العنوان مقاصد التنصير في العالم الإسلامي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أكتوبر-1986
مشاهدات 74
نشر في العدد 786
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 07-أكتوبر-1986
حينما اجتمع مؤتمر المنصرين بالقاهرة في عام 1908م برئاسة الدكتور صموئيل زويمر
(الذي ثبت أنه يهودي) قال في ذلك المؤتمر، موجهًا خطابه للمنصرين: إن البعض منكم، قد
فهم مهمته، فهمًا خاطئًا، فظن أنه مطلوب منه، إدخال المسلمين في المسيحية! كلا فإن
في ذلك هداية لهم وتشريفًا! وإنما مهمتكم فقط إخراج المسلمين من الإسلام.
ونحسب أن هذه المقولة، مفيدة جدًا، في إيضاح مقاصد التنصير في المنطقة الإسلامية،
وهي تساعد على إيضاح الإبهام، وإزالة اللبس في أذهان الحائرين، أولئك الذين يتصورون
أن المجال الحقيقي للتنصير، هو في أوساط الوثنيين داخل القارة الإفريقية! لكن إيجاز
زويمر الواضح، أزال كل لبس من الأذهان، وحصر المهمة في الأمر الأوحد: إخراج المسلمين
من الإسلام.
ثم إن ذلك أمر تصدقه الوقائع، فلم تشهد الأيام مسلمًا ارتد عن دينه وفني إخلاصًا
وصدقًا في المسيحية، وإنما قصارى التنصير، أن يخلف وراءه، مجموعة من المحطمين نفسيًا
وأخلاقيًا، يخرجون من إسلامهم -هذا صحيح- ولكنهم يفشلون في دخول أي دين آخر سواه، ويتقلبون
في العذاب والشقاء، النفسي والمعنوي إلى أن تنتهي أيامهم على هذه الأرض.
- ماذا
تستفيد الكنيسة؟
ولعل السؤال، الذي يتردد على الألسنة دائمًا، وماذا تستفيد الكنيسة من ذلك؟ ولمصلحة
من تقدم جهودها تلك؟ والحق أن هذا باب واسع جدًا، ويكفينا في مقامنا هذا التذكير بالصراع
الطويل بين الإسلام والمسيحية المنحرفة وكذلك اليهودية، أما اليهودية فهي ديانة قومية
منغلقة على نفسها، وهي تتخذ وسائلها الخاصة، لحمايتها ووقايتها، وأما المسيحية فهي
ديانة عامة، غير أنها تشترك مع اليهودية في أصولها، فهي بمثابة طور جديد لليهودية بعد
تنقيح وإضافة، والغربيون عمومًا من المنتمين للمسيحية يركزون على ذكر هذه الحيثية،
حيثية الأصول المشتركة! ووفقًا لهذا، ليس هناك من تضاد بين اليهودية والمسيحية! بل
على العكس تمامًا، هما أشد ما يكونان انسجامًا، والمحاولات للتقارب بينهما، ونفي القساوسة
للآثام الموروثة عن اليهود تجاه المسيح، وما إليه شاهد على ما نقول.
- أما
الإسلام
ولكن الإسلام يختلف أمره تمامًا، فهو رسالة مستقلة، ودين مهيمن على ما سبقه،
وتلك مسلمات تعمل في أوساط المؤمنين به، ولذا عندما يجيل المسيحيون أنظارهم، لا يجدون
منافسًا حقيقيًا، في ساحة الاعتقاد سوى الإسلام، ويزيد من خطورة الأمر بالنسبة إليهم،
أن الإسلام لا يقصر مبادئه، على النواحي التعبدية الفردية فقط بل يتسع ليشمل كل ما
يتصل بالحياة والإنسان. فهو عقيدة وشريعة. وخصوصيته ظهرت من خلال شريعته أكثر ما ظهرت.
فمعلوم أن كلمة التوحيد معروفة لعالم التدين منذ أن خلق الله آدم. وإنما تميز الإسلام
بشريعته التي بسطت جناحيها لتشمل كل ما يتصل بالإنسان وحياته! وهذا خطر يقدره المسيحيون
حق قدره.
- موجة صليبية حديثة
ومع علمنا أن المسيحية اليوم ما عادت ديانة بالمعنى الحقيقي -بالنسبة للعالم
الغربي- بقدر ما عادت انتماء وتمييزًا، إلا أنها تشكل دعامة أساسية في وحدة ذلك العالم،
وتكوين ثقافته وبناء حضارته. ومع تطور العالم الغربي، ونهضته الحديثة، التي بنيت على
ما سمي بالتوسع الإمبريالي، قامت موجة صليبية حديثة، على العالم الإسلامي تحاول الإجهاز
على جسمه وروحه، حريصة على إزهاق معنوياته وتحطيم نفسياته. وقد دعت تلك الموجة الصليبية
الجديدة، دروس سالفاتها وتجاربها. فعزمت على وعي الدرس، وأنشأت من أجل ذلك مجاميع متخصصة،
اصطلح عليها «بالاستشراق»، عكفت على دراسة الشخصية المسلمة، مهتمة بنقاط الضعف فيها.
- الغرب والشرق متفقان للقضاء
على الإسلام
إننا نذكر ثانية ونكرر بلا ملل، لغير الإسلاميين من أبناء هذا العالم الإسلامي
على وجه الخصوص.. إن مصلحة العالم الغربي أو الحضارة الغربية، بشقيها الشرقي والغربي،
قائمة على القضاء على الخصم الحقيقي الوحيد، والمنافس الذي يملك مؤهلات التنافس، من
رسالة تشعر المنتمي إليها، بخصوصيته، ودوره على هذه الأرض، تأبى له أن يكون تابعًا،
أو مستعبدًا لغير الله، ذلكم هو الإسلام، ومن هذا المنطلق وهذه الحقيقة، المعروفة لدى
خصومنا، من أبناء العالم الغربي، دأبت جهود العالم الغربي، على تسخير كل ما لديه من
وسائل، لخدمة هذا الهدف، وتحقيق هذا الغرض، لتحطيم المنافس الوحيد: الإنسان المسلم..
وفي هذا الإطار، تفسر الجهود التنصيرية في العالم الإسلامي عمومًا. ولا ريب أن
التنصير استفاد من تطور العالم الغربي الذي ينتمي إليه وجعل من إنجازاته الحضارية،
وسيلة وسببًا لبلوغ أهدافه في عالم الإسلام. وكان على رأس ذلك التعليم.
- السيطرة
على التعليم
هذا ومن الأمور المعلومة لدى التربويين أن التعليم من الوسائل المؤثرة جدًا،
في صياغة الشخصية وبنائها، وأنه يمكن عن طريقه تحقيق أهداف معينة، تتمثلها شخصية المتعلم،
وأن كل نظام تعليمي منوط به غايات معينة، وأن نمط التعليم ومنهجه هو الذي يحدد تلك
الغايات.
ومن هنا تأتي أهمية النقاش للتعليم التنصيري في إفريقيا وأسيا والبلدان العربية
التي تسمح بافتتاح مدارس نصرانية خاصة فهذا النوع من التعليم لن يصب في مجرى مصالح
الأمة. وفقًا لبنائه الخاص وحقائقه المرتبطة به. وهو لابد آت بنتاج من الناس، يجسد
أمنية زويمر السابقة -إخراج المسلمين من الإسلام- في صورة من الصور وبنسبة وإن قلت،
لكنها موجودة على كل حال!
- المدارس
التنصيرية
تنقسم المدارس التنصيرية في كل بلد إسلامي إلى قسمين: قسم يتبع للكنيسة بصورة
مباشرة كمدارس فجر الصباح والجيل الجديد، والضرير، والفرنسيسكان وغيرها. وقسم مرتبط
بالجاليات الأجنبية، كالإنجليزية والأميركية والفرنسية وغيرها.. وهذا القسم الثاني
وإن كان في الظاهر قد أنشأ مدارسه هذه، لرعاياه وأبنائه، إلا أنه يشترك مع القسم الأول
في الخطر على الأجيال في الدول الإسلامية، حيث إن بعض المسلمين وللأسف سعوا بأبنائهم
إلى هذه المدارس حتى صارت هذه المدارس تضم نسبة من أبناء المسلمين طاغية على أبناء
المسيحيين!
ولكن المتمعن في القسمين المشار إليهما يرى أن الفروقات بينهما شكلية بحتة، فكلاهما
يلتزم المنهج الغربي في التنشئة والتعليم، ثم إن العبرة بالنتاج والنتائج، فنتاج هذين
القسمين ونتائجهما واحدة في النهاية. فهما يخرجان أنماطًا بشرية، متحدة المعالم والمميزات.
ويغلب على هؤلاء الخريجين والخريجات النزعة الغربية في التفكير والثقافة والسلوك. وبهذا
يكون المسلمون قد وفروا للمنصرين جهدًا ما بعده جهد.
- «مسلمون» مطية للمنصرين
ويحز في النفس أن تتخذ الأسماء المسلمة والجهود المسلمة مطية لبلوغ أهداف أعدائنا
فينا، فالمدارس التابعة للكنيسة تبعية مباشرة قامت على جهود «مسلم» وصاحب رخصتها كذلك
رجل مسلم! ومعلوم أن ترخيص المدرسة الخاصة لا يكون إلا لأبناء البلاد، لذا فصاحب الرخصة
في الدولة الإسلامية هو كفيل لكل المبشرين النصارى القادمين إلى هذه المدرسة، لكن الأغرب
من هذا أن صاحب الترخيص يحرر تفويضًا عامًا في وزارات العدل، لنصراني من المبشرين بالتصرف
المطلق في كل ما يتصل بالمدرسة.
فالترخيص للمدرسة باسم مسلم، والمؤجر للبناء والأرض رجل مسلم ونخشى أن يكون التمويل
في بعض أنحاء عالمنا الإسلامي أيضًا كذلك!
ولا نود السبق بسوء الظن، بهؤلاء المسخرين، لتحطيم دينهم وأمتهم على اختيار منهم،
فقد لا يفطنون لمقاصد هؤلاء وقد يظنون الأمر أمر تعليم فقط، ولكن الجهل لا يعفي من
المسؤولية لاسيما في الأمور المتصلة بمصير الأمة ومصالحها الكبرى!
- نتائج
لابد منها
ونود أن نشير في هذه الكلمة إلى ما بدأنا به: من أن المقصد الأساسي للتنصير هو
إخراج المسلمين من الإسلام.
كما نحب القول ثانية إن العملية التربوية في العالم الإسلامي كله من أخطر العمليات
المتصلة بالإنسان اليوم، وأن كل نظام تعليمي يتمثل أهدافه، ومثله الخاصة وليس أهداف
الآخرين. فالمدرسة الإنجليزية أو الأميركية أو غيرها ليس في إمكانها أن تتجافى، عن
أهدافها الأساسية، نعم قد تراعي تلك المدارس أصول اللياقة والمجاملة فتزج بمادة التربية
الإسلامية واللغة العربية، تجاوبًا مع المجتمع الذي فيه، والتزامًا بقرار الدولة المضيفة،
ولكن القائمين عليها، لديهم من الوسائل العملية، ما يبطل كل أثر إيجابي لهذين المادتين،
فضلًا عن أن وضعيتهما الهامشية وتنافر أصولهما وخصائصهما مع أصول وخصائص المنهج الدراسي
المحتذى في تلك المدارس، كفيل بإبطال أي مفعول لهما، بل لا نبالغ إن قلنا إن أثرهما
في هذا الجو النفسي والثقافي «الغربي الطاغي» قد يكون سلبيًا محضًا.
وأخطر أثر في هذه المدارس، هو الأثر النفسي والفكري، فغني عن القول إن هذه المدارس،
تتوخى أن تكون، أنموذجًا ممثلًا لحضارتها. وهي قطعة من مجتمعها، وضعت في مجتمعاتنا
الإسلامية فكأن الموجود فيها، موجود في منطقة، ملحقة بالحضارة الغربية توًا! ويحس الإنسان
في جو كهذا، بصور التفوق الغربي، العاكس لعناصر الحضارة المنتجة لذلك الأنموذج. وهو
ناشئ غرير، يكون انطباع الآثار، في نفسه، عميقًا لاصقًا، فيتجسد في نفسه، صور الانبهار،
بهذا الخصم المتفوق، ويوطن نفسه على سلوك ما يسلك، حتى يحقق لنفسه التفوق، كما يتوهم!
ومن هنا ينشأ التطبع بعادات الغرب، وصور سلوكه واجتماعياته، ومن هنا تتشرب ذهنية الناشئ
الثقافة والفكر الغربيين، وسينشأ هذا معه، وينمو لاسيما إن كان من بيئة متلونة باللون
الغربي، فإن كان هذا فقد تودع منه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إننا وكما أسلفنا القول، لا سبيل، ولا إمكان، لغدو أبنائنا نصارى، ولكن التنصير غايته التحطيم والإجهاز على الشخصية المسلمة. وهذا أمر محتوم، وفقًا لما نراه ونراقبه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل