; مفتريات توفيق الحكيم على أهل الكهف | مجلة المجتمع

العنوان مفتريات توفيق الحكيم على أهل الكهف

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 11-ديسمبر-1973

مشاهدات 126

نشر في العدد 179

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 11-ديسمبر-1973

الأدب

يقدمه: أحمد محمد عباد الله

مفتريات توفيق الحكيم على أهل الكهف

يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه «الصراع بين الإيمان والمادية» وقصة «أصحاب الكهف والرقيم» هي قصة الإيمان والفتوة والثبات، والتضحية والجهاد، التي تتكرر في تاريخ الإنسانية وفي تاريخ الحق والعقيدة وبرهان على أن الأسباب خاضعة للإرادة الإلهية صديقة للإيمان والعمل الصالح فسبيل المؤمن أن يستميل هذه الإرادة بالإيمان والعمل الصالح ويستحق نصر الله وتأييده».

هذا هو المجمل والإطار العام وما في الإطار تفصيل للصورة ومن هنا يمكن الرجوع للقرآن الكريم لقراءة هذه السورة في الإجمال والتفصيل من بعد.

 وليس الموضوع هنا عرض لقصة أصحاب الكهف، فلا أظن أن أحدا لم يسمع بها أو يكون قد قرأ القرآن ولو مرة، ومر على «سورة الكهف» و استوقفته وتأملها.. وعرف طرفًا من أخبارهم.. لكن الموضوع هو نظرة في مسرحية صدرت باسم «أهل الكهف» للكاتب توفيق الحكيم.. تغيرت فيه صورة أصحاب الكهف تغيرًا تامًا..

 فالقصة ليست هي القصة المعروفة.. ودواعيها وإثارتها ليست هي الدواعي والإثارة.

والحقائق المقررة فيها انقلبت إلى مفاهيم حياتية بحتة شذت عن سبيل ضرب المثل بها للناس في القرآن الكريم. ولنا بعد ذلك أن نعترض على مثل هذه المسرحيات أو أمثال هذه الكتابات.. لا لأننا لا نعترف بمهارة الكاتب وبأنه أديب معروف.. وصاحب فكرة في عالم الأدب ومنهج خاص به..

لكن المقررات الإيمانية والقضايا اليقينية الثابتة بالقرآن لا يمكن تغييرها مهما حاول خيال فنان أن يضفي عليها من تعبيراته وأفكاره.. وليس له أن يطبق فلسفاته وأفكاره على مثل هذه الأمور.

وفي مسرحية «أهل الكهف» لتوفيق الحكيم أشياء كثيرة لا تصح.. بل أقول أن الأغلب غير صحيح ولم أشأ أن أقل أنها منبوذة.. وإن كان هذا هو الأصل.

 و لنلق نظرة سريعة على هذه المسرحية لنرى إلى أي حد تتفق ما جاء به القرآن الكريم.

تحوير الآيات القرآنية:

فتوفيق الحكيم يرى أن عمله هذا إنما هو تحوير للآيات القرآنية كما يقول … ولذلك أخذها وفهمها وراجع فيها القرآن والكتب المقدسة الأخرى.. وصاغها صياغة حوار بين أشخاص ليكون فكرة عامة عن أهل الكهف.

وهذه الفكرة مردودة.. فهي أولًا لا تعتمد على القرآن وما ورد فيها أكثره ليس من القرآن أو ليس له وجود به... والحاصل أنه اعتماد على الكتب الأخرى من كتب النصارى ومن ثم لعب خيال الكاتب في الأدوار التي قاموا بها فأعطى لكل منهم صفة في المجتمع وربطه بها وجعل هذه العلاقة مدار الحوار بين الأشخاص.. مما لا نجد لمثل هذا العمل نظيرًا في كتب التفسير الإسلامي. وبهذه الصورة نضع كلام توفيق الحكيم وضع الافتراء.. فما هكذا وصفهم الله سبحانه وتعالى.. ولو كانت هذه حالتهم لما كان في حياتهم تلك العبرة للأجيال السابقة.. التي نظرت إليهم نظرتهم إلى طغيان عصرهم.. وعرف الجيل الإسلامي الأول.. ولا زالت الدروس ماضية في الأمة إلى قيام الساعة.. عرفوا سبيل الإيمان والثبات ورفض المنطق الجاهلي.. وعرفوا أيضًا وتعلموا سيرة المؤمن المعتز بالله دون غيره وبلا شريك.. مشيحًا بوجهه عما سواه جل وعز.

أهل الكهف:

لم يحدد عددهم في القرآن، والقرآن هو المصدر المتيقن لمعرفة ذلك.. ومع كل هذا لم يذكر عددهم، وحددت آياته أنه من علم الغيب وليست العبرة بمعرفة العدد وإنما ما هم عليه.. هو المهم وهو السياق الذي يؤخذ منه ذلك الشعاع في حياة أولئك الفتية الذين آمنوا بربهم وآثروا الآجل على العاجل.. فلم يكن في قلوبهم حب لدنيا فانية ولم ترهبهم قوة طاغية ما دامت قلوبهم مع جبار السماء والله لا شك ناصرهم.

وتوفيق الحكيم عندما استعرضهم في مسرحيته حدد عددهم بثلاث شخصيات... أخذها من كتب التفسير وهذا واقع.. فقد ورد في كتب التفسير أسماء لأهل الكهف، ولكنها روايات مختلفة.. والأمر مقرر في القرآن فنحن لا نعرف على التحديد عددهم.. ولكن الكاتب اعتمد ثلاث شخصيات ثم أضاف من عنده أيضًا شخصيات جديدة اخترعها لينسج مسرحيته.. وهذا العمل فيه خروج أيضًا على القرآن.. إذ لم يعتمد الآية الكريمة وراح يصوغ على هواه شخصيات وينسج منها أحاديث هي أبعد ما يكون عن حقيقة «أهل الكهف».

ولا أتكلم عن مخالفتنا له من ناحية ما أسبغ عليهم من المهن وجعله لمرنوش ومشلينيا من مناصب  و ليمليخا من أنه راع وعنده كلب … فهذا يرجع إليه في كتب التفاسير ليعرف مكانه..

واختصارا للموضوع أقول هذا الكلام لأن حوله كلام يطول.

والمعروف عن جمهرة كبيرة من أهل الروايات أنهم من أبناء أشراف الروم وعظمائهم.. ولما حل ما حل بالدولة من تسلط الطغيان عليها وأعمالهم القتل في الناس وأما عودة إلى الوثنية. وتقديم القرابين للطواغيت.. رفض هؤلاء الفتية مثل هذا الانحطاط..

 واعتصموا بأيمانهم وفضلوا الارتفاع عن دنايا الأرض إلى النور الإيماني المشرق فكان أن التجأوا إلى كهفهم».

أسلوب الخطاب بين أهل الكهف:

ما قررته الروايات الواردة وخاصة في كتب التفسير الإسلامي تدل على أن أهل الكهف عندما لجأوا إلى الكهف فرارًا بدينهم وحماية لعقيدتهم وخوفهم من الفتنة في بلد لا يستطيعون عمل شيء إزاء الطوفان الطاغي من الوثنية وعدم وجود القوة المناسبة لرده وصده.. كان لهم في كهفهم حياة أخرى جديدة.. تطمئن القلوب المتطلعة إلى الأمل الجديد..

فتذكر كتب التفسير أنهم كانوا يحمدون الله ويكبرونه ويهللونه ولا تجدهم إلا بين ساجد وقائم.. يسألون الله الفرج والنجاة من هذا الطغيان.. لا يفتر تسبيحهم ولا تهدأ لهم عين من دمع.. وربط الله على قلوبهم وزادهم هدى.. ولم يكن من أحاديثهم تلك الشواغل الدنيوية وهم في مثل موقفهم هذا..

المذابح منصوبة في البلد والشرط يتخطفون الناس ليقروا بالكفر وإلا فالموت إلزؤام.. فاين شواغل الحب ولواعجه.. وأين التفكير في متاع الحياة وهم الذين فروا من هذا المتاع والزينة إلى حقائق الإيمان وإشراقاته السنية وطلب الثبات.. ولو كانوا كما جاء تصويرهم في المسرحية لكان أهون شيء عليهم الرضا بما يقول به الطواغيت وهم أبناء الأشراف وربما من أقرباء الملك كما يستفاد من بعض الروايات.

وإني لهم أن تكون لهم هذه القصة لو كانت الدنيا همهم وإن يصفهم الباري هذا الوصف البديع الرائع.. أبعد وصف الله لهم.. يكون للخيال كل هذا الجموح.. ليصنع صورة أخرى للفتية الذين غادروا المدينة حفاظا على عقيدتهم..

 وتدور أحاديثهم كما يوردها مؤلف المسرحية على نمط عجيب غريب.. وهذا ما يحملنا على القول أن عدم فهم الرجل لدينه.. وبعده عن الحقائق الإيمانية.. وابتعاده عن منهج الإسلام وتصوره السليم وربطه القلوب برباط المحبة الوثيق هو الذي أوحى له بهذه التعابير التي رصها ليكون لمسرحيته وإلا فلك أن تحكم على مثل هذا الحوار: مشلينيا: «يتمطى» اه ظهري يؤلمني!

كم لبثنا يا مرنوش؟

مرنوش: اف! إنك تحرج صدري بأسئلتك.

وفي حوار آخر من المسرحية:

مشلينيا: أريد الخروج من هذا المكان.

مرنوش: أيضًا؟ يالمصيبتي بك!

مشلينيا: قلت لك لا أستطيع المكث هنا يوما آخر.

مرنوش: أيها النزق! أما أكفأك أنك أوقعتنا فيما نحن فيه.

مشلينيا: إنك حاقد علي.

هذا الحوار والحوار الذي قبله.. هو شيء بسيط لما في المسرحية ولك أن تنظر في الكلمات المستعملة كالتأفف ووصفه بحرج الصدر والمصيبة وضيق أحدهم بالكهف وتذمره منه ومحاولة الخروج وصد الآخر له واتهامه بأنه مصيبة.. ثم قوله «أيها النزق» ورد الآخر عليه أنه «حاقد عليه».. فأين هذا الكلام من الإشراق الإيماني الذي حمل هؤلاء على الفرار بدينهم والابتعاد عن مواطن الوثنية.. ليعبدوا الله وحده لا شريك له.

أفهذه كلمات تصدر عن قلوب مؤمنة وألسنة طاهرة... أفنكذب القرآن لنصدق المؤلف بزعمه؟!! عجبًا والله وأي عجب فهذه الكلمات تكاد تكون مفقودة بين صحبة طريق همهم سياحة في الأقطار إذا آلمت بهم ملمات فكيف بأناس يفرون إلى الله!!

أرأيت إلى كلمات الحقد والتذمر وأساليب الاتهام.. فغالب ما تقرأ تجد ميل هذه الأساليب متمثلة في الحوار الدائر بينهم.. ولا يتورع الرجل عن إيجاد مثل هذه الكلمات بين فتية تجردوا الله وحده.

قيود الأرض:

من دواعي اكتمال عناصر المسرحية، وجود الحدث، والعقدة والحركات.. هذا لا تختلف فيه فهو مقرر أدبيًا.. لكن تناول قصة أهل الكهف لإيجاد ترابط خاص يعبر به عن حياتهم فهذا ما لا دليل لنا عليه.. ولم نعرفه بهذه الصورة في كتبنا الإسلامية وإذا كنا نرفض كثيرًا من الروايات الواردة في كتب التفسير الإسلامي فإن ما هو في كتب الآخرين مردودة لأنها لا تكشف لنا عن الجوانب الإيمانية الصافية في القصص الديني.. ومن ثم نحذرها.

فانطلاق أهل الكهف كل إلى حركة من حركاته في المسرحية وتعلقه بدنياه وتفكيره بلقائه كما يحب خارج عن نطاق ما هم عليه.. ثم هذا الإسراف في جانب حب أحدهم لشخصية مخترعة تدليل آخر على فساد.

المسرحية وإن كانت منقوضة أساسًا لعدم توافر وجه الحق فيها!!

ولا أريد التطويل في الحديث فالكتاب موجود وأيما رجل يقرأ القرآن ويلتفت إلى الكتاب يجده مسخًا لا شيئًا له قيمة يمكن الأخذ ببعض معلوماته فضلًا عن تضاده مع القضايا الإيمانية.. كما أنه خلو تمامًا مما يجب أن تكون عليه قصتهم مما ذكرناه في البداية نقلًا عن كتاب الأستاذ الندوي.

وأعرض لك جانبًا من حوارهم بعد نزول الراعي من عندهم بحثًا عن طعام لهم. مرنوش: أن الله قد خلق لنا قلوبنا قد نزل عن بعض حقه علينا.

مشلينيا: «بعد تفكير يصيح في فرح» قد تكون صادقًا في هذا یا مرنوش.. «في شك» لكن.

مرنوش: ماذا؟

مشلينيا: الراعي هذا الراعي الذي نبهنا إلى الله الآن.. ألا ترى كيف يذكره والمسيح في كل وقت.

مرنوش: أن صاحبك الراعي لخلي، فما يضيره أن يمنح قلبه كله لله أو للشيطان.

 أنه الشك عند أهل الكهف ثم أنهم مشغولون بالدنيا والراعي خلي مما هم فيه فله ما يريد أما أن يتجه إلى الله بكليته أو للشيطان فليس وراءه من هموم الدنيا من شيء!!

إنها البراعة التي يحسد عليها توفيق الحكيم في فهمه العميق لحقيقة الإيمان إذا استقر في قلب انسان!!

وفوق هذا فقد جعل من إيمانهم نقطة يعبر عليها لما يريد من حوار وتصنع.. فجعل حب مرنوش زوجته المتدينة هو الانطلاقة نحو عالم إيمانه..

ولكن هذا الكلام أيضًا جاء ليعقبه الحوار الذي يريد توفيق الحكيم أن يواصل به حدیثه ويدخل في طور جديد من احداث مسرحيته!

مشلينيا: «لمرنوش» لولا امرأتك المسيحية لما كنت اعتنقت دين المسيح أنت الوثني المؤمن بالوثنية وساعد دقيانوس الأيمن في مذابحه السابقة!

مرنوش: و لولاك أنت لما اعتنقت الأميرة بريسكا دين المسيح وهي المؤمنة بدين أبيها دقيانوس.

ويقوم الحوار على مثل هذه التفاهات في جل المسرحية فإذا بها مهلهلة.. ضاعت فيها كل الآثار المطلوبة و أنمحت منها العبر المجلوة للبصر.

الصراع بين الإنسان والزمن:

بعد أن تبين الارتباط الأرضي عند أهل الكهف كما يصورهم توفيق الحكيم في مسرحيته وأحكم هذا الترابط أراد أن يقرر السبيل الذي مهد له ببناء هذه المسرحية ومضى يحلل بعد ذلك الفكرة التي تملأ رأسه حول الصراع بين الإنسان والزمن.

وهذا مأخوذ عن أفكار غريبة عاصرها الحكيم عند إقامته في فرنسا واستلذ بمثل هذه الأفكار فلما عاد إلى مصر فكر كثيرًا في إيجاد المناسبة التي تؤهله للتعبير عن فكرته هذه فلجأ إلى قصته أهل الكهف ليصب هذه الفكرة عليهم صبًا كما فعل غيره في تطبيق فلسفات أعجبوا بها.. فلم تأت مواتية لما كانوا يريدون لأنهم لم يلتمسوا الجانب الذي يمكنهم منه إفراغ فلسفاتهم وصبها في قوالب حسبما يتبادر إلى أذهانهم.

وفي هذه المسرحية أيضًا أعطى الحكيم هذه النظرة أهميتها وأراد تطبيقها على أصحاب الكهف في صراع بين هذا الإنسان الذي يعيش... لكن عصره قد تولى فهو غريب ولا يمكنه أن يتكيف مع هذا المجتمع.. فهو صراع بينه وبين زمن غير زمنه ولا بد للزمن أن يهزمه ما دام غير قادر على التكيف معه.

وبذلك يكون قد أراح نفسه مما كان يعذبه من فكر غير مناسب في تطبيقه على أهل الكهف لأنه شط في الموضوع كثيرا وأخرجه عن صيغته وافترى به أيما افتراء على حقيقة مقررة ثابتة و تجنى كل التجني بعرضه هذا فحرف أكثر مما كان يقول إنه حور وليس في كلمته بالنسبة للتحوير صادقًا إذ التمس القصة من نبع غير نبع القرآن.

                                                                         أحمد محمد عبد الله

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 32

136

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

الاختلاط في الجامعات!

نشر في العدد 44

123

الثلاثاء 19-يناير-1971

لعقلك وقلبك (44)

نشر في العدد 46

123

الثلاثاء 02-فبراير-1971

لعقلك وقلبك (46)