العنوان مفاهيم خاطئة حول الحجاب
الكاتب محمد شاويش
تاريخ النشر السبت 24-أغسطس-2002
مشاهدات 72
نشر في العدد 1515
نشر في الصفحة 44
السبت 24-أغسطس-2002
● خطأ شائع.. القول بأن زي المسلمة لا يجوز أن يكون إلا على شكل واحد.
● في مختلف العصور الإسلامية كان للمرأة أوضاع مختلفة باختلاف الزمان والمكان ولكن في جميع الحالات كان هناك معيار شرعي لثياب المرأة والرجل. يتم الالتزام به.
● الربط بين مفهومي «المحتشم» و«القبيح» أدى إلى انصراف بعض النساء عن الحجاب.
تخبط العقل المسلم في القرنين الأخيرين في مسائل لا تمت بصلة إلى منظومة أفكاره الخاصة التي تتوافق عناصرها مع بعضها البعض، وتحل إشكالاتها من داخلها، ومن تلك الإشكاليات الزائفة قضية «الحجاب» ولعل كل من فرغ نفسه لقراءة متمعنة في تطور المفاهيم التي شكلت الثقافة العربية المعاصرة سهولة أن يرى كيف تراكمت مفاهيم مغلوطة تناطح المنطق، لكنها فرضت نفسها ليس فقط على خصوم الإسلام بل على أنصاره المفترضين أيضًا... على الأقل بالنسبة لهذه القضية.
لعل مسألة الحجاب أوضح عرض من أعراض مرض عدم الانسجام في مكونات البنية الثقافية العربية المعاصرة والمشكلات المقترنة بهذه المسألة تكاد تلخص كل مأساة الوضع المقلقل لهذه الثقافة في العالم. إنها ثقافة تتعارض عناصرها المكونة وتتحارب حربًا داخلية مستمرة، لا على الصعيد السياسي فحسب بل حتى على الصعيد النفسي الفردي.
إن مكونات هذه الثقافة تشكو من الازدواجية والتعارض إذ إن قيمها الجمالية تعارض قيمها الأخلاقية والمميز الجوهري لهذه الثقافة هو انقسامها الفريد إلى ثقافتين واحدة سائدة هي ثقافة الغالبية الأهلية وأخرى مسيطرة هي ثقافة النخبة المتملكة لزمام السلطة ولا تظهر ازدواجية هذه الثقافة في مثال أوضح من مثال الحجاب.
إشكالية الحجاب في العصر الحديث
لم تظهر إشكالية حجاب المرأة قبل العصر الحديث ولم تكن هذه الإشكالية طبيعية، بل خالطها كثير من الزيف وحشر بها الإسلام حشرًا.
لنلاحظ -بداية- أن دعاة تحرير المرأة عندنا بدءًا من قاسم أمين واجهوا وضعًا خاصًا للمرأة هو وضعها كما خلفه الانهيار الاجتماعي العام الذي أصاب الرجل والمرأة معًا، وفيه ابتعد المجتمع المسلم ببناه السياسية والاجتماعية عن مقاصد الشريعة الإسلامية ولكن المعركة التي دارت بين المجددين والمحافظين، آنذاك كان الإسلام بعيدًا عنها في كثير من الحالات.
أما المجددون، فلم يبنوا تجديدهم في الحقيقة على مسعى داخلي لإصلاح الوضع الاجتماعي المنحرف على قاعدة نهضوية أصيلة تعيد للإسلام كل بهائه الأصيل وسعة أفقه وتجربته العظيمة، بل بنوا دعوتهم على قاعدة الانبهار بالتجربة الغربية.
أما خصومهم الذين افترض بهم الدفاع عن الإسلام فقد بنوا دفاعهم- في الأغلب- على مفهومهم هم للإسلام كما وصل إليه التطور النازل للمجتمع الإسلامي.
وما دافع عنه هؤلاء كان وضع المرأة لا كما كان في عصور الإسلام الأولى المرأة التي تستطيع أن تكون عالمة ومجاهدة وقائدة رأي عام وضع خديجة وعائشة وفاطمة وزينب وخولة ونسيبة والخنساء والفارعة بنت طريف وغزالة الحرورية، بل كان مثلهم الأعلى وضع المرأة الأمية الجاهلة التي لا نفع منها لمجتمعها ولا حتى لعائلتها، الوضع الذي أوصلتها إليه ظروف العصور المتأخرة القاسية، عصور الخمود الحضاري والاستبداد والطغيان وانفلات الجنود في طرقات المدن بلا وازع «هذا الوضع الأخير يفسر تحول حارات المدن إلى قلاع وصعوبات ظهور المرأة خارج منزلها، إلى آخره. مما نشهد بقايا من علاماته في حارات مدننا القديمة الضيقة التي كانت تسد في الليل، فانعدام الأمن كان له تأثيره المدمر على الحياة الاجتماعية والاقتصادية». هنا يُذكر أن قاسم أمين لم يركز دعوته على مطلب نزع حجاب المرأة، بمعنى الحجاب الذي استجد بعد عهده بل ركزها على مطلب خروج المرأة من البيت إلى المدرسة والمجتمع. يستعمل مصطلح «الحجاب» في أيامنا هذه بأحد معان ثلاثة:
(1) غطاء الرأس.
(2) لباس معين لكل الجسد والرأس.
(3) حالة شاملة للمرأة تحتجب فيها في بيتها، وتنعزل عزلة مطلقة عن بعض القطاعات الاجتماعية.
حين أقول إن إشكالية الحجاب، إشكالية حديثة أعني أن المجتمع الإسلامي قبل غزو القيم الغربية الذي جاء به العصر الحديث ما كان مضطرًا «لابتكار» هذه الإشكالية، فهي جاءت حصرًا على أرضية وضعية نشأت حديثًا مع الغزو الثقافي القيمي الذاتي «سميته غزوًا ذاتيًّا لأنه لم يثبت أن الاستعمار الغربي فرض إلغاء الحجاب بالقوة، بل كان العامل الرئيس هو التقليد المنبهر المستلب لشرائح ثقافية اجتماعية قائدة عندنا».
قبل عصر الغزو كان للمرأة المسلمة أوضاع مختلفة باختلاف الزمان «اختلف وضع المرأة بين عصر الصحابة والعصر الأموي والعصر العباسي وعصور تالية»، واختلاف المكان «اختلف وضع المرأة بين الريف والمدينة والبادية، واختلف أيضًا مع اختلاف الشعوب الإسلامية في تقاليدهم المحلية». ولكن في جميع الحالات كان هناك معيار شرعي لثياب المرأة وثياب الرجل يُلتزم بدهيًّا «وهو المعيار المعروف الذي يوجب ألا يشف الثوب أو يصف».
هذا المعيار، وهو من البدهيات المنسية في عصرنا، لم يكن يعني زيًّا محددًا ، موحدًا، كأزياء الجنود للمرأة والرجل فهو لم يمنع من وجود أزياء مختلفة (الآن نسميها تقليدية) بين الشعوب الإسلامية والشرائح المختلفة في كل شعب (ببلاد الشام كان هناك زي للبدو وزي لفلاحي المناطق من منطقة لأخرى وزي لسكان المدن)، فلا معنى للخطأ الشائع أن زي المرأة المسلمة لا يجوز أن يكون إلا على شكل واحد هو -مثلًا- ما يُسمى اليوم «الجلباب» إذ هو زي مبتكر لا يتجاوز عمره عقودًا عدة، ولا علاقة ضرورية له بالجلابيب مذكورة في القرآن كما أنه مجرد زي جائز يفي بالمعيار الشرعي للزي الإسلامي، لكنه «جائز» بحسب وليس «إلزاميًّا».
ولا يوجد؛ لا نص قرآني ولا نص من السنة: فرض على المرأة أن ترتدي زيًّا محددًا في عرض بلاد الإسلامية وطولها.. فشروط الزي الشرعي تستلزم «التفصيلة» نفسها على طريقة واحدة!
إن أي منصف سيرى أن لباس المرأة الحورانية مثلًا الذي لا تزال النساء ترتديه في جنوب بلاد الشام من كبيرات السن كان لباسا إسلاميًّا لا غبار عليه وفيه جمالية خاصة وبصمة غلبتها تلك المنطقة من مناطق عالم الإسلام، ولا تتعارض الجمالية مع الإسلام بالضرورة، ولا نعرف من أين جاء المحدثون بفكرة أن الإسلام يشجع على قبح الثياب! ما أبعد الفارق بين مفهومي «الثياب المحتشمة» و«الثياب القبيحة» بسبب الدمج بين هذين المفهومين نشأت ظاهرة التذمر من الحجاب عند بعض المحجبات، وعد قيدًا بأحسن الحالات تضحية كبيرة تقوم بها المرأة، وهناك لباس المرأة الشركسية، وغيره من الأزياء التي كانت منظومات متكاملة متناسبة مع الاعتبارات جميعها الشرعي والعملي المتعلق بالمناخ والعمل والاعتبار الجمالي والثقافي الذي يميز كل ثقافة محلية عن الأخرى.
إن الأزياء المحلية التي صرنا نسميها الآن أزياء تقليدية، للرجال والنساء كانت نسخة محلية من الزي الإسلامي، تفي بالمتطلبات الشرعية لزي المسلم والمسلمة وتحمل بصمة الذوق المحلي ونكهته الجمالية.
وبخلاف العصر الحديث كانت هناك تقاليد صارمة موجهة للجنسين كليهما فيما يتعلق بموضوع ما يجوز، وما لا يجوز ظهوره من الجسم، وهي لا تنزل في مجملها عن الحد الأدنى المطلوب شرعًا للستر، لكنها قد تزيد عليه، وهذا لا يخص النساء فحسب بل يخص الرجال أيضًا.
ثم جاءنا العصر الحديث بمفهوم «الحجاب» لباس خاص يميز المرأة المسلمة، واستعمل مفهوم من قبل خصوم الشريعة والمشنعين عليها يناصرهم من يحسبون أنفسهم أنصارها للزعم أن الإسلام يخص المرأة حصرًا بزي يميزها.
والحقيقة أن لزي كل من المرأة والرجل شروطًا شرعية لا يجوز الخروج عليها.
في هذا الإطار: أقر المسلمون في البلاد التي قبل رجالها استيراد اللباس الغربي، لأول مرة بنوع من المعايير المزدوجة، تعامل المرأة بما لا تعامل به الرجل، فحين لبس الرجل اللباس الغربي (الذي هو لا يتناسب مائة بالمائة مع المتطلبات الشرعية للباس الرجل) فإنه «حرم» المرأة من أن تحذو حذوه فتقلد لباس المرأة الغربية.
هذه النقطة أراها في غاية الأهمية وإني لأدعو إلى التمعن فيها مليًّا:
حين صار اللباس الغربي عند البعض منا هو «الطبيعي» و«المعياري» فإن ذلك تضمن بصورة منطقية أن كل لباس غير غربي «غير طبيعي» وهو بالتالي «شاذ» و«خارج عن المألوف»!
ومن هنا تنظر البلاد التي تبنَّى رجالها اللباس الغربي ببعض الاستغراب إلى بلاد أخرى حوفظ فيها على «اللباس التقليدي» كبلاد الخليج وليبيا والسودان، وهذه النظرة هي عينها التي ينظر بها إلى المرأة التي خرجت على «المألوف» أي الزي الغربي فارتدت الحجاب!
قال المثل المعروف «أكلت يوم أكل الثور الأبيض» وهذا المثل الذي نضربه في ميدان السياسة يمكن لنا - في اعتقادي- أن نضربه في مجال الحجاب.
لقد أصبح نظام الثياب عندنا هجينًا يعكس هجانة كل نظامنا الفكري والاجتماعي والسياسي، وكانت المرأة المسلمة أبرز ضحية لهذا الوضع الهجين.
ويسبب التمييز في المعاملة بين المرأة والرجل في موضوع الأزياء، حيث المرأة وحدها التي منعت من التطابق التام مع المعيار الغربي، فقد ظهر عندها الشعور بأنها «مستهدفة». وأنها قيدت بقيد حين طلب منها الحجاب، وهذا ما سهل أيضًا للغربيين ألا يروا في الحجاب إلا تمييزًا ضد المرأة ما دامت -وحدها- خالفتهم في الزي!
لو كان رجال المسلمين حافظوا على أزيائهم التقليدية لصار اضطهاد الزي الإسلامي بتشكيلاته العديدة أصعب، ففي هذه الحالة لم يكن الاضطهاد ليوجه إلى أفراد من جنس واحد بل إلى شعوب كاملة!
الحجاب: «العادة» و«العبادة» هل من تناقض بينهما؟
البعض ينتقد من ترتدي الحجاب كعادة لا كعبادة، مع أن وضع العادة في موضع التناقض مع العبادة خطأ شائع فادح.
ولأذكر هؤلاء بأن أفضل أشكال السلوك الحسن ما انقلب إلى عادة.. ومخالفة العادة أصعب بكثير كما هو معلوم من مخالفة ما ليس بعادة.
ومن المفيد للتوضيح هنا ذكر أمهاتنا وجداتنا اللواتي كان تغيير الزي عندهن بزي غربي أمرًا مستحيلًا إن «عادتهن» تلك لم تكن متناقضة مع معتقداتهن الدينية بل كانت تعبر عن أن هذه المعتقدات منغرزة عميقًا في اللاشعور وفي الحقيقة لا يتحقق نجاح من يدعو المجتمع إلى سلوك معين تحققًا نهائيًّا حتى يتحول هذا السلوك إلى «عادة».
«العادة» يمكن لنا من الناحية النفسية أن نرى فيها نمط حياة محميًّا بروابط انفعالية وعاطفية قوية يصعب قطعها، فليس السؤال الصحيح هو: كيف نقضي على العادة ونحولها إلى عبادة؟ إن طرح القضية على هذا النحو يحمل رائحة احتقار المجتمع، مما الحذر منه.
بل السؤال هو: كيف تحصن العادات الإسلامية في المجتمع فكريًّا ونفسيًّا بحيث يُضاف إليها عنصر الدفاع الفكري العقدي الشعوري الواعي؟
وما دامت القضية تطرح على هذا النحو فأقول: إن امرأة «متعودة» على لباسها الإسلامي ومقتنعة به هي أبعد بكثير جدًّا عن إمكان الارتداد عن هذا اللباس من امرأة مقتنعة به ولكنها غير متعودة عليه!
لقد شنت هجمات كثيرة على العادات والتقاليد في القرن الماضي، استهدف معظمها -في الحقيقة- اجتثاث تلك الروابط العاطفية والانفعالية اللاشعورية المتينة التي «تموضعت» فيها العقيدة الإسلامية، وتجسدت «على شكل مؤسسات اجتماعية وعلاقات بين الأفراد وأنماط سلوكية».
إن الإسهامات غير المتبصرة في الهجوم المعمم بلا تحديد أو تعيين دقيق على العادات والتقاليد لم يكن من شأنه إلا أن يحرم هذه النواة الصلبة للعقيدة الإسلامية المتجسدة من غطائها الفكري، ودفاعها النظري.
لقد اتخذ بعض العادات والتقاليد المناقضة لنص الشريعة وروح مقاصدها ذريعة لهجوم شامل على المجتمع الأهلي، مما زلزل طابع هذا المجتمع المبنِي أساسًا على قاعدة تاريخية من «الإسلام المتموضع أو المتجسد»، ولم يسأل في بعض الحالات من أسهم في الهجوم نفسه عما إذا كان سيصل في الحقيقة إلى الهجوم على الإسلام نفسه بوصفه من «العادات» و«التقاليد»؟!
«جميل» أم «قبيح»؟
من الأفكار الشائعة وإن كانت مضمرة لا يجرؤ أحد أن يعلن عنها إلا، ربما، بعض خصوم الحجاب، فكرة أن الحجاب يقبح المرأة «بتشديد الباء: أي يجعلها قبيحة، لكنه فرض من الله عليها أن تمتثل له ولو كان فيه هذه المشقة العظيمة التي هي القبول بزي قبيح، كما أن المسلم يقبل بصوم رمضان حتى ولو كان فيه مشقة ما دامت محتملة لا تهدد الحياة أو الصحة!
ولننتقل إلى تفسير الظاهرة النفسية الاجتماعية التي ظهرت في العصر الحديث وهي استقباح الأزياء الإسلامية. إن زيًّا محددًا بحد ذاته لا يحمل صفات جمالية جوهرية، فهذه الصفات يضفيها عليه المجتمع، والثقافة المسيطرة هي التي تقدم النماذج التي تعد جمالًا، وتلك التي تعد «قبحًا»
لو تخيلنا وضعًا تكون فيه النساء الناجحات في المجتمع القادرات على إثارة إعجاب المواطنة العادية محجبات، فإننا سوف نشهد تحول الحجاب إلى موضة مثلما أن عدم الحجاب هو الموضة في مجتمع، كل النماذج التي تقدم فيه على أنها معيار للجمال غير محجبة.
ولمن يسألني: «من أين لك أن المحجبات يرين الحجاب قبيحًا؟» أجيب أن دليلي على ذلك هو سلوك هؤلاء المحجبات حين يوجدن في بيئة نسائية خالصة،
فالمشاهد أن غالبية منهن يسارعن إلى نزع الحجاب ويجرين تحولًا في مظهرهن بحيث يصبح مطابقًا بنسبة تصل إلى مائة بالمائة للنموذج المسيطر «للمرأة الجميلة» وهو ببساطة النموذج الذي تعرضه السينما والتلفاز والدعايات، وهذا يدل في نظري على أن هؤلاء النسوة لا يعتبرن أنفسهن جميلات بالحجاب، وسأعود هنا لأذكر بما كان عليه وضع نساء «حجاب العادة»، فقد كان الزي التقليدي كما نسميه الآن الذي يمكن أن ترتديه المرأة في عرس مثلًا هو أيضًا «زي محجب» إن أردنا استعمال هذا المصطلح الذي لم تكن تلك النسوة يعرفنه.
ولننتقل الآن لموضوع غطاء الرأس الذي لا يعد جزءًا رئيسًا من اللباس الغربي المعاصر (القبعة لا تشغل فيه جزءًا مهمًا) ومن هنا يبدو غطاء الرأس لمثل هذا اللباس جزءًا زائدًا لا ضرورة له، بل هو بالأحرى «تشويه»!
في الزي التقليدي الذي كانت ترتديه المرأة في حوران أو السويداء أو إدلب أو المرأة الشركسية (ذكرت نماذج أعرفها) كان غطاء الرأس جزءًا جوهريًّا من اللباس لا يكمل اللباس بدونه، أما «التشويه» فيكون بفقدان هذا الجزء الجوهري.
وقد يبدو هذا القول لمن تعود على منظومة اللباس الغربية غريبًا ولكنني أذكر القارئ بمنظومة أزياء لم تزل موجودة بالفعل منظومة أزياء المرأة الهندية والسريلانكية التي تحتوي على غطاء للرأس كجزء جوهري، ناهيك عن لباس الراهبات الغربيات.
وأذكر مثالًا أقرب للقارئ العربي إنه مثال أزياء الرجال.
في مناطق الفلاحين في بلاد الشام كانت الحطة والعقال جزءًا جوهريًّا من لباس الرجل لا يخرج بدونه ولو ذهب إلى محفل عام فإنه سيحس بأنه شوه (بل أهين) إن أكره على خلع غطاء رأسه.
فغطاء الرأس إذن ليس تشويهًا وهو ليس كذلك إلا لأن منظومة الزي التي أخذناها لا غطاء فيها للرأس.
المعيار الجمالي إذًا، في مجتمعنا القائم هو بالذات المعيار الغربي المستورد، إنه المعيار المستبطن حتى في قسم كبير من قطاع النساء المحجبات، وهذا بالفعل خطر هائل على الحجاب، إذ سيظل الحجاب على شفا جرف هار، إذا ظلت مرتدياته مقتنعات بأنه الحقيقة ليس زيًّا جميلًا، وإنما يرتدينه لأنهن لا يمكنهن ارتداء «الزي الجميل»!.
ليس المجتمع الإسلامي هو فقط ذاك المجتمع الذي يقتنع أفراده بالإسلام، إنه المجتمع الذي لديه في معايير جمالية مأخوذة من داخله. وفي الحقيقة أن ما تقدم من قول ليس مجرد تحليل نظري لا توجد له تطبيقات عملية، فلأذكر هنا أمثلة واقعية من المجتمعات الموجودة: ألا نشاهد مجتمعات الهند وسريلانكا وباكستان والسودان والصومال وأقطار إفريقية أخرى تحافظ نسوتها على ثيابهن التقليدية! أليس المعيار الجمالي في هذه المجتمعات إذًا رغم كل العولمة وغزو الثقافة الغربية -ما زال داخليًّا؟
فأن يحوز مجتمع على معيار جمالي داخلي إذًا أمر غير مستحيل.
الحجاب والمسيحية العربية
من المعتقدات الشائعة التي صارت بدهية في زماننا أن الحجاب في بلادنا لا يخص إلا المرأة المسلمة وأن «الوضع الطبيعي» للمرأة المسيحية هو ألا تكون محجبة.
وكما في أماكن عديدة من كتابات العبد الفقير كاتب هذه السطور، سأعود إلى «المجتمع التقليدي» لأفحص هذه الفكرة إن كانت صحيحة أم لا..
سأعود إلى المنطقة التي ذكرتها قبل قليل، وهي ريف جنوب بلاد الشام «حوران» بلد الغساسنة، وفي قرى حوران عاش المسلمون والمسيحيون سويا، ولايزالون إلى الآن. ويستطيع القارئ أن يزور هذه القرى ليرى النساء كبيرات السن، المسلمات والمسيحيات، يرتدين الزي الحوراني الذي يجمع الأصالة والشخصية المحلية المميزة والحشمة المتطابقة تمامًا مع المتطلبات الشرعية للباس الإسلامي.
المفيد هنا أن نرى كيف «تطور» لباس المرأة الحديثة في حوران؛
لقد تطور للمرة الأولى في التاريخ على أسس الانتماء الديني ولكنه تطور مؤسف جدًّا في نظرة وليتأمل القارئ ما جرى:
أما المرأة المسلمة التي غزا مجتمعها نمط الزي الغربي فتركت زيها التقليدي، ونشأ زي هجين يحاول أن يرضي متطلبات متعارضة؛ الحشمة والتقارب مع السمات الشكلية للثياب الغربية. وعلى المتدينات الملتزمات ثم تبني الزي الحديث الذي سمي «الجلباب» الذي لا يقدم جديدًا من ناحية متطلبات الشريعة الإسلامية عن لباس أهل المنطقة.
وأما المرأة المسيحية الجديدة فتبنت الزي الغربي بتعديلات أقل من تعديلات المسلمة على هـذا الزي، لا لأنها اقتنعت بأن مسيحيتها لا تتعارض مع التغيير الثقافي الشامل باتجاه التبني غير المشروع للقيم الغربية بل لأن المسيحيين العرب أهملوا وعدوا خطأ نصيرين طبيعيين للقيم الغربية بجيدها وسيئها، ولا شك أن ثمة دوافع انتهازية تشجع المسيحي، كما تشجع المسلم أيضًا، أن يتبع حكم الفئران فيغادر السفينة الغارقة إلى السفينة الطافية لكن المسيحية بحد ذاتها لا علاقة لها بخلاعة الأزياء الغربية الحديثة، فالمسيحي المتدين هو أيضًا ضد الخلاعة.
الحضارة الإسلامية كانت حضارة أسسها الإسلام وقادها، ولكنه - بتسامحه الفريد وسعة أفقه التي لا مثيل لها- استطاع أن يستوعب العقائد الأخرى، وباستثناء الشعائر الدينية كان سلوك أبناء تلك الأديان منظمًا تلقائيًّا وفق القواعد التي بُني عليها المجتمع المسلم، وهذا بالمناسبة ليس غريبًا فيه من سنن الحضارات، ولننظر مثلًا إلى المجتمع الغربي كيف تتكيف الأجيال الجديدة فيه مع المهاجرين الذين جاؤوا من ثقافات مختلفة عن سلوكياته ولغته وعقليته، بحيث إن المسلم أو البوذي أو المسيحي الذي تربَّى في هذا المجتمع لا يماثل في العقلية أخاه في الدين في المجتمع الأصلي.
لذلك أقول إن المسيحيين العرب لم يكونوا مغتربين في القيم عن مجتمعهم فليست هناك حضارتان واحدة للمسلمين وأخرى للمسيحيين إن هذه الفكرة التي تبدو بدهية للعرب، المعاصرين هي فكرة في غاية الخطأ والزيف، إذ لا توجد «أزياء مسيحية» والمسيحيون العرب لا يسيرون في أزيائهم الحالية وفق متطلبات الدين المسيحي، بل يسيرون مثلهم مثل قطاع كبير من المسلمين على ما يتطلبه الزي الغربي، وهذا الزي الأخير يقتنع المنتمون إلى الثقافات الأخرى به على أسس دينية. ولا شك أنه ما من مسيحي متدين يرضى عن طابع العري الذي تتميز به بصورة متزايدة أزياء المرأة الغربية التي يتم الترويج لها من قبل دور الأزياء ووسائل الإعلام، وأعتقد أن هذه المسألة بالذات هي نقطة التقاء مهمة في الحوار مع المسيحيين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل