتمع وأفراده، وتتقاسم أيضا منظومة أخرى من المؤسسات والمرافق العامة التي يجب أن تتسم بالتطور والكفاءة حتى يكون المجال العام متطورا وفعالا.

بهذا المعنى كانت لحظة ميلاد المجال العام في الاجتماع السياسي الإسلامي هي نفسها لحظة وصول المجتمع إلى مستوى الولاية على نفسه، ولم يصل المجتمع الإسلامي إلى هذا المستوى إلا في ضوء الشريعة ومقاصدها العامة، أما قبل ذلك فلا وجود لمعنى يمكن أن يسمى «المجال العام».

نشأ المجال العام في الاجتماع السياسي الإسلامي لحظة تأسيس مجتمع المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إليه من مكة المكرمة. ثم أخذ هذا المجال منذ ذلك الحين يتسع ويضيق في ضوء ما مرت به المجتمعات الإسلامية من تحولات اجتماعية وصراعات سياسية، والاتجاه صعوداً في المدنية نحو التوافق والتضامن حينا، وهبوطاً نحو التنازع والانقسام أحيانا كثيرة. وارتبط صعود المجال العام بازدهار وفعالية المقاصد العامة للشريعة، وكان تدهوره علامة على ضمور نظرية المقاصد وتراجع الاهتمام بها.

ومهما قلبنا النظر في منظومة المقاصد وعلاقتها بالمجال العام بالمعنى السابق . فإن حقيقة كبرى تظل تبرق في الذهن وهي أن «الحرية» هي النواة الصلبة التي تشكلت عليها المقاصد العامة للشريعة، وهي ذاتها التي أوصلت المجتمع السياسي الإسلامي الأول في العهد المدني إلى مستوى «الولاية على نفسه»، ولا تزال الحرية هي مفتاح الحل لكثير من المشكلات التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية المعاصرة .

 لقد اتسع مفهوم الحرية المؤسس لولاية المجتمع على نفسه في الرؤية الإسلامية ليشمل العقيدة والتفكير والرأي، والإرادة، والعمل ، وبدأت الإجراءات العملية لتمكين المجتمع من الولاية على نفسه، بنقض السلطة الدينية من جذورها، وتجفيف منابعها وتقويض كل أركانها المعنوية والمادية وإعلان بطلان سلطتها التي كانت تمارسها على نفوس البشر ورقابهم وتستولي بها على أقواتهم.

 هذه السلطة الدينية التي عرفتها أوروبا في عصورها الوسطى نتيجة سيطرة الكنيسة ورجال الكهنوت على أرواح وعقول وقلوب البشر، حاربها الإسلام من أول يوم، ونزع عنها الشرعية، ودعا إلى تحرير بني آدم جميعاً من الأغلال التي تقيد إرادتهم، أو تحد من قدرتهم على حرية الاختيار، وجاءت منظومة المقاصد العامة لتشكل سياجاً حامياً لهذه الحرية، ولتكون إطاراً جامعاً للأبعاد الإنسانية العميقة التي تنطوي عليها الرسالة الإسلامية بالتحرر من الجهل، والتقليد والاستبداد ، ومن التبعية الشخصية وصل مجتمع المدينة النبوية» إلى مستوى الولاية على نفسه، واندمجت فيه كل التكوينات السابقة عليه : القبلية والعائلية والدينية، وكانت دلالة ذلك هي أن «الحرية» التي جاء بها الإسلام لا تتحقق إلا في مجتمع مدني. لا قبلي، ولا عشائري، ولا طائفي أو مذهبي ، كما لا يمكن أن تتحقق في مجتمع كهنوتي «بالمعنى السابق شرحه»، ناهيك عن أن تتحقق في دولة ثيوقراطية بالمعنى الذي يعطي فرداً أو فئة أو طبقة، سلطة التدخل في إيمان الناس، أو في معتقداتهم أو في حريتهم. وكانت دلالة ذلك أيضا أن ثمة منظومة من القيم التي تشكل وجداناً مشتركاً للإنسان، وأن جوهر الإسلام هو النواة الصلبة لتلك القيم الإنسانية: مثل الحرية، وإقامة العدل والتعاون والإيثار والرحمة والوسطية واحترام التنوع، كلها قيم إسلامية إنسانية، أو إنسانية إسلامية، وهي التي يتطلع العالم إلى أن يتقاسمها اليوم.

 جاءت نشأة الاجتماع السياسي في العهد النبوي، لتقدم برهاناً ساطعاً على فعالية «المقاصد العامة للشريعة» في إحداث نقلة نوعية هائلة إلى الأمام في بناء المجتمع المدني، وفي بلورة حيز عام بين جميع أطياف المجتمع وفئاته المختلفة، ولتؤكد هذه المقاصد أيضاً أن التكوين المسمى باسم «الجماعة» ليس فقط شكلاً اجتماعياً محدداً من الناحية التنظيمية «قبيلة-عشيرة. مذهب أو طائفة» وإنما هو أيضاً كيان جماعي وله مصالح مشتركة، وحقوق وواجبات متبادلة على المستويات الفردية والجماعية، وهو كذلك مركز شعور بالانتماء لوحدة سياسية فعالة لها مقاصد عليا تربطها بالخالق سبحانه وتعالي.

 

الرابط المختصر :