العنوان مفهوم «الشرعية الدولية» تحت المجهر
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2003
مشاهدات 109
نشر في العدد 1562
نشر في الصفحة 30
السبت 02-أغسطس-2003
يستخدم هذا التعبير في بلادنا فقط.. أو فيما يتعلق بقضايانا فقط أما في خارج هذا النطاق فلا يستخدم بالأسلوب نفسه، فقد يقال «الإجماع الدولي»، أو مجلس الأمن الدولي، أو الأسرة الدولية. وبالمقابل فإنه من اللافت للنظر أنه كثيرًا ما يستخدم تعبير الشرعية الدولية لترجمة كلمات أخرى يستخدمها الساسة في الغرب وتعني في الأصل «قرار مجلس الأمن الدولي»، أو إرادة الغالبية في «الأسرة الدولية» مع ملاحظة أن الأسرة الدولية عندهم تعني غالبًا مجموعة الدول الغربية، على غرار استخدامهم لتعبير الاقتصاد الدولي.
إن هناك تزييفًا كبيرًا لمضمون هذا التعبير وهو من أخطر التعبيرات المتداولة منذ سنوات في متابعة القضايا العربية والإسلامية على السنة المسؤولين السياسيين وكثير من الإعلاميين وفريق من المتخصصين في علوم السياسة والقانون الدولي فاستخدامه، وصفًا، القرارات مجلس الأمن الدولي بالذات، وبصورة تتناقض مع تعريفه العلمي يوهم . مثلًا –بأن ما يقع من ضحايا الجرائم الصهيونية والأمريكية في أرضنا، وكأنه من صنع شرعية، لا غنى عن «الخضوع» لها.
كأنما يراد عمومًا أن ينتشر الإحساس العام «المثبط» بأن ضرب السياسات الأمريكية لمصالحنا وأهدافنا بالقوة المالية أو بالقوة العسكرية هو سلوك متحضر ويتماشى مع الشرعية الدولية، وأن مكافحة هذه السياسة حتى بالوسائل الشعبية كالمقاطعة هو سلوك متخلف ويخالف الشرعية الدولية.
وسواء توافق ذلك مع قرارات تصدر عن مجلس الأمن الدولي، أو لم يتوافق، فإنه محض هراء من الناحية العلمية للعلوم السياسية والقانون الدولي، ولا يستند إلى منهج قويم. ويجعل من تعبير الشرعية الدولية، الإيجابي في الحس الإنساني، أشبه بالسيف المصلت على الفكر والوجدان في تعاملنا مع قضايانا العادلة ولهذا الوضع مفعول خطير لا يقتصر على مجرد تزييف أكاديمي للمفهوم الأصلي لهذا التعبير، فقد بات على أرض الواقع هو الأساس الأخطر لتبرير قرارات سياسية انهزامية وإجرامية العواقب تبريرًا مخادعًا، فضلًا عن نشر الإحساس باليأس والخوف على الصعيد الشعبي فكأننا نواجه إذا استمسكنا بحقوقنا شرعية دولية تخالفها وتتحداها، وما أشد الخبث الكامن في هذه الصورة وفي نشرها؟.
توظيف التزييف لإضعاف المقاومة
لا يأتي« نشر» هذا التعبير اعتباطًا، لا سيما عندما تتأمل في الإصرار على تداوله زمنًا طويلًا ليتم الاعتياد عليه بمعناه« المزيف»، فما يجري على أرض الواقع هو توظيفه لتبرير ما يصنع رغم إرادة الشعوب وبما يلحق أفدح الأضرار بحاضرها ومستقبلها، وهذا مما يجعل من الضروري أن يطرح هذا الموضوع طرحًا جادًا.
ومن المؤسف أن ينساق آخرون مع ما يصنعه ذلك، التيار المفروض في بلادنا فرضًا من خلال مسؤولين هم في مقدمة من يستخدم مثل هذا التعبير بمعناه المزيف، وتواكبهم على ذلك أقلام وألسنة إعلامية أو منسوبة إلى الإعلام، ومتخصصة أو منسوبة إلى التخصص وهي عينها التي يمكن أن تواكبهم أيضًا لو تحولوا إلى استخدام التعبيرات ذاتها ولكن بمعاني مناقضة أخرى. ومواجهة هذه الظاهرة في مثل تعبير الشرعية الدولية لا تتحقق من خلال مقالة إعلامية وإنما المطلوب أن تجد الاهتمام من قطاع عريض من أصحاب الاختصاص في العلوم السياسية والقانون الدولي أولًا ومن عامة المثقفين والمفكرين والإعلاميين ثانيًا، فهؤلاء هم خط الدفاع الأخير، فيما نواجهه في الحقبة التاريخية الراهنة من أخطار جسيمة وممارسات عدوانية وخلل داخلي.
قد نفهم – وإن لم نقبل – دوافع القوى الدولية المعادية وهي تمارس الازدواجية المعتادة من جانبها، فتستخدم هذا التعبير على صعيد تعاملها مع قضايانا على حسب أهدافها العدوانية ومطامع الهيمنة في تصوراتها ومخططاتها.
وقد نفهم - وإن لم نقبل – أن فريقًا محدودًا من علماء السياسة والقانون الدولي في الغرب «ولا نقول جميعهم فغالبيتهم تتحرك على طريق المنهج العلمي في البحث وإن لم يستشهد السياسيون من ذلك إلا بما يوافق مواقفهم وأهدافهم» فيجاري ذلك الفريق المحدود أغراض الساسة الغربيين في تزييف مفهوم الشرعية الدولية فيما يتعلق بقضايانا الحية بالذات، وقد يساهم في التنظير، لذلك عبر خلط الأولويات بين القانون الدولي العام والقانون الدولي التطبيقي وفق اصطلاحات المتخصصين.
وقد نفهم - وإن لم نقبل – أن تنطلق سياسات انهزامية رسمية في بعض بلادنا من موقع العجز الناجم عن سيطرة استبدادية داخل الحدود وتبعية أجنبية خارجها، فتلجأ إلى تبرير ما تفعله عبر التشبث بالسلطة بالترويج لتعبير الشرعية الدولية بعد تزييفه، مثلما يجري بمصطلحات أخرى مثل السلام العادل، والسياسة الواقعية، وما شابهها.
ولكن لا يمكن أن نفهم أو نقبل أن يقتصر دور المثقفين والمفكرين والمتخصصين من علماء السياسة والقانون الدولي والأساتذة الجامعيين والمعاهد المتخصصة على السكوت إزاء مثل هذه القضية وهي واقعة في صلب مهامهم ومسؤولياتهم.
الشرعية الدولية دون تزييف
الشرعية الدولية هي أسس القانون الدولي العام، وليست هي نصوص القانون الدولي التطبيقي...
هي التي تحكم على مشروعية النصوص ولا يمكن للنصوص التي يفترض أن تلتزم بها تحدث عليها تبديلًا وتغييرًا يتناقض مع جوهرها.
لا يتألف القانون الدولي العام من جملة قرارات صادرة عن أجهزة دولية، وجملة معاهدات واتفاقات بين أطراف الأسرة الدولية بل يتألف من جملة مبادئ وقيم ومثل وقواعد أساسية سبق تثبيتها كنتاج للتجارب البشرية عبر عصور ماضية، ووضعت لها أو لمعظمها صياغات محكمة في مراجع القانون الدولي.. من ذلك الجزء التنظيري للأسس والمبادئ والأفكار «لا التنظيمي حول كيفية اتخاذ القرارات» وتوزيع الصلاحيات من ميثاق هيئة الأمم المتحدة من تلك الأسس والمبادئ مثلًا المساواة بين دول العالم، وبطلان اغتصاب الأراضي بالقوة. وثبوت حق تقرير المصير، وينبثق عنها مثلًا بطلان مشروعية معاهدات استسلامية كتلك التي لا تتضمن بندًا يحدد إمكانية خروج طرف مشارك من الالتزامات المقررة عليه فيها، إذا ما توافرت شروط زمنية أو موضوعية معينة تبيح ذلك.. وينبثق عنها عدم مشروعية كثير من القرارات والاتفاقات والمعاهدات التي تنتهك حق تقرير المصير مثلًا أو تتعارض بصورة مباشرة مع مبدأ عدم اغتصاب الأراضي، فلا يمكن اعتبار تلك القرارات والاتفاقات والمعاهدات جزءًا من الشرعية الدولية أو إطلاق هذا الوصف عليها.. وإن أصبحت موضع التطبيق وتعاملت معه هذه الدولة أو تلك، أو سائر الدول من منطلق موازين المصالح المتقلبة وموازين القوى المتبدلة....
إن هذا المفهوم للشرعية الدولية هو المفهوم الأوسع انتشارًا والأثبت قدمًا في الكتب المرجعية الفروع العلوم السياسية والقانون الدولي في الجامعات، وإليه يستند كثير من الساسة الغربيين فيما يتفق مع أهدافهم ومصالحهم، ومن ذلك مثلًا عدم اعترافهم بمشروعية الاغتصاب السوفييتي لأراضي دول البلطيق رغم استمراره أكثر من نصف قرن دون أن يمنع ذلك تعاملهم طوال تلك الفترة تعاملًا سياسيًا واقعيًا، مع الدولة السوفييتية نفسها، أي وفق اتفاقات ومعاهدات ملزمة للطرفين، وأخرى صادق مجلس الأمن الدولي عليها أو صدرت عنه.. وكل ذلك هو مما يشكل ما يسمى القانون الدولي التطبيقي وبتعبير آخر: في نصوص اتفاقات وقرارات ما، كقرارات مجلس الأمن الدولي، والتي تلحق على أرض التعامل الواقعي بالقانون الدولي التطبيقي، يمكن أن نجد:
- نصوصًا تتطابق مع القانون الدولي العام وأخرى تخالفه.
- فما يتفق مع المبادئ والأسس التي يقررها يكتسب بمضمونه وما يترتب عليه وصف المشروعية الدولية.
- وما يخالف ذلك لا يكتسب هذه الصفة، وهذا بغض النظر عن درجة الالتزام به على أرضية السياسة الواقعية ووفق موازين القوى والمصالح المحضة.
وينقسم المخالف للشرعية الدولية من نصوص تلك القرارت والاتفاقات والمعاهدات والمعاملات إلى جزء يعتبر لاغيًا من حيث الأصل فلا يعتد به، وجزء آخر يعتبر ملزمًا للموقعين عليه رغم تناقضه مع الشرعية الدولية، وهذا يتم إسقاطه من التعامل الدولي، فور توافر الظروف الملائمة لذلك.
إن قرارات مجلس الأمن الدولي وسواه من الأجهزة الدولية ذات العلاقة بقضية فلسطين مثلًا، وإن الاتفاقات والمعاهدات المختلفة كاتفاقات كامب ديفيد وما انبثق عنها، ومسيرة مدريد إلى وادي عربة أو اتفاقات أوسلو كلها أقحمت على القانون الدولي التطبيقي، بتأثير عوامل القوة على المستوى الدولي، أو الإقليمي، أو الاستبداد القطري...
ولكن لا يمكن لشيء من ذلك بالتقادم أو ما شابه ذلك، أن يصبح جزءًا من «القانون الدولي العام».. فتلك القرارات والاتفاقات أو الجزء الأهم والأعظم من نصوصها وما يترتب عليه كان من البداية ولا يزال باطلًا أو لاغي المفعول أو كليهما معًا، وفق مفهوم الشرعية الدولية. ونجد شبيه ذلك في قضايانا الأخرى.
ولا يتبدل «الوضع الشرعي الدولي»، لقرار ما أو اتفاقية ما لمجرد استخدام تعبير «الشرعية الدولية»، في غير موضعه، وإن كثر هذا الاستخدام وانتشر بفعل التوجيه أو الجهل أو التجاهل، وهذا بالذات ما يقصد من حين لآخر عبر التنويه دون تفصيل بأن قرارات الشرعية الدولية والمقصود بها قرارات مجلس الأمن الدولي صدرت ولا تزال تصدر وفق موازين القوة المهيمنة فيه منذ الحرب العالمية الثانية وليس وفق موازين الشرعية الدولية نفسها. إن مجلس الأمن وسائر التشكيلات الأخرى التي نشأت مع تأسيس الأمم المتحدة وانبثقت عنها، ليست إلا أجهزة تنفيذية بصلاحيات متفاوتة، فهي «أدوات» لتنفيذ الشرعية الدولية وليست مصدرًا لها ويستند وجودها وعملها إلى بنود الجزء التنظيمي من ميثاق الأمم المتحدة وليس إلى بنود «الجزء التنظيمي»، منه والذي ثبت المعايير الأساسية للشرعية الدولية. وقد بقي جزء كبير من هذه المعايير نظرية في الواقع العالمي، ليس من باب الصدقة، وإنما نتيجة مقصودة لحرص القوى الدولية المسيطرة بعد الحرب العالمية الثانية بمنطق القوة فحسب على أن تمسك زمام مستقبل البشرية، بيديها ولهذا فقد تركت في الجزء« التنظيمي» نواقص كبرى مازالت قائمة حتى الآن، وهي عديدة متنوعة وأهم ما يتصل منها بموضوع الحديث هنا:
الامتناع المقصود عن تشكيل جهاز له صفة السهر على مشروعية ما يصدر من قرارات ويعقد من اتفاقات عبر أجهزة الأمم المتحدة التنفيذية كمجلس الأمن الدولي أو خارج نطاقها مع تسجيله في سجلاتها كوثائق رسمية. والمقصود هنا جهاز شبيه بما يعرف بالمحكمة الدستورية العليا في نطاق أي دولة ديمقراطية. بالمفهوم الغربي للكلمة، ومن المعروف أن «محكمة العدل الدولية» في لاهاي لا تكتسب هذه المواصفات إطلاقًا، كما لا يسري ذلك على المحكمة الجنائية الدولية الجديدة.
٢- تقرير نظام التصويت في أهم الأجهزة التنفيذية بصورة تخالف بنود الشرعية الدولية في الميثاق نفسه مثل بند المساواة بين سائر الدول، وذلك ما انطلق من معطيات القوة المهيمنة وأسفر عما يسمى« حق» الفيتو النقص في مجلس الأمن الدولي واتخذ صيغة ربط نسبة الأصوات بنسبة الإسهام المالي في أجهزة التحكم بالأوضاع الاقتصادية العالمية أي في صندوق النقد الدولي والمصرف المالي العالمي...
مسؤولية المتخصصين
على صعيد الواقع يجب أن يكون واضحًا لنا في منطقتنا العربية والإسلامية وفي تعاملنا مع قضايانا المصيرية:
أن الفارق كبير جدًا بين أن نقول لأنفسنا وللأجيال القادمة القادرة بإذن الله على تحقيق ما عجز جيلنا عن تحقيقه:
١. إننا حسب موازين القوى الدولية مضطرون إلى القبول بقرارات أو سياسات أو إجراءات تخالف الشرعية الدولية، فإذا تبدلت موازين القوى الراهنة، وهي متبدلة لا محالة بحكم سنن التاريخ، يمكن أن تنتهي حالة الاضطرار فنسعى إلى ما تقضي به الشرعية الدولية. فهذا مما يجمع بين ما يسمى السياسة الواقعية بمفهومها الأصلي الذي يمارسه سوانا. وبين الانطلاق من أرضية القانون الدولي، أي بمعنى الشرعية الدولية دون تزييف لها ننشره بأنفسنا على حساب مصالحنا وقضايانا...
وبين أن نقول:
إننا نخضع لما يجري حاليًا لأنه يمثل الشرعية الدولية، فلو تبدلت موازين القوى، وحاولنا تحقيق أهدافنا المشروعة التي تجعلها حاليًا في حكم الموجودة حاليًا رغم مشروعيتها. فستخالف يومذاك أو يخالف الجيل القادم الشرعية الدولية، وما تقتضيه، مع ما يمكن أن يترتب على المخالفة من مسؤوليات في نطاق« الأسرة الدولية»، وأي نظام عالمي تستقر دعائمه على شكل ما في المستقبل.
الفارق كبير بين هاتين الصورتين.. وهذا ما ينبغي وضعه بين أيدي المثقفين والمفكرين والمتخصصين ممن يوظفون طاقاتهم في خدمة المصلحة العليا لأمتهم، وإليهم تتوجه هذه الأفكار الموجزة غاية الإيجاز، مع أمل كبير في أن تجد ما يكفي من الاهتمام، دراسة علمية منهجية. ونشرًا على الملا باللغة المناسبة، وبيانًا كافيًا وافيًا، مع الربط المباشر بالقضايا الحية التي تعاصر أحداثها وتطوراتها حاليًا.
إن تحرير وجدان الفرد من ثقل الإحساس الخاطئ والمزروع زرعًا عبر ما يشبه عملية غسيل دماغ جماعية بمخالفة الشريعة الدولية. شرط من الشروط النفسانية على مستوى الأمة لتتحرك على طريق تحرير القضايا المصيرية من مسيرة فرضتها سياسات انهزامية. هذا مما يجب على القادرين بيانه ونشره... مع اليقين التام بأن ما نسميه «عجزًا»، يبرر بعضنا به تلك السياسات الانهزامية الراهنة ليس إلا العجز الناجم عن شلل الإرادة أو فساد الوجدان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل