العنوان مقاصد السياسة الشرعية
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 21-مارس-2009
مشاهدات 79
نشر في العدد 1844
نشر في الصفحة 66
السبت 21-مارس-2009
الأخيرة
السياسة لغة: هي تدبير شؤون الناس وتملُّك أمورهم، والرياسة عليهم، ونفاذ الأمر فيهم. جاء في لسان العرب: السوس: الرياسة، يقال ساسهم إذا رأسهم، ويقال سوسوه وأساسوه إذا رأسوه، وساس الأمر سياسة، والجمع ساسة وسواس. أما في الاصطلاح فأكثر التعريفات دقة لمفهوم «السياسة» في الرؤية الإسلامية هو تعريف الشروائي لها بأنها: «علم بمصالح جماعية متشاركة في المدنية، وتسمى السياسة المدنية»، «تعريفات العلوم للشرواني (١٠٢٦هـ - ١٦١٧م) مخطوطة بالمكتبة الوطنية في تونس».
ولا يبعد عن هذا تعريف علاء الدين الطرابلسي الحنفي للسياسة بأنها «شرع مغلظ، وأن السياسة نوعان: سياسة ظالمة، فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم، وتدفع كثيرًا من المظالم، وتردع أهل الفساد، ويتوصل بها إلى المقاصد الشرعية للعباد».
ومن هذا التعريف تتبين أن «المصلحة» هي جوهر السياسة الإسلامية، وأساسها العدالة، ومنهجها التعاون والوئام. وهذا بخلاف معنى السياسة في الرؤية الغربية التي تؤكد أن السياسة هي «علم السلطة، والتخصيص السلطوي للقيم»، أي إنها دالة على الصراع والتناحر، وهي فن الممكن بحسب ما يتوافر من القوة المادية لهذا الطرف أو ذاك.
وقد علمنا -في المقالات السابقة- أن النواة الصلبة لمقاصد الشريعة هي المصلحة ومن هنا نشأت العلاقة الوثيقة بين «السياسة الشرعية» من جهة، و «المقاصد العامة للشريعة» من جهة أخرى.
وكان الهم الأول لكل سلطة إسلامية حاكمة تتمتع بالشرعية، هو أن تتبنى سياسة شرعية تخدم المقاصد العامة للشريعة بأقصى كفاءة ممكنة.
والآن علينا أن نُعَرّفَ «السياسة الشرعية»، قبل أن نَعْرَف مقاصدها، السياسة الشَرعية كما يقول ابن القيم: «مدارها العدل، ولو لم ينص عليه وحي، ذلك أن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه»، أما ابن نجيم الحنفي فيعرفها: «فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بهذا الفعل دليل جزئي».
وعليه فغير صحيح ما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة أن السياسة الشرعية تعني الالتزام حصريَا بتطبيق أوامر الشريعة وأحكامها المنصوص عليها في القرآن الكريم والسُنة الصحيحة، بل هي كما يستفاد من أقوال علماء السلف إجتهاد الحاكم المسلم في أفضل الطرق لإقامة العدل، وتحقيق المصلحة فيما لم يرد به نَص، ومن باب أولى فيما وردت فيه النصوص.
ومن هنا كان من البديهي أن تنفتح السياسة الشرعية على الخبرات البشرية، وتستمد منها وسائل وأدوات وأفكارًا تسهم في تحقيق مقاصد الشريعة، وأعظمها هو صون مصالح الناس على أساس العدالة.
للسياسة الشرعية -في ضوء ما سبق- خمسة مقاصد، هي:
1- تمكين عموم الناس من ممارسة أساسيات الحياة، بترتيب أمور البياعات، والإجارات، والمساقاة وغير ذلك مما لابد منه لافتقار الإنسان إلى ما ليس عنده واحتياجه إلى غيره في تحصيل مصالحه كما يقول الطرابلسي.
2- الحض على مكارم الأخلاق، بسن قوانين تشجع على المواساة بين الناس، وتحرير الأنفس المقيدة بقيود الجهل والمرض والديون، وتنظيم التبرع بالهبات والأوقاف للمنافع العامة.
3- صيانة الضروريات الخمس الكبرى، وذلك بتنظيم إجراءات القصاص في النفوس والأطراف، وتيسير الزواج وإعفاف الشباب، ومعاقبة المتعدين على حرمات النساء، ووضع الإجراءات الكفيلة بحماية أموال الناس، واستردادها من المعتدين عليها بغير حق، وتنظيم البرامج والمشروعات التعليمية والثقافية والترفيهية الراقية التي تسهم في تنمية العقول، وفي صونها من الوقوع في الغواية، أو الإضرار بها بشرب المسكرات والخمور وغيرها من المحرمات.
4- الردع والزجر، ويكون ذلك بتشريع العقوبات والتعازير التي تكف الأذى عن عموم الناس وتضمن أمنهم وتصون أعراضهم. ولا بد أن تكون قوانين الردع والزجر حاصل شورى جماعية تنتهي بقرارات ملزمة.
5- المحافظة على النوع الإنساني، ويكون ذلك بتشريعات وقوانين تنظم الاستفادة بالمباحات التي تتحصل منها راحة الإنسان، وتيسر حصوله على نصيبه من متع الدنيا.. ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (سورة القصص: ۷۷)، ويتمكن من العيش عيشة طيبة.
تلك هي «مقاصد السياسة الشرعية»، حسبما أدى إليه اجتهادنا، والباب مفتوح لمزيد من الاجتهاد، كي لا تبقى نظرية المقاصد العامة للشريعة العملاقة حبيسة رؤى ضيقة، وكي تنفتح آفاقها على ما ينفع الناس في واقع حياتهم، ويعنيهم على مواجهة تحديات المستقبل.
(●) أستاذ العلوم السياسية مصر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل