; المجتمع الثقافي: العدد 1433 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: العدد 1433

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-2001

مشاهدات 61

نشر في العدد 1433

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 09-يناير-2001

مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني

للمفكر الإسلامي التونسي الشيخ راشد الغنوشي

كتاب «مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني» للمفكر الإسلامي التونسي الشيخ راشد الغنوشي هو واحد من الكتب والدراسات المعمقة للشيخ راشد، والتي مثلت إضافة نوعية جديدة في مجال التأصيل الثقافي والسياسي والاجتماعي. 

والشيخ راشد –كما قال عنه فيصل مولوي في تقديم الكتاب الذي يحوي 193 صفحة من القطع المتوسط-: «كاتب إسلامي متنور ينطلق من أصول إسلامية قاطعة ولا يتنازل عن الثوابت الفكرية والتشريعية، ولكنه يعرضها بأسلوب العصر»، والحقيقة أن أزمتنا في طريقة الفهم، وأعتقد أن الشيخ راشد من الذين فتح الله عليهم بفهم هذا الدين فهمًا شموليًا راقيًا، يحتاجه كل داعية فضلًا عن كل مسلم، ولست أدري إن كنت سأوفق في عرض الكتاب الذي أعتقد أن كل كلمة فيه تشد القارئ شدًا، وتسري في دمائه وتؤثر في دقات قلبه، واتجاه فكره، لذلك فعرض الكتاب لا يمكن أن يغني أبدًا عن قراءته والتغذي به. 

أمر آخر يميز الشيخ راشد هو أنه لم يدخل في نزاعات فقهية تقليدية مع أهل التقليد أو التجديد أو اللامذهبيين، وكان ولا يزال يعتقد أن الإسلام أكبر من أن يدعي مدعٍ أنه يحتكر الفهم الأوحد للإسلام وشعاره: «حق الاختلاف وواجب وحدة الصف». 

في هذا الكتاب يتحدث الشيخ عن عشر مقاربات هي:

 1 – الحريات العامة في الإسلام: بدأ في هذه القضية في توضيح تهافت المقالات الوجودية التي تخير الإنسان في نوع من الإرهاب الفكري بين أن يكون «حرًا» وبين أن يكون مؤمنًا، مؤكدًا أن الحرية الحقيقية تكمن في الإيمان الحقيقي، وأن كثيرًا من المفكرين في الغرب وضعتهم المفاهيم اللامحدودة للحرية في إشكالية السؤال عن ماذا يفعل بالحرية، إضافة لتعدد المفاهيم بتعدد المدارس الفكرية والسياسية في الغرب وتضاربها، وتحدث عن التصور الإسلامي للحريات، فبين أنه التحرر من الأهواء والجهالات والطواغيت والهوى، حيث إن الإسلام أرسى قاعدة صلبة للحرية، وأين تقف الحرية يبدأ الجهل والهوى والاستبداد، كما أن الحرية هي التي تكون أمانة ومجاهدة، وفي هذا السياق تعرض لحرية المعتقد في الإسلام حيث ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: 256)، وللحريات السياسية ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، مؤكدًا على تعدد الثقافات والآراء في التاريخ الإسلامي، بناءً على مفاهيم إسلامية راسخة «تتعلق بحق المواطن في المشاركة في الشؤون العامة»، ومن ذلك «الحق في تكوين الأحزاب وحرية الصحافة والمشاركة في الانتخابات العامة، وتولي المسؤوليات، والتداول على السلطة عبر انتخابات نزيهة»، كما تناول حريات غير المسلم في الدولة الإسلامية، حيث إن «الإسلام لا يلغي كسب العلمانية فيما أنجزت من تحرير للعقل وإبداعات علمية في «الغرب» بل يرحب بها....». 

2 - «حقوق الإنسان في الإسلام»: ومهد لها بالحديث عن الإعلانات المختلفة لحقوق الإنسان الفرنسية والإنجليزية، والأمريكية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ثم تطرق الأصالة حقوق الإنسان في الإسلام، مستشهدًا بالقرآن والسنة، وأقوال العلماء عبر العصور، من ابن تيمية، وابن القيم وابن الصلاح، وغيرهم وعقد مقارنات بين حقوق الإنسان في الإسلام مع غيره من المذاهب والديانات والأيديولوجيات المختلفة، مبينًا أن «الحرية في الإسلام كما بينتها الشريعة وتاريخ الفقه الإسلامي هي حق العمل وحق الرعاية الصحية وحق بناء أسرة وحق التربية والحقوق الأساسية الأخرى» مسهبًا في الحديث عن كل عنصر من هذه العناصر، ثم تحدث عن هذه الحقوق في التاريخ الإسلامي حتى لا يجعل كلامه نظريًا فحسب. 

3 - أسس المجتمع الأهلي في الإسلام: يقول: «إن الحديث عن مجتمع أهلي أو مدني في الإسلام هو فرع من تصور الإسلام وثقافته العلاقة الجماعة أو الأمة بالإمام وعلاقة الدين بهما»، مبينًا أن «السياسة عمل ديني من جهة الباعث والمقصد»، وهنا تحدث عن مرحلة الاندماج بين الديني والسياسي، ومرحلة انقلاب الملك على الخلافة، ومرحلة غلبة السياسة على الدين بعد أن كانت في خدمته، وقد تعمق بالحديث عن كل مرحلة. 

4- مفهوم المساواة بين الشريعة ومواثيق الأمم المتحدة: أكد الشيخ أن الشريعة الإسلامية وحي تنزل به العدل الإلهي والرحمة المطلقتين، وهي تختلف عن الفقه، باعتباره تفسيرًا بشريًا لا يمكن تصور أدنى تناقض بينها وبين قانون عقلي أو قيمة إنسانية.. ولئن اختلفت الأصول الفلسفية لحقوق الإنسان ومنها حق المساواة بين الشريعة الإسلامية، وبين المواثيق الدولية، فإن مجالات اللقاء هي الأوسع وهي السمت العام لهذه العلاقة، وفضح الغنوشي في كتابه ازدواجية المعايير الغربية المناقضة للمساواة على المستوى الدولي مستشهدًا بالحروب الدينية في أوروبا، والحروب الصليبية، والاستعمار، وواقع الهيمنة المنافي للمساواة. 

5- فكرة المجتمع المدني بين الغرب والإسلام: تحدث عن جذور المصطلح في التاريخ الغربي تمايزًا عن الإرث الكنسي، حيث تأثر بها علمانيون في البلاد الإسلامية، وطرحوها كأداة للحرب ضد الإسلاميين، بعد أن أضفوا على المجتمع المدني بعدًا معاديًا للدين، بينما طرحه الغرب «أداة للحد من استبداد الدولة وسلطاتها ومنع تركزها». 

6 - فلسفة الإسلام السياسية: بدأ في هذه المسألة بالسؤال: «هل في الإسلام نظرية للحكم؟ وإن وجدت فما أسسها؟ وما علاقتها بالديمقراطية، وأين موقعها من حياة المسلمين ماضيًا وحاضرًا؟».

وكعادته في مادة الكتاب المفعم بنصوص الوحي والحديث والتاريخ يستشهد بصحيفة المدينة أول ميثاق لحقوق الإنسان وتنظيم العلاقات الإثنية وما تضمنه القرآن من تشريعات لتنظيم حياة الجماعة في مجال الحكم والسياسة والقضاء والعقوبات، وفي مجال الحرب والعلاقات الدولية، وفي مجال الأسرة والضمان الاجتماعي والعلاقة مع الآخر «ولئن اختلف علماء الإسلام ومنذ اليوم الأول لوفاة النبي صلى الله عليه وسلم حول شخص الحاكم ومؤهلاته «...» فقد أجمعوا حول الضرورة الشرعية لمنصب القيادة في الأمة»، ومن العناوين الفرعية التي تطرق إليها: تاريخ الحكم الإسلامي، وأين موقع المشروع الإسلامي الحديث من الديمقراطية والمجتمع المدني وسلطة الأمة، وخلص إلى القول إن «مركز الثقل في البنية الإسلامية هو «الفكرة»، ومن اعتناق الفكرة تستمد الأمة مصدر وجودها ورسالتها، وما الدولة إلا أداة من أدوات أداء الأمة رسالتها». 

7 - الثقافة والسلطة وحقوق الإنسان: وقد صدر بحثه بالحديث الشريف: «إذا رأيتم العالم يرتاد السلطان فاتهموه»، فكيف بالجاهل، واصفًا المثقفين بـ«الداء والدواء»، داعيًا لمصالحة تاريخية بين فئات المثقفين على أساس:

أ- القبول بمرجعية الإسلام والثقافة العربية مرجعًا أعلى لثقافتنا المعاصرة، مع ضمان حق الاجتهاد، فلا كنيسة في الإسلام، ولا ناطق رسميًا باسم الأمة.

 ب – نظرة المظلوم. 

جـ - المساواة وحق التعبير والمشاركة والتداول على السلطة.

 د- الدفاع عما تبقى من مؤسسات المجتمع المدني الإسلامي.

 هـ - الامتناع المطلق عن استصراخ الأجنبي. 

  • التعاون لإنشاء ثقافة عربية إسلامية معاصرة.

  •  التعاون على تأسيس نواة لمجتمعات عربية ديمقراطية حقيقية «..» على طريق نظام عربي إسلامي. 

8- عنون لها بسؤال استنكاري «أية حداثة»: منتقدًا الحداثة الغربية التي وصفها بأنها كنيسة، ومن النوع الذي ثارت عليه أوروبا، عندما عملت على تأميم الدين واحتكار التحدث باسمه، وعن المرأة قال: «المرأة ليست وحدها التي تعرضت لمظالم وإنما تعرض المجتمع كله للجهل والاستبداد والتأخر»، مؤكدًا أن الحداثة لم تحرر المرأة مسفهًا من يعتقدون بأن حداثة المرأة تقاس بقدر بعدها عن الإسلام في أسلوب حججي نادر، وتحت عنوان «حرية للجميع» يؤكد الغنوشي بأن «مشروعنا أبعد من أن يكون مجرد دفاع عن حرية لنا خاصة وتبادل مواقع الاستبداد، نحن ندعو الحرية للجميع».

9- طرح فيها إشكالية سياسية عميقة في البلاد الإسلامية «شعب الدولة، أم دولة الشعب»: وهو يصنف الحكومات، وعلاقاتها بالشعوب إلى صنفين: «صنف يحكم بالقهر والغلبة «...» والسيطرة على التعليم ودور العبادة والإعلام والتشريع والقضاء والإدارة والمال «….» وليس على شعب الدولة إلا أن يصدق ويهتف بآيات الإعجاب «...»، وصنف يختار فيه الشعب حکامه، وعندما يستمر الشيخ راشد الغنوشي في تصوير نمط العلاقة في الدولة الاستبدادية بين الحاكم والمحكوم تراه قد فاق، فيكتور هيجو، وكاننج، وبايرون، والماجناكارنا، وروسو، ومازيني، وأ. ج جرانت، وهارولد تمبرلي، في وصف مظالم عصرهم وطواغيته ومخازي المستبدين فيه، ويتساءل الغنوشي: «كيف السبيل إلى دولة الشعب؟»، ويجيب: «ليس هناك من طريق غير النضال في كل مستوياته».

10- العلاقة مع الغرب، وهو يعرض لها من خلال حوار أجرته مجلة «فلسطين المسلمة» مع الشيخ راشد الغنوشي، ويؤكد أن الغرب «يتعاون ضد الإسلام حتى مع الشيوعيين أعداء الأمس، ومع كل سلطة دكتاتورية مفسدة، وذلك بالتورط في تطبيق المعايير المزدوجة خلافًا لما يعلنه من التزامها بالمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان»، مؤكدًا أن ذلك لا يخدم مصالح الغرب على المستويين المتوسط والبعيد.

 

واحة الشعر 

افتحوا باب الجهاد

شعر: أحمد محمد الصديق

أطلقوا منا الأيادي 

وافتحوا باب الجهاد

فربوع القدس في محنتها 

الكبرى تنادي

أين من لبي ولم يبخل

وأورى بالزناد؟ 

أين من طار إلى الميدان

 سباق الجياد؟ 

وجنان الخلد تزدان

 له يوم المعاد

إن للأقصى جنودًا 

بايعوا رب العباد

بصدور عاريات

واجهوا الحقد المعادي

بذلوا العمر فداء 

وانتصارًا للمبادي

بينما الغاصب كالمأ 

فون يغريه التمادي

وذئاب الغدر بالعدوان 

 وإن سيل من جراد

والدم القاني تلظى

شعلة ذات اتقاد  

تتسامى كل يوم

في شموخ واعتداد

تتنامى واحة خضراء

في عرض البوادي 

أو كنهر فاض بالخصب..

 وأثرى كل واد

فارفعوها في ذرى الــ

حق منارًا للرشاد 

ترسم المجد وتعلو

فوق أشواك القتاد 

وإلى التحرير تمضي

 في ثبات واجتهاد 

فانهضي يا أمتي

ولتخلعي ثوب الحداد

في سبيل الله هبي

في التئام واتحاد  

واسمعي نبض قلوب

كالأعاصير الشداد 

وهتافات الجماهيـ 

ر.. وبعثًا للجماد

ليس يفنى الشعب بل يفـ

نى دعاة الاضطهاد 

إنه يوم التصدي

والتحدي.. والجلاد 

فارفعي قامتك الشـ 

ماء..كالصم الصلاد  

لاح نور الفخر في الآ

فاق من بعد السواد 

سوف تهوي كل أوثا

نك.. سحقًا للفساد 

ولك البشرى غدًا

والنصـر آت يا بلادي

 

الصراع الحضاري في رواية «سر الشارد»

لعبد الله عيسى السلامة

بقلم: محمد الحسناوي

  • بين البداية والنهاية يمر «الشارد» بسلسلة من التجارب القاسية والاضطهاد فرديًا مرة وسياسيًا واجتماعيًا وحضاريًا مرات أخرى

  • لكل أديب طريقته في إبداع الشخصيات.. وفي هذه الرواية يبدأ التشكيل من الفكرة الذهنية ثم يتدرج في صناعة الشخص الذي يمثلها

ليست رواية «سر الشارد» (*) لعبد الله عيسى السلامة رواية تاريخية أو أسطورية حتى نعمد إلى كشف أقنعتها، بل هي رواية عصرية شكلًا ومضمونًا، ولكن هل هناك ما يمنع أن يكون لهذا العصر أقنعته وأساطيره؟! وهل العصر إلا جزء من التاريخ، أو استمرار له، أو حلقة من حلقاته؟ بمثل هذا النظر الشامل يجب أن نتسلح قبل أن نتوغل في عالم هذه الرواية – كما يبدو - لنستطيع قراءتها، قراءة استمتاع، أو قراءة استكشاف تحليلًا وتركيبًا. 

المستوى الأول

«الشارد» بطل هذه الرواية: رجل عبقري، واسع العلم والثقافة، مضطرب المزاج، مهزوز الفكر، تزوج أبوه المسلم المحافظ «قحطان» من أمه الأوروبية المتحررة «سوزي»، واختلفا على تربيته، كل منهما يحرص على تنشئته وفقًا لمقتضيات عقيدته وتقاليده، وأسلوبه في الحياة، فأصيب الفتي «ميمون» بشرح نفسي، ظل ملازمًا له طوال حياته. 

وأرسله أبوه للدراسة في جامعات أوروبا وأمريكا، فحصل معلومات راقية مميزة، وحصل على درجات علمية عالية، وثقف نفسه ثقافة موسوعية في مجالات شتى، وعاد إلى بلاده. 

مات أبوه - على فراش المرض – بطريقة غامضة، وكان هناك شك في أن يكون لأمه يد خفية في وفاة الوالد. 

اختلف «الشارد» مع أمه، حول أسلوب حياتها المتحرر من القيم، وباعت الأم ممتلكات الأسرة، بموجب وكالة عامة، كانت قد حصلت عليها من الأب قبل وفاته بطريقة محفوفة بالشك، ثم جمعت كل ما لدى الأسرة من أموال وسافرت إلى أوروبا، بعد أن طعنت ابنها المتحفظ على سلوكها، بسكين في صدره طعنة قوية، سببت له جرحًا غائرًا لازمه طوال حياته. 

أصابته الأحداث المتلاحقة، بنوع من الخلل الذهني، والاضطراب النفسي، وهام في البلاد، يتجول في المدن والأرياف والصحاري، وسماه الناس «الشارد» ونسوا اسمه الحقيقي: «ميمون بن قحطان الساعوري». 

تبدأ القصة و«ميمون» مشرد في «الفلاة»، وتنتهي و «الشارد» قد عاد إلى تلك الفلاة، وغاب فيها بشكل غامض، والمرجح أنه قد مات فيها موتًا غامضًا أيضًا. 

بين البداية والنهاية يمر «الشارد» بسلسلة الخبرات والتجارب القاسية، أو الاضطهاد فرديًا مرة، وسياسيًا مرة أخرى، واجتماعيًا وحضاريًا مرات صراعات في البر والبحر والجو. 

المستوى الثاني

إن القراءة الثانية تكشف قناع المستوى الأول لتضعنا أمام مستوى آخر ترسم ملامحه مدلولات الأسماء والأمكنة. 

للأسماء في هذه الرواية إشكالية أخرى نؤجل الحديث عنها ونكتفي هنا بدلالاتها «المجردة» فاسم أبي الشارد «قحطان» بقدر ما هو اسم رجل عربي معاصر، هو في المستوى الثاني جد العرب أو العالم العربي كله في صراعه مع الغرب الأوروبي والمدنية الغربية من خلال صراعه مع زوجته الناشز «سوزي»، وهكذا يكون اسم الشارد «ميمون» اسمًا أو رمزًا لأسماء أبنائنا الذين أرسلوا في بعثات دراسية إلى أوروبا، ثم عادوا إلينا، فلم يفلحوا في إنهاضنا، بل انتهوا نهاية الشارد ضائعين هالكين في الفلاة. 

أما دلالات الأمكنة، فليس ذكر أوروبا في الدراسة أو السفر أو الزواج منها أو تدخل سفير منها «نفوذًا أجنبيًا»، بل هناك بؤرة نموذجية لهذا الصراع الحضاري، ألا وهو السفينة ملتقى المسافة بين العرب والفرنجة في البحر. 

«السفينة» ليست عنوانًا للفصل الرابع يتوسط ثمانية فصول وحسب، بل هو بؤرة الرواية أيضًا، والسفينة بركابها وبحرها أطوار ثلاثة:

الأول: قبل العاصفة، حيث البحر ساكن، وحيث أبناء الجنسيات والثقافات المتعددة يتحاورون على سجيتهم، فالشارد ميمون اسمه الآن «مهروس المنفلوجي» تاجر كلاب، وفي الحقيقة خبير كلاب «كلاب حيوانية وكلاب بشرية» - وللسخرية في هذه الرواية حديث آخر– لا يشرب الخمر، ولا يزني، وهو صاحب رسالة حضارية له رأي في القدر والحياة والموت، أما ناتاشا السائحة الإيطالية وزوجة الباكستاني الأمريكية الشقراء، وريتا وموريس وأندريه وجوزيف وميشيل، فإنهم على العكس يشربون الخمرة ويمارسون كل الموبقات. 

جاءت العاصفة، فكان الطور الثاني لركاب السفينة البعيدة عن الشاطئ، وعن سفن الإغاثة مسافة ساعة ونصف الساعة، وقوة العاصفة سوف تغرق السفينة بمن فيها بعد ربع ساعة، فتوحد الحس البشري اليائس البائس، بحث الركاب عمن ينجيهم فلم يجدوا إلا الله تعالى، وبحثوا عمن يخلصهم من ذنوبهم، ويدعو الله لهم، فلم يجدوا غير «مهروس المنفلوجي» الذي ظنوه «واعظًا»، فلم يستجب لرجائهم إلا مضطرًا، ولما هدأت العاصفة، انقلب عليه الأوروبيون الغربيون في الطور الثالث للسفينة، وعدوه مشعوذًا، أو إرهابيًا، أو شاهدًا حيًا على ضعفهم وتفاهتهم. 

أما عن الحوارات المعبرة عن تنوع الثقافات والعادات، فيجيب «مهروس المنفلوجي» وهو اسم جديد من أسماء الشارد على سؤال «ناتاشا»: «فمن أي البلاد أنت على وجه التحديد؟» قائلًا: «ما دمتِ تريدين التحديد والدقة، فأقول لك: إنني من البلاد التي تتحكم... بأناسها، وبمعنى أدق: من البلاد التي تأكل كلابها أناسها، وهذا بعكس البلاد التي يأكل ناسها كلابها، كالفلبين ونحوها. 

مستويات أخرى

رواية «سر الشارد» هي العمل الروائي الثالث لعبد الله عيسى السلامة بعد روايته: «الثعابيني» و«الغيمة الباكية»، والخيط الذي يجمع بين هذه الروايات الثلاث هو خيط الصراع السياسي الغالب على الروايتين الأوليين ثم الحضاري في الرواية الأخيرة وضمنه جانب مهم هو الصراع السياسي أيضًا، أطراف الصراع الكبيرة: طرف غالب يمثله الغرب: أوروبا بجيوشها وحكوماتها ودبلوماسييها ومستشرقيها وجواسيسها وعملائها الدوليين والمحليين، وطرف مغلوب هو عالمنا الثالث أو العربي. 

تصوير الصراع على تكراره في الروايات الثلاث ليس تشاؤميًا، كما يخيل لنا في مستواها الأدنى، بل هي – فضلًا عن واقعيتها التاريخية –  استفزازية استنهاضية في مستوياتها الأخرى، فميمون الشارد لم يسقط إلا بعد أن خاض صراعات كثيرة، وكشف بنفسه وبمن تعاطف معه عن أبعاد المؤامرة الضخمة للهيمنة المعادية محليًا ودوليًا أمنيًا وسياسيًا واجتماعيًا وحضاريًا. 

لعبة الأسماء – اللغة

مؤلف الرواية يتعامل مع أسماء العلم «الشخصيات – الأماكن- المصطلحات».. تعاملًا يكاد يكون خاصًا، لا يكتفي بإشارتها إلى المسمى ككل أسماء العلم بل يختارها شفافة عن صفاته، صفات المسمى، أو عن معانٍ يرمي إليها المؤلف أو أحد المتحاورين في الرواية، فالاسم قحطان –كما رأينا – هو اسم والد الشارد «ميمون»، وهو في الوقت نفسه قناع أو رمز للعرب أو للعالم العربي وهو في التدليل عند زوجته «كيتو». خذ الكلاب الحيوانية وأسماها مثلًا، كلبًا الراعي هما «هراس ومراس»، وتدليلهما: «هيرو– ميرو»، وكلب الشقراء ناتاشا اسمه: «كيتو» واسم التحبب له: «كيكي وأحيانًا كوكو»، وكلب الشقراء الإيطالية اسمه: «سيجي»، وميمون الشارد نفسه له أسماء وألقاب كثيرة بحسب الأزمنة والأمكنة والأمزجة وسياقات الحوار. 

ففي التدليل اسمه «مينو» وفي الشتيمة «منحوس»، وتدليل لقبه الشارد: «شيرو»، وفي حال التخفي اتخذ اسم «مهروس المنفلوجي» في السفينة، وقبله موه على السائق باسم: «متبوع بن مطرود المسحوق»، وهو وصف لحاله كما ترى، ولدى الالتباس نودي في السفينة باسم «فهلوجي»، كما اتخذ في مدينة «عين البحر» من «جمهورية الصخرة الماسية» اسمين مزورين آخرين أولهما «عرفان» ولقب حينذاك بالنصاب أو الغريب أو السايح أو المنجم أو الحكيم أو الشيخ أو الأستاذ أو الولي، بل الجاسوس. 

ثانيهما: «حكيم البصار»، أما صديقه «أبو   الربيع» فسمى أولاده على هذا المنهج الدلالي التلاعبي. الأول: «ربيع» والذي يليه: «شعبان» والذي بعده: «صفر» والآخر: «صيفي» أضف إلى ذلك اختراع مصطلحات بالاشتقاق وبالفك والتركيب أو الزيادة، مثل: «فأنت مركب من ماءات الإنسانيوم، ونشرات الشيطانيوم، وكلورات الحيوانيوم، وبرمنجنات الثراديوم»: المصطلح الأخير نسبة إلى الراعي «ثراد» مثل ذلك: «العنفومنفولجيا» من العنف، و«الشاردونيا» من الشارد و«ميمونينا» من ميمون وقتنزعونيا»، و«سلاقونيا»، من اسم طبيبين مغرورين: هما «قنزع» و«سلاق» وهكذا الأمثلة كثيرة.. فهذا الحجم الكبير من الأسماء والألقاب والاشتقاقات لا يستدعيه شغف «الشارد» المثقف المصاب بلوثة نفسية أو انفصام، ولا حاجة الشخصيات المتخفية أو المتنكرة، بل الأمكنة لديها مثل هذه الإشعاعات اللغوية، فعظام الشارد لا توجد أخيرًا إلا «في المنطقة الواقعة بين وادي الأحزان وتل المصايب» بما يوحي أن المشكلة في المؤلف نفسه الذي عمم هذه اللعبة اللغوية على شخصيات الرواية ومفاصلها. 

شبيه ذلك شغف «الشارد» وبعض الشخصيات الأخرى بشواهد القرآن الكريم والحديث الشريف والأمثلة والحكم والأشعار، بمناسبة وغير مناسبة «35» بيتًا من الشعر، وهذه ظاهرة نجد لها جذورًا وأمثلة في روايتيه السابقتين، تحتاج إلى تحليل آخر. 

لعبة الأفكار

بالمقابل، أو على النقيض هناك شغف بالأفكار.. تنويعًا وتفريعًا وأخذًا وردًا ونقضًا، لا يقل عن الشغف اللغوي بالألفاظ والشواهد والنصوص. 

هناك من الروايات الضخمة ما عالج فكرة واحدة أو الفكرة ونقيضها، أو توابعها مثل «الجريمة والعقاب» و«المقامر» لدستويفسكي، أما هذا الشارد في الزمان والمكان والأفكار فقد طوف كثيرًا لا سيما في المؤتمرات العلمية أو الصحفية التي عقدت لامتحانه أو الحوارات التي هيأت لجولاته الفكرية كالطاولة المستديرة على ظهر السفينة. 

لعبة الحوار

ما دام الحوار جزءًا من القصة والركن الوحيد للمسرحية، فإن هذه الرواية تكاد تكون وسطًا بين هذين النوعين الأدبيين، بل تغلب الحوار على السرد في معظم الفصول، ولولا طول الحوار المفرط في عدد من المواضع لانقلبت الرواية إلى مسرحية، وهذه ظاهرة مألوفة في الأعمال الروائية للمؤلف، ولعلها أيضًا ظاهرة مستحدثة في الجنس الروائي، وهنا سؤال يطرح نفسه، أيهما استدعى الآخر: التفلسف وازدحام الأفكار، أم الميل إلى الأسلوب الحواري لدى المؤلف، أم هناك جدلية في العلاقة؟ 

أما السخرية فهي الطابع الذي صبغ الأفكار والحوارات بصيغته الطريفة. 

لعبة السخرية - تاجر الكلاب

في كتاب «الضحك» تحدث هنري برغسون عن المضحك عامة، وعن المضحك في الأشكال والحركات وعن مضحك الظروف ومضحك الكلمات ومضحك الطباع، أما مؤلف رواية «سر الشارد» فقد استوفى هذه الأنواع جميعًا ونيف. وما لعبة الأسماء اللغوية والأفكار المتناقضة إلا جزء من لعبة السخرية الأكبر- سنقتصر الآن على لعبة «تاجر الكلاب: مهروس المنفلوجي»، فاسمه لعبة في حد ذاتها لأنه مزور من جهة، ولأن دلالته الحرفية تشف عن معاناة «الشارد ميمون» من مخالب الكلب «هراس»، أو طعنة أمه «سوري» في صدره، أو ملاحقة الأجهزة الأمنية ظلمًا له وما شابه ذلك من جهة ثانية، هذا على مستوى الاسم المستعار، أما على مستوى «الحرفة – الصنعة: تجارة الكلاب» فلعبة أخرى مصطنعة، لأنه في الحقيقة مثقف عالم يحمل أعلى الشهادات الجامعية، أما المستوى الأبعد والأهم فهو الإشارة السافرة إلى كلاب البشر، وقعة السخرية الدرامية حين تمر العاصفة بسلام، وينقلب هؤلاء جميعًا على واعظهم بلا ذنب اقترفه، لينالوا منه بالاتهام والسباب والضرب ثم الطرد من السفينة نهائيًا. 

لعبة الجنس - الحيوان

نصادف الجنس على مستوى الإنسان وعلى مستوى الحيوان وعلى مستوى مختلط بينهما، المختلط في الممارسة، أو المختلط في المستوى الأخلاقي، وهناك الحب الشريف أو العطف أو الإعجاب بين «عفراء: ونجوى» و«الشارد ميمون»، وهناك استخدام الإغواء الجنسي لأغراض أمنية سياسية، كما فعلت «سوزان» في رواية «الثعابيني» و«وزنة اليهودية» في رواية «الغيمة الباكية». 

هكذا تتغلب الأنماط أو المظاهر الشاذة جنسًيا على غيرها، بما يخدم الخط الرئيس للرواية ألا وهو الصراع الحضاري - انهيار المدنية الغربية - تبعيتنا لهذا الانهيار بالتقليد - فساد أوضاعنا السياسية والاجتماعية، لكن هل يحتاج الأمر فنيًا إلى وصف القباحة المستعلمة إلى هذا الحد؟! في الأمر إسراف آخر. 

لعبة التشكيل

لكل أديب طريقته في خلق الشخصيات، عبد الله عيسى السلامة يبدأ التشكيل عنده من الفكرة الذهنية، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا في صناعة الشخص الذي يمثل هذه الفكرة أو يجسدها. 

هذه الطريقة اتضحت في رواية «سر الشارد»، وجعلت الشارد أقرب ما يكون من شخصيات المسرح الذهني عند توفيق الحكيم، من مزالق هذه الطريقة وقوع المؤلف في مطبات التجريد أو البعد عن الواقعية أو المألوف أو المعقول. نضرب على ذلك مثلين، أحدهما في الشخصيات، وثانيهما في الأحداث. 

شخصية الصحفي «أبي الربيع» غير مسوغة فنيًا كل التسويغ، التسمية لا نقف عندها وهو بائع صحف وليس عاملًا في الصحافة، إنما الذي نقف عنده هو الوعي الثقافي والسياسي والأمني الذي تمتع به ما لا يتمتع به جهاز من أجهزة الدولة البوليسية، فضلًا عن وجود صديق له في أوروبا! 

أما الأحداث فكانت في الفصول الأخيرة متسارعة، غير محبوكة فنيًا. 

لعبة الألعاب

رواية «سر الشارد» تظل بالرغم من مداخلاتنا وبسببها إضافة في رصيد عبد الله عيسى السلامة الروائي، وفي رصيد الرواية العربية، سواء في بنائها على تصور متماسك عن الله والإنسان والحياة والكائنات أم في تشكيل الأدوات الفنية، وقلما اجتمع لكاتب التوازن الحي بين التصور والتصوير، ولولا الإسراف في تفاصيل بعض اللعب الصغيرة التي أضرت ولم تفسد اللعبة الكبرى، لكانت الرواية إنجازًا ضخمًا، هذا مجمل رأينا المتواضع، فما رأي القراء والنقاد؟

الرابط المختصر :