العنوان مقابلة مع سعادة السفير التركي السيد جونير اوزتك
الكاتب محمد عبدالهادى
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1989
مشاهدات 58
نشر في العدد 923
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 04-يوليو-1989
القتل والتنكيل والنفي لمعارضي عمليات التذويب من مسلمي الأقلية التركية.
- هدف بلغاريا القضاء على الهوية الإسلامية لمليوني تركي.
- الطفل الصغير لا يؤمن بمصداقية المزاعم البلغارية التي
تدعي بأن مليون نسمة اختاروا فجأة تغيير أسمائهم.
- الصحافة البلغارية الرسمية تقوم بحملة جديدة من الإساءة
والتشهير بالإسلام ورسول الإسلام.
- السفير التركي السيد جونير اوزتك.
- سعادة السفير التركي يشرح قضية الأتراك المسلمين في
بلغاريا للمجتمع.
دخل الإسلام إلى منطقة البلقان في عهد السلطان
العثماني مراد الأول، وذلك ابتداء من منتصف عام 962 هـ في شهر يوليو، وبعد ثلاثين
سنة من ذلك التاريخ، دانت بلغاريا جميعها وغيرها للسلطنة العثمانية الإسلامية،
وعندها وفد آلاف المسلمين من أناضوليا «تركيا» ليستقروا في هذه المنطقة، كما أن
أعدادًا كبيرة من السكان المحليين تحولوا بأنفسهم إلى الإسلام، واستمر حكم السلطنة
العثمانية المسلمة لبلغاريا حتى عام 1877، وبحسب معاهدة برلين منحت الاستقلال
الذاتي في 13 يوليو عام 1878، وبعد ذلك بتسع سنوات تم ضم شرق الروملي التركية إلى
بلغاريا، ثم أضافت بلغاريا عام 1913 تسع مدن تركية، وهكذا شملت الأراضي التي
يحكمها البلغار على «الأقلية التركية»، وقد نصت معاهدة برلين على حفظ حقوق الأتراك
في بلغاريا... لكن الحكومة البلغارية مارست عملية «البلغرة» ضد الأتراك التي أدت
إلى انتهاك حقوقهم وعقائدهم... ولكي يقف قراؤنا في العالم الإسلامي كله على حقيقة
ما يجري في بلغاريا ضد الأقلية التركية المسلمة، كان لنا مع سعادة سفير تركيا في
دولتي الكويت والبحرين السيد جونر اوزنك الذي تفضل مشكورًا بالإجابة على أسئلة
المجتمع، وذلك كما في الحوار التالي:
عدد المسلمين في بلغاريا
المجتمع: كم عدد المسلمين في بلغاريا ؟
السفير التركي: يصل عدد أفراد الأقلية التركية
المسلمة في بلغاريا إلى ما بين مليون و 600 ألف ومليون و 700 ألف نسمة، وتحظى هذه
الأقلية بضمانات لحقوقها أو أوضاعها في المجتمع منحت لها بموجب اتفاقيات وصكوك
دولية.
المجتمع: كيف توصلتم إلى هذا الرقم؟
السفير التركي: كانت الحكومة البلغارية تصدر نشرة
إحصاءات رسمية، حيث تذكر المعلومات الرسمية الواردة في كتاب الإحصاءات الذي نشر في
عام 1956، أن عدد الأتراك المسلمين كان حينذاك حوالي 700 ألف نسمة. وبالطبع يضاف
إلى هذا الرقم عدد المسلمين غير الأتراك الموجودين في بلغاريا، وإذا أخذنا بعين
الاعتبار أن نسبة الزيادة السنوية للمسلمين تصل تقريبًا إلى 2.5%، وإذا أجرينا
الحسابات اللازمة واستقطعنا عدد الذين هاجروا إلى تركيا في عام 1968 والذي وصل إلى
130 ألف شخص، نصل وبسهولة إلى الرقم ما بين مليون ونصف ومليوني نسمة.
موقف الحكومة البلغارية:
المجتمع: ما الموقف الذي اتخذته الحكومة
البلغارية؟
السفير التركي: حتى عهد قريب كانت الحكومة
البلغارية تقبل بوجود الأقلية التركية المسلمة في بلغاريا، ولدينا نصوص للعديد من
التصريحات والمقابلات لكبار المسؤولين البلغار، من بينهم الرئيس البلغاري تودور جيفكوف،
يشيدون فيها بالإنجازات الإيجابية التي ساهمت بها الأقلية التركية المسلمة في
الحياة الثقافية في بلغاريا.
حيث تم إنشاء عدد كبير من المدارس التركية، وهنالك
ثلاث صحف يومية تصدر باللغة التركية، وكما سبق وذكرت فإن للأقليات التركية
والمسلمة في بلغاريا حرية ممارسة حقوقها طبقًا للضمانات الممنوحة لها بموجب
الاتفاقيات الثنائية والدولية.
لكن، وفجأة في عام 1984، ادعت الحكومة البلغارية
أن المسلمين في بلغاريا قد قرروا استبدال أسمائهم الإسلامية بأسماء سلافية، كما
نفت الحكومة أيضًا وبما يتنافى كليًا مع إحصاءاتها وتصريحاتها الرسمية وجود أتراك
في بلغاريا، وزعمت أن مسلمي بلغاريا هم بلغار في الأصل أجبروا - وبقوة السيف - على
اعتناق الإسلام.
المجتمع: وما رأيكم في تركيا حيال هذه الادعاءات؟
السفير التركي: أعتقد أنه حتى طفل صغير لا يؤمن
بمصداقية هذه المزاعم التي تدعي بأن حوالي مليون نسمة قد اختاروا فجأة تغيير
أسمائهم الأصلية بأسماء بلغارية، هل لك أن تصدق أن شخصًا اسمه محمد يختار طوعًا
استبدال اسمه باسم جريستوس؟.
إن العثمانيين لم يمارسوا القوة مطلقًا لإكراه شعب
ما على تغيير ديانته ومعتقداته، ولو قام العثمانيون بهذا العمل لكانت الخارطة
الاجتماعية لأوروبا مختلفة تمامًا عما هي عليه الآن.
تغيير الأسماء الإسلامية
المجتمع: كيف تمت عملية تغيير الأسماء هذه؟
السفير التركي: أولًا تم عزل جميع المناطق التي
تقطنها الأقلية التركية المسلمة، ثم ابتدأت رسميًا عملية التذويب، فتعرض عدد كبير
من الذين عارضوا أو رفضوا هذه الممارسات اللا إنسانية للقتل والتنكيل والسجن،
وأيضًا للنفي خارج البلاد.
بإمكانك أن تجد معلومات قيمة وشاملة حول هذه
المأساة في الصحف الدولية وضمن التقارير التي صدرت عن المنظمات التي تهتم بالحقوق
الإنسانية.
وإضافة إلى أعمال القمع والاضطهاد هذه فقد باشرت
الصحافة البلغارية الرسمية القيام بحملة جديدة هدفها الإساءة والتشهير بالإسلام
وبالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولدينا عدة أمثلة في هذا السياق نشرت في صحيفة
«شومنسكا زاريا»، في شهر نوفمبر من عام 1988، والتي تصدر في بلغاريا.
الهدف البلغاري
المجتمع: ما الهدف من هذه الحملة؟
السفير التركي: إن الهدف من هذه الحملة هو القضاء
على الهوية الإسلامية والانتماء الثقافي والديني لحوالي ما بين مليون ونصف ومليوني
مسلم تركي.
إن بلغاريا تسعى من خلال هذه الحملة التأكيد على
قيام التجانس في المجتمع البلغاري، وأود أن أذكر هنا أن بلغاريا وقبل المباشرة
بهذه الحملة ضد الأقلية التركية، حاولت ومنذ فترة الخمسينيات تطبيق سياسة الانصهار
في المجتمع البلغاري على الأقليات الأخرى مثل البوماك والمكدونيين والغجر.
الممارسات البلغارية
المجتمع: هل لك أن تفيدنا بما يجري حاليًا في
بلغاريا؟
السفير التركي: ما يجري الآن في بلغاريا أن
الأقلية التركية المسلمة الذي يبلغ عددها ما بين مليون ونصف ومليوني نسمة ترفض
وتقاوم سياسة الانصهار التي فرضت عليها.
إن المسلمين الأتراك يرفضون حملة التذويب اللا
إنسانية هذه ويطالبون باسترجاع هويتهم الثقافية وانتماءاتهم وحقوقهم الدينية، إضافة
إلى الاحتفاظ بالأسماء التركية المسلمة.. باختصار أن الأقلية التركية المسلمة
تطالب بأن تفي بلغاريا بالتزاماتها بموجب اتفاقياتها الثنائية والصكوك الدولية
التي تكفل حقوق وحرية الأقلية المتواجدة في بلغاريا.
المجتمع: ما الممارسات التي تقوم بها بلغاريا
الآن؟
السفير التركي: أولًا، تحاول بلغاريا ممارسة
عمليات القمع والتهويل بالقوة على الأقلية التركية المسلمة.
ثانيًا، تقوم بلغاريا بتهجير المسنين وجميع الذين
لم يتأثروا بسياستها القمعية... وتنفذ عملية التهجير هذه بالقوة، حيث يجبر
المبعدون على ركوب العربات والمغادرة تاركين وراءهم جميع ممتلكاتهم التي جنوها
خلال العقود الخمسة الماضية.
المجتمع: لقد سبق وذكرت لنا أن الحكومة البلغارية
قد نفت رسميًا وجود أقلية تركية في بلغاريا، إذًا لماذا تقوم السلطات البلغارية
بتهجير الأشخاص الذين تزعم بأنهم بلغار؟
السفير التركي: إننا بدورنا نستغرب هذا المنطق
والتعليلات التي تقدمت بها الحكومة البلغارية في هذا الشأن.
ولكننا نأمل هذه المرة بالحصول على تفسيرات تكون
أكثر وضوحًا وإقناعًا.
النظرة التركية
المجتمع: كيف تنظر الحكومة التركية إلى هذه
المشكلة؟
السفير التركي: تنظر الحكومة التركية إلى هذه
المشكلة من منطلق إنساني، وتعتبر أن المأساة الحالية التي يتعرض لها حوالي مليوني
مسلم في قلب أوروبا يجب أن تستأثر باهتمام جميع الدول والجهات التي تحترم وتقدر
الكرامة الإنسانية.
وإنني أرى أنه يتوجب على كافة الدول والمنظمات
الدولية التي تهتم بالحقوق الإنسانية أن تتقدم فترفع صوتها، وتقول كلمتها حيال ما
يجري الآن من ممارسات لا إنسانية في بلغاريا.
ومنظمة المؤتمر الإسلامي
المجتمع: ما موقف منظمة المؤتمر الإسلامي من هذه
القضية؟
السفير التركي: لقد تبنى المؤتمر الإسلامي لوزراء
الخارجية الذي تم انعقاده في شهر يناير عام 1986، في مدينة فز، قرارًا مهما
تحت عنوان «محنة الأقلية التركية المسلمة في بلغاريا».
ولتنفيذ هذا القرار أنشأت «مجموعة الاتصال» وكلفت
بمتابعة هذا الموضوع وتقديم التقارير حوله إلى منظمة المؤتمر الإسلامي.
وتمت الموافقة على هذا القرار خلال انعقاد مؤتمر
القمة الخامسة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، في شهر يناير 1987 في الكويت.
كما قدمت مجموعة الاتصال برئاسة الدكتور عمر نصيف،
وأثر الزيارة التي قامت بها إلى مدينة صوفيا في صيف 1987، تقريرًا واقعيًا حول
سياسة التذويب التي تنتهجها بلغاريا، وتمت الموافقة على هذا التقرير خلال انعقاد
المؤتمر الإسلامي السابع عشر لوزراء الخارجية، في مارس 1988 في مدينة عمان... ولقد
تبنى المؤتمر مجددًا قرارًا ثانيًا مهمًا حول هذه المسألة.
وكانت مجموعة الاتصال تود القيام بزيارة أخرى
لبلغاريا خلال هذا العام، ولكن الحكومة البلغارية رفضت منح أعضاء المجموعة تأشيرات
دخول.
كما أود أن أشير هنا إلى أن المؤتمر الإسلامي
الثامن عشر لوزراء الخارجية، الذي تم انعقاده في شهر مارس الماضي في الرياض، قد
تبنى أيضًا قرارًا جديدًا بشأن محنة الأقلية التركية المسلمة في بلغاريا.
موقف المؤسسات الدولية
المجتمع: ما موقف المؤسسات الدولية الأخرى إزاء
هذه المسألة؟
السفير التركي: لقد قام عدد كبير من المؤسسات
والمنظمات الدولية بنشر تقارير وتصريحات حول هذه المأساة الإنسانية، من بينهم لجنة
هلسنكي لتقصي الحقائق، المجلس الأوروبي، لجنة الدفاع عن التفرقة العرقية التابعة
لهيئة الأمم المتحدة، المجلس البرلماني التابع لدول حلف الناتو ولجنة أمنستي
الدولية.
كما تقدمت مؤخرًا وخلال انعقاد مؤتمر الأمن
والتعاون الأوروبي في باريس، حوالي عشرين دولة بإدانة بلغاريا بسبب فرضها بالقوة
سياسة التذويب القهري إضافة إلى الممارسات اللا إنسانية الأخرى.
ولكننا نعتقد أن المسؤولية الأهم تقع على عاتق
إخواننا المسلمين، حيث أن حملة الإبادة هذه ذات الأبعاد العميقة، موجهة ضد الإسلام
من قبل حكومة لا تكترث ولا تكن أي اعتبار للمعتقدات والمشاعر الدينية لأكثر من
بليون مسلم في العالم.
المجتمع: ما الأمور التي تود الحكومة التركية
التوصل إليها بالنسبة لهذه المشكلة؟
السفير التركي: أولًا، تود الحكومة التركية التوصل
إلى عقد «اتفاقية هجرة» مع بلغاريا، يأذن بموجبها للمسلمين الأتراك بالهجرة إذا
شاءوا إلى تركيا.
إن اتفاقية من هذا النوع من شأنها أن تضع حدًا
لعملية التهجير القسرية التي تتعرض لها الأقلية التركية المسلمة في بلغاريا.
ثانيًا: المحافظة على الحقوق الثقافية والدينية
للمسلمين والأتراك الذين يرغبون في البقاء في بلغاريا، وذلك تطابقًا مع الصكوك
الدولية والاتفاقيات الثنائية التي سبق ووقعت عليها بلغاريا.
المجتمع: سعادة السفير... سؤالنا الأخير:
كيف كانت طبيعة العلاقات التركية - البلغارية قبل
هذه المأساة؟
السفير التركي: لقد كانت العلاقات البلغارية -
التركية قبل الشروع بحملة التذويب الإجباري التي فرضت على الأقلية التركية
المسلمة، ترتكز على مبدأ الصداقة والتعاون المثمر الذي يرعى مصالح الجانبين.
ومن هذا المنطلق ومنذ ابتدأت هذه المشكلة، اقترحت
تركيا بإجراء مفاوضات بناءة مع الحكومة البلغارية، وذلك بهدف التوصل إلى تسوية
عادلة ومتوازنة لهذه المسألة الإنسانية في ضوء الأقليات والصكوك الدولية والثنائية.
ولقد دعا مجددًا، ومنذ حوالي عشرة أيام رئيس وزراء
تركيا بلغاريا إلى إجراء مفاوضات، ونحن الآن بانتظار رد واضح من الجانب البلغاري.
في نهاية المقابلة أود أن أعرب عن تصميم تركيا
شعبًا وحكومة وأحزابًا معارضة على متابعة هذه القضية إلى أن يتم التوصل إلى تسوية
عادلة لهذه المأساة... ولا يجوز مطلقًا الشك أو الريب بعزيمة تركيا وتصميم شعبها
على متابعة هذه القضية إلى النهاية.
المجتمع: نشكر سعادة السفير جونير اوزتك سفير
الجمهورية التركية في دولة الكويت... وندعو الأسرة الدولية إلى اتخاذ الموقف الذي
تمليه سائر المبادئ الإنسانية من أجل إنقاذ الأقلية التركية المسلمة في بلغاريا من
الاضطهاد...
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...