العنوان مفهوم الإسلام للحضارة
الكاتب عبد العزيز فيصل السودان
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1974
مشاهدات 66
نشر في العدد 204
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 11-يونيو-1974
مفهوم الإسلام للحضارة
* اتساقًا مع نظرة الإسلام المختلفة المتباينة عن كل ما عداها للإنسان والكون والحياة، وتبعًا لتفرده بقيم إنسانية معينة تصورًا وسلوكًا كأشمل ما يكون.
تبعًا لكل ذلك كان من النتائج المنطقية أن يتفرد الإسلام بمفاهيمه ومصطلحاته وتعريفاته لكل من الإنسان والكون والحياة جميعًا.
وحين لم نكن نفطن لهذه الحقيقة أو نخدع فيها كانت تترى علينا المصطلحات والتعريفات تشوب علينا عقيدتنا وتخلط علينا أمرها وتضعها بين غلالات كثيفة من الشعارات والرايات خاوية على عروشها.. خالية من كل من محتوى ومضمون.. جوفاء لا تحمل نص عقيدتنا ولا روحها.
تعريف الحضارة:
ومن منطلق هذه النظرة المتفردة للإسلام المتميزة وجودًا وحيزًا، ينبغي علينا أن نعرف الحضارة حتى نكون على بينة فلا تشتبك علينــــا المسالك أو تتفرق بنا السبل فيكون أمرنًا فرطًا.
أن تعريف الإسلام للحضارة إنما هو تحقيق خلافة الإنسان في الأرض، إنه تحقيق الخلافة بكل ما تحمل هذه الكلمات من معاني ثره ومدلولات واسعة في حيز التعريف الإسلامي المتميز دومًا وأبدًا.
يجب قبل أن نمضي أن نتوقف برهة.. نتمعن في حدث تاريخي جليل.. كانت له انعكاساته المؤثرة في هذا التعريف.. ذلك يوم أن قال سبحانه وتعالى بخلافة الإنسان له في أرضه أمام الملائكة الطاهرين..
بل حاجهم في ذلك لما رأى من قولهم.. ﴿أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ﴾ (سورة البقرة الآية: ٣).. فقال ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وألزمهم الحجة حين عرض عليهم الأسماء فلم يحروًا جوابًا ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم﴾ (سورة البقرة الآية: ٣٢ ) تلك الأسماء والمصطلحات التي أهلت الإنسان لهذه المسئولية الجليلة «الخلافة في الأرض» بما أولاه الله سبحانه وتعالى من آلاء ونعم وبما حباه من إدراك وتعقل.. وبما وضع فيه من قدرات مختلفات.. هائلة تؤهله لمنصب الخلافة.. وهكذا كانت شهادة الله سبحانه وتعالى له هي «شهادة التأهيل» لتسنم هذا المنصب.. ليحقق خلافته في أرضه يسخر في ذلك كل قدراته الجسمانية والعقلية والروحية جميعًا.. معًا.. ليبني الحضارة المتكاملة وليؤدي الرسالة ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
هي الأمانة التي أشار إليها ذو الجلالة.. إنما هي الخلافة في الأرض.. بحكم ما أهله الله لها.. وهذه الخلافة هي عين تعريف مصطلح الحضارة الحقيقي المتكامل يعرضه سبحانه في محكم تنزيله.. ويصرح به أمام ملائكته المقربين ويلزمهم الحجة في ذلك حين يلمحون أنهم أحق بذلك المقام الكريم.. ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.
هذا هو تعريف الحضارة المتكامل معنى ومبنى.. المتسق مع القدرات التي وضعت في الإنسان روحه وعقله وحجمه.. المتناسق مع قدرات الأرض وإمكاناتها الثرية.. الموصل أخيرًا إلى تكريم بني آدم.. وإلی تحقيق خلافته في أرضه.. سبحانه وتعالى.
«المجتمع الإسلامي يحقق الحضارة»
كـأن من الطبيعي أن يكون المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي يتاح له -وله وحده- أن يحقق معنى الحضارة بصورتها المتكاملة النابعة من منهج الله الذي يحكم -فعليًا- هذا المجتمع.. النابعة من إقرار الوحدانية فيه « بصورها: الألوهية والربوبية والحاكمة» تلك الصورة التي صاغها الله في كتابه الكريم وصفتها «الخلافة».. ذلك لأن الخلافة لن تتحقق في هذه الصورة التي أرادها الله إلا بتوحيده وإقرار منهجه إقرارًا واقعيًا في حياة الإنسان وفي المساحة الأرضية التي يخلق فيها.
وإنه لخليق بنا أن نوضح حقيقة من الحقائق التي تجعل المجتمع الإسلامي مجتمعًا قائمًا بذاته.. متفردًا في كيانه.. تبعًا لأنه متفرد في مهمته القائمة عليه.. هذه الحقيقة السامية هي أن الحضارة بصورتها المتكاملة التي يحققها بها المجتمع المسلم لا تستطيع قوة في الأرض مهما أوتيت من أسباب الجبروت والسلطان المادي أن تهزمه بالصورة الحقيقية لكلمة «الهزيمة» أو أن تنتصر عليه بالصورة الواقعية لكلمة «الانتصار».. لأن مدلولي الهزيمة والانتصار مختلف تمامًا في الحس الإسلامي. لا.. قد يتقوض كيان المجتمع الإسلامي المادي.. وقد ينهار ويشل لفترات طويلة ولأماد بعيدة.. لكن كيانه الروحي يبقى قائمًا صلدًا صلبًا (۱)».. لا يتزعزع ولا يتزحزح لأنه.. هذا الكيان الروحي يشكل متأصلا في النفوس المؤمنة.. يظل قائمًا فيها شامخ البنيان.. يرتقي ويرتفع عن عوامل الفناء المادية ليسمو إلى العلياء التي أرادها الله له.. وهو يخلفه في أرضه ويقع كل مقدراتها تحت يديه ليبني الحضارة.. متكاملة عميقة متسعة ومن هنا أيضًا نصل إلى نتائج هامة.
إن هذا الكيان الروحي الذي لا يخضع لقوانين المادة لأنه أسمى منها وأعمق وجودًا.. هو الهدف الحقيقي الذي يحاربه ويجابهه الطغيان أينما حل.. هو الخطر الحقيقي في النفوس المؤمنة الذي يستهدفه الطغيان.. هو القوة التي تقض مضجعه.. وتزعزع كيانه وتشربه كأس الهزيمة الحقيقية وعندها لا يملك نفسه.. فتعمل به الحماقة إلى التصفية الجسدية.. لأن الكيان الروحي ما زال باقيًا يفيض بالحياة ويمتلئ بالسعادة الرفيعة. وهذا الكيان الروحي -أيضًا- إنما هو المعيار الوحيد والمقياس المقبول عنده -سبحانه وتعالى- في امتحانه الإنسان بعد خلافته في الأرض، هو المعيار الأخير لأن كل الكيان المادي ما هو إلا كيان يتوسل به إلى الله ويتقرب به اليه.
وعبادة الله وذكره حلقة من حلقات كيان المسلم الروحي في البناء الحضاري الذي يشيده تحقيقًا لخلافة الله في أرضه.. وهنا نجد تباينًا جذريًا بين هذه الحلقة وفي كيان الإسلام وبين غيره في العقائد الأخرى.
«أن الإنسان حسب العقيدة النصرانية - بعد التحريف» يتعثر في الخطيئة الموروثة التي ارتكبها آدم وحواء وعلى هذا تعتبر الحياة كلها -في نظر العقيدة على الأقل- واديًا مظلمًا للأحزان« (1).
أي أنه يجب على ابن آدم أن يحمل هذه الخطيئة الموروثة على كاهله.. ينوء تحتها.. ما عاش!
«والبوذية تقول بأن الكمال والنجاة مستحيلان إلا بانعدام النفس الجزئية وانفصام علاقاتها الشعورية.. من العالم».
أما الإسلام فهو بريء من كل هذا..
إن الإنسان المسلم وهو يذكر الله إنما يؤدي عليه واجبًا.. يشكر بذلك خالقه على مقامه الكريم.. مقام الخلافة.. ووضع كل مقدرات الأرض في البر والبحر.. في متناول يده وإيداعه مقدرات خاصة لاستغلال مقدرات لتحقيق الحضارة الإنسانية الحقة في معناها الشامل المتكامل.
وهو يذكر اللــــــه -أيضًا- ليستقي منه زادًا أكثر.. لينمي قواه الروحية.. ليزيد في كيانه الروحي.. ليستطيع وليحتمل أن يشكره أكثر..
ويفضي بطاقاته المادية ليؤدي واجباته الروحية نحو الخلاق العليم.. وهنا تختلف الدرجات.. وتتباين المواقع.
وكان هذا هو ديدن الصفوة المؤمنة دائمًا وفي مقدمتها رسول الله صلى الله عليه وسلم - کان - صلى الله عليه وسلم - يقوم الليالي عابدًا ذاكرًا حتى تورمت قدماه من القيام فأشفقت عليه -عائشة رضي الله عنها- وسألته أن يقلل من هذا العناء وذكرته بأن الله سبحانه وتعالى قد غفر الله له ما تقدم وما تأخر.. إيماء لغرضها الحقيقي النابع من إشفاقها عليه.. ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - بحاجة لهذا التذكير.. فقال لها «أفلا أكون عبدًا شكورًا» وصدق الله العظيم ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أن يُطْعِمُونِ﴾ (سورة الذاريات: 56-57) ويجب علي هنا أن أذكر دائمًا أنه يحسن بنا أن نتحفظ في إطلاق ألفاظ «الهزيمة» و «النصر» في تحليلنا التاريخي للإسلام.. فهما فيه غيرهما في غيره..
»قانون انهيار الحضارات«:
إذا ما وعينا تلك الدروس التي يلقيها علينا الإسلام.. في طيات «القرآن الكريم» وهو يضع لنا النقاط على الحروف.. لا يدلي جانبًا إلا وحدده وبين مراميه ومداه.. تصديقًا لقوله تعالى ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (سورة الأنعام: 38).. إذا ما وعينا كل ذلك عرفنا أي آفاق تلك التي يطرقها الإسلام وأي آفاق تلك التي يريد الله أن يسمو اليها الإنسان أو يسعى في السمو إليها. كذلك إذا ما وعينا هذا الدرس عن الحضارة وتعريفها وجوانبها التي لها في الإسلام أبعادا غائرة ومدلولات عميقة، أدركنا أية قوانين تلك التي تحكم انهيار الحضارات وزوال الممالك وغدوها أثرًا بعد عين..
إن السبب الكامن وراء انهيار كل حضارة.. هو الهوة التي بينها وبين تعريف الحضارة في معناها الإسلامي المتكامل ويقدر اتساع هذه الهوة يكون إسراع الحضارة لهاوية الانهيار والاندحار والهمود.
إن تعريف الإسلام الدقيق الذي صيغ في كتابه المنزل -القرآن- هو الذي يحكم هذا الانهيار، كما عرفنا سلفًا أنه هو الذي يحكم قوة الحضارات ومدى شموخها وعظمتها.. وعندما تحاول حضارة- مبتورة- ما أن تتحدى هذا المقياس فإنها تضل وتتلاشى رغمًا عن كل ما تملكه من كيانات مادية تقاس بها الحضارات عند ذوي النظرات القصيرة الوضعية -الوضيعة كذلك- .
إنها سنة الله في أرضه.. حين يغتر الإنسان ويصل به الغرور أن يدعي لنفسه ما ليس له من صفات مخلفة.. فما يكون ذلك إلا وبالًا عليه لأنه حاول أن يتخطى المعنى الحقيقي لخلافته في الأرض.
وهذه هي حقيقة الأسباب الموضوعية الكامنة وراء الاضطراب السائد في الحضارة الغربية المبتورة تغيير الحضارة الغربية الموضوعي ضخمة واتساعها المادي كبير أما التغيير الذاتي.. أما نمو القدرات الروحية للإنسان الغربي -وهو محور الحضارة- فإنه في الحقيقي يعاني سكرات الموت.. وهذا هو نتيجة التحدي للمدلول الإلهي للحضارة حين ينزعه إليه الغرور والمكابرة. إنه «حتمًا مقضيًا» أن تنهار تلك الحضارة.
وهذا هو أحد الذين أحسوا بهذه الهوة.. الأستاذ كريس موريسون رئيس أكاديمية نيويورك للعلوم «سابقًا».. يقول:
«إن الاحتشام، والاحترام، والسخاء، وعظمة الأخلاق، والقيمة والمشاعر السامية وكل ما يمكن اعتباره «نغمات إلهية» لا يمكن الحصول عليها عن طريق الإلحاد.
«فالإلحاد نوع من الأنانية« لسوف تقضي هذه الحضارة بدون العقيدة أو الدين.
سوف يتحول النظام إلى فوضى «سوف ينعدم التوازن، وضبط النفس، والتمسك»
«سوف
«أنها لحاجة ملحة أن نقوي من صلتنا وعلاقتنا بالله » (۲) «انتهى» وهذا إحساس واقعي بسوء المصير.
وهذه هي قوانين الطبيعة الإنسانية.. المفطورة.. حين تضطرب في فوضى الغرور والمكابرة وهذه هي نتيجة التصادم مع الشريعة الكونية.
وأيضًا حين تترجم جماعة من البشر هذه الصياغة الإلهية للحضارة إلى واقعها المحسوس وتقوم بخلافة الله في أرضه كما أراد.. وحين تسخر كل قدراتها وكينونتها لتحقيق هذه الخلافة - وحين تعيش به وتموت.. فإنها بلا ريب الفائزة.. في حياتها الدنيا وفي امتدادهـــــــا -الآخرة- في حياتها الدنيا - حياة الابتلاء ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ﴾
وفي حياتها الأخرى حياة الحسم الحازم ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
وهذا المجتمع.. إنما هو مجتمع الإسلام.. في صورته الحقيقية المتفردة.. في كيانه المادي والروحي المتميز.. في تطلعه نحو السمو والكمال.. في تحقيقه خلافة الله في أرضه.. في بنائه للحضارة كأحسن ما تكون عمقًا وامتدادًا وشمولًا..
فيصل عبد العزيز السودان
(۱) لا نرى هذا التفريق فالكيان المادي المبني باسم الله في الحضارة الإسلامية إنما هو قوة نابعة من النضج الروحي والتماسك النفسي.
(۱) الإسلام على مفترق الطرق - محمد أسد
(۲) الإنسان لا يستطيع أن يقوم وحده -كريس موريسون -
الرابط المختصر :