العنوان مفاهيم اقتصادية
الكاتب يوسف كمال محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1993
مشاهدات 108
نشر في العدد 1048
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 04-مايو-1993
بيت المال
يقول الماوردي: «بيت المال عبارة عن الجهة لا
عن المكان، وكل حق وجب صرفه في مصالح المسلمين فهو حق على بيت المال، فإذا صرف في
جهته صار مضافًا إلى الخراج من بيت المال، سواء خرج من حرزه أم لم يخرج؛ لأن ما
صار إلى عمال المسلمين أو خرج من أيديهم فحكم بيت المال جار عليه في دخله إليه
وخرجه».
وفرق الشارع بين حق الفقير وحق الجماعة، ولذلك
ينقسم بيت المال إلى بيت مال الزكاة وبيت مال المصالح، يقول أبو يوسف: «ولا ينبغي
أن تجمع مال الخراج إلى مال الصدقات والعشور؛ لأن الخراج فيء لجميع المسلمين،
والصدقات لمن سمى الله عز وجل في كتابه».
ومن هنا فقد شرع الإسلام لمشكلة الاقتصاد
المعاصر في تحديد الحد الفاصل بين دور الدولة ودور الرعاية، بالفصل بين الإنتاج
العام والحاجات الاجتماعية، فوضع الحد الفاصل بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة، أو
بمصطلح العصر بين الديمقراطية والاشتراكية، وسطًا بين آلية السوق التي تقدم
المصلحة الخاصة، والتخطيط المركزي الذي يقدم المصلحة العامة.
فالحاجات الاجتماعية تكلف الدولة بكفالتها لكل
محتاج عن طريق الزكاة التي يدفعها الأغنياء للفقراء، وبهذا لا تقع المالية
الإسلامية في مشاكل الدعم الذي لا يفرق بين غني وفقير، ولا في سلبيات التأمينات
التي لا ترعى إلا من يدفع اشتراك التأمين.
أما الإنتاج العام، وهو الدور التنموي الذي
تضطر الدولة لمباشرته عن طريق مواردها، فهذا يختص به بيت مال المصالح، ولا تقوم
الدولة به إلا إذا عجز القطاع الخاص، فوضع للقطاع العام قواعد تضبط وجوده ومداه.
ونظم الله تعالى موارد هذه المصارف على أساس
ثلاثة حقوق:
1. حق الفرد على ماله، يقول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا». فلا يحل تأميمه أو أخذه
بغير حق.
2. حق الله ويتفرع إلى فرعين:
o
حق
الفقير في مال الغني بمقتضى الزكاة.
o
حق طاعة
الله في اجتناب أكل المال بالباطل وفي ما زاد من حاجة الفقير على الزكاة، يقول
تعالى: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: 33).
3. حق الجماعة: إذا قرر أهل الحل والعقد مصلحة عامة
معتبرة لا تكفي موارد بيت مال المصالح لتحقيقها، وفي نسبة الله تعالى المال
للجماعة يقول تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ
اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء: 5).
ولقد وضع عمر رضي الله عنه دستور بيت المال في
قوله: «أيها الناس إنه لم يبلغ ذو حق من حقه أن يطاع في معصية الله، وإني لا أجد
هذا المال يصلحه إلا خلالٌ ثلاث: أن يؤخذ بالحق، ويعطى في الحق، ويمنع من الباطل،
وإنما أنا ومالكم كولي اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، ولست
أدع أحدًا يظلم أحدًا ولا يعتدي عليه حتى أضع خده على الأرض، وأضع قدمي على الخد
الآخر حتى يذعن للحق، ولكم علي أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها: لكم علي
ألا أجتبي شيئًا من خراجكم ولا مما أفاء الله عليكم إلا من وجهه، ولكم علي إذا وقع
في يدي أن لا يخرج مني إلا في حقه، ولكم علي أن أزيد أعطياتكم وأرزاقكم إن شاء
الله وأسد ثغوركم».
الزكاة
الزكاة معناها النماء، وهي فريضة واكبت
الرسالات، يقول تعالى عن أنبيائه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ
بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ
وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: 73).
قال النووي: «ويجب على الإمام أن يبعث السعاة
لأخذ الصدقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء كانوا يبعثون السعاة، ولأن في
الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه ومنهم من يبخل».
وتختلف الزكاة عن الضرائب العصرية في أنها
تؤخذ على رصيد الثروة، بينما الضرائب تؤخذ على تيار الدخل، واليوم أصبح في الفكر
المالي تفضيل للأخذ من الثروة لا من الدخل.
يقول عالم غربي: «الطريق الوحيد لسد الطريق
على الكساد هو فرض ضريبة على الثروات.. عندئذ يزول الخطر الذي يتهدد السلم
والاستقرار والبحبوحة في العالم»،
وضريبة الثروة غريبة، كما بين عالم غربي:
«تستعمل ضريبة القيمة الصافية في سبعة عشر قطرًا منها ألمانيا الغربية وسويسرا
والهند ودول أمريكا اللاتينية، وفي معظم هذه البلدان تخصم الديون، والبعض يسمح
بخصم الالتزامات التي لا تعلق بملكية الأصول الخاضعة للضريبة، ويعطى الأشخاص
إعفاءات، والمعدل إما أن يكون نسبيًا 1% وأقل أو تصاعديًا حتى 2.5%، وتسمى هذه
الضريبة بضريبة القيمة الصافية (net worth tax)، وهي ليست ضريبة الأملاك، فضريبة القيمة الصافية تتصل بقدرة
الممول، أما ضريبة الأملاك فتتصل بمقابل خدمات الدولة التي ترفع من قيمة الأصل،
وقد كان أغلب رؤوس الأموال في الماضي قطعان ماشية، وهي اليوم تؤخذ من صافي الأصول
في الميزانية، أي: الأصول المتداولة بعد استبعاد الخصوم أي: الديون».
وشروط وجوب الزكاة هي:
1. الإسلام، لأنها عبادة.
2. النماء، وذلك يتوفر بملكية المال، وحولان الحول
للأموال والحصاد للزرع، وتعفى الأصول الثابتة في الإنتاج كالأرض والعقار والمعدات
لعدم تحقق النماء.
3. الغنى، وهو لا يتحقق إذا كان المال مشغولًا
بالحوائج الأصلية، أو كان عليه التزام دين، أو لم يبلغ حد الاستكفاء وهو النصاب.
يقول ابن القيم: «وهديه صلى الله عليه وسلم في
الزكاة أكمل هدى، في وقتها وقدرها ونصابها ومن تجب عليه ومصرفها، راعى فيه مصلحة
أرباب الأموال ومصلحة المساكين، وجعلها سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه، وقيد
النص به على الأغنياء.. ثم إنه جعلها في أربعة أصناف من المال هي أكثر الأموال دورانًا
بين الخلق وحاجتهم إليها ضرورية.. ثم إنه أوجبها مرة كل عام -على الأموال- وجعل
حول الزروع والثمار عند كمال استوائها، وهذا أعدل ما يكون، إذ وجوبها كل شهر أو كل
جمعة يضر بأرباب الأموال، ووجوبها في العمر مرة مما يضر بالمساكين.. ثم إنه قارن
بين مقادير الواجب بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها وسهولة ذلك ومشقته، فأوجب
الخمس فيما صادفه الإنسان مجموعًا محصلًا من الأموال وهو الركاز، ولم يعتبر له حولًا..
وأوجب نصفه وهو العشر فيما كانت فيه مشقة.. وذلك في الثمار والزروع وأوجب نصف ذلك
فيما تولى العبد سقيه بالكلفة.. وأوجب نصف ذلك وهو ربع العشر فيما كان النماء فيه موقوفًا
على عمل متصل من رب المال بالضرب في الأرض تارة وبالإدارة تارة وبالتربص تارة.. ثم
لما كان لا يحتمل المواساة كل المال وإن قل، جعل للمال الذي لا تحتمله الزكاة نصبًا
مقدرة، المواساة فيها لا تجحف بأرباب الأموال».
الجزية
الجزية اسم مشتق من الجزاء، يدفعه المواطنون
من أهل الكتاب عن يد؛ أي عن غنى وقدرة، وهم صاغرون أي طائعون لنظام الدولة.
ولما كانت الزكاة هي مورد الرعاية الاجتماعية
للمسلمين، وهي عبادة، فمن سماحة الإسلام رعاية لقاعدة «لا إكراه في الدين» ألا
يلزمهم بعبادة، فكان تعبير الجزية، أي مقابل الرعاية الاجتماعية لمن هم في ذمة
المسلمين.
يقول أبو عبيد عن عمر بن عبدالعزيز: «بلغني أن
أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال: ما أنصفناك
إن كنا قد أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك! قال: ثم أجرى عليه من
بيت المال ما يصلحه».
والجزية هي نفس الزكاة نسبًا ونصابًا وشروطًا،
قال أبو عبيد: «فأما الذين قالوا من أهل العراق: لا يؤخذ من الذمي شيء حتى يبلغ
ماله مائتي درهم، فإنهم شبهوه بالصدقة، وذهبوا إلى أن عمر حين سمى ما يجب في أموال
الناس التي تدار للتجارات، إنما قال: يؤخذ من المسلمين كذا ومن أهل الذمة كذا، ومن
أهل الحرب كذا، ولم يوقت في أدنى مبلغ مال وقتًا، قالوا: ثم رأيناه قد ضم أموال
أهل الذمة إلى أموال المسلمين في حق واحد، فلهذا جعلنا وقت أموالهم على الزكاة، إذ
كان لأدنى الزكاة حد محدود، وهو المائتان، فأخذنا أهل الذمة بها، وألقينا ما دون
ذلك.
وسبب مصطلح أهل الذمة أن في ذمة المسلمين
الدفاع عنهم، ولما كانت الأمة المسلمة تدافع عن عقيدتها في الدرجة الأولى، وإلزام
غير المسلمين بهذا العمل من باب الإكراه في الدين، خصوصًا إذا كان العدو من نفس
دينهم، فقد أعفاهم الإسلام من ذلك إن أرادوا، وأبقى عليهم أنفسهم نظير أن يقدموا
من أموالهم مقابل الدفاع عن الوطن، وعيشهم في أمن من أي اعتداء، وهذه الضريبة لا
يترك تقديرها للحكام وإنما حددت بمضاعفة المفروض عليهم كالزكاة يقول ابن حزم: «وقد
صح عن عمر عن زياد بن حدير قال: أمرني عمر بن الخطاب أن آخذ من نصارى بني تغلب
العشر، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر».
ولقد رد الأمراء بأمر أبي عبيدة ما كانوا
أخذوه من الجزية من أهل حمص وما إليها حين جلوا عنها ليتجمعوا لقتال الروم وقالوا
لأهل البلاد: إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغ ما جمع لنا من الجموع وإنكم قد
اشترطتم علينا أن نحميكم، وإنا لا نقدر على ذلك الآن، وقد رددنا لكم ما أخذنا
منكم..
قال ابن تيمية: «وقد عرف النصارى كلهم أني لما
خاطبت التتار في إطلاق الأسرى، وأطلقهم غازان وقطلوشاه، وخاطبت مولاي فيهم فسمح
بإطلاق المسلمين قال لي: لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس، فهؤلاء لا يطلقون. قلت
له: بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، فإنا نفكهم ولا ندع أسيرًا
لا من الملة ولا من أهل الذمة، وأطلقنا من النصارى من شاء الله، فهذا عملنا
وإحساننا والجزاء على الله».
وذلك كله تنفيذًا لقول الله تعالى في معاملة
اليهود والنصارى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ
فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا
إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8).
المكس
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ
أَشْيَاءَهُمْ﴾ (الشعراء: 183).
قيل المراد بالبخس المكس، كأخذ العشور في
المعاملات، وهو أشد من الزنى، يقول الرسول عن الغامدية التي زنت فحدث «لقد تابت
توبة لو تابها صاحب المكس لغفر له».
يقول البهوتي: «ويحرم تعشير أموال المسلمين
والكلف التي ضربها الملوك على الناس بغير طريق شرعي إجماعًا، قال القاضي: لا يسوغ
فيها اجتهاد...». ويصرح ابن حزم بحرمة تعشير أموال الذمي، لأن الله لم يوجب عليه
إلا الجزية، وقد حموا أنفسهم وأموالهم بذلك.
يقول الذهبي: «المكاس من أكبر أعوان الظلمة،
بل هو من الظلمة أنفسهم، فإنه يأخذ ما لا يستحق، ويعطيه من لا يستحق».
ويقول المناوي: «فيه شبه من قاطع الطريق، وهو
شر من اللص، فإن عسف الناس وجدد عليهم ضرائب فهو أظلم وأغشم ممن أنصف في مكسه،
ورفق برعيته، وجابي المكس وكاتبه وآخذه من جندي وشيخ وصاحب زاوية، شركاء في الوزر،
آكلون للسحت».
وقد تسبب النظام الضرائبي المعاصر في عديد من
المشاكل، فالفساد الاجتماعي بالتزوير والرشوة وفقدان الوازع قد تسبب مثلًا في أن
الضريبة على الدخل تؤخذ على محدود الدخل أجورًا وإيجارًا من المنبع، بينما يستطيع
التاجر المليء أن يتهرب من الضريبة على الأرباح، والغش الضريبي بطبيعته صعب
القياس، ولقد قدرت مصلحة الدخل الداخلي بالولايات المتحدة أنه في سنة ١٩٨٦ ما بين
١٠٠ إلى ١٣٦ مليار دولار من الدخل الخاضع للضريبة لم يدرج في عوائد الأفراد الضريبية.
أما الضرائب غير المباشرة سواء كانت على السلع
أم كانت إصدارًا للبنكنوت، فإن عبئها يقع على محدود الدخل غالبًا.
وهكذا وصلنا إلى حالة تؤخذ فيها الضرائب من
الفقراء لتعطى إلى الأغنياء وكم سبّب تخفيض الضرائب عن الأغنياء في الثمانينيات
بأمريكا من مشاكل الكساد وسوء حالة الفقراء.
ويقول أساتذة اقتصاد في جامعة برنستون مطلقين
على تخفيض الضرائب عن الأغنياء: «هناك على الأقل مشكلة واحدة في جانب اقتصاديات
العرض ظهرت عند تخفيض الضرائب سنة ١٩٨١، فمن أجل توفير دوافع أقوى للنمو الاقتصادي
فإن الثغرة بين الرابحين والخاسرين لابد أن تتسع، لأن هذه الثغرات في النهاية هي
التي تعطي الدوافع للعمل الشاق وزيادة الادخار والاستثمار المنتج، ومع ذلك فإنه
يلاحظ أن تفاوت توزيع الدخل في مجتمعنا غير عادل، إنه تفاوت للأغنياء ليتنزهوا في
اليخوت والإنفاق الباذخ على الاحتفالات بينما يعيش الفقراء في الأكواخ ويعانون من
سوء التغذية. والناس الذين يهتمون بذلك يقلقهم حقيقة أن تخفيض الضرائب على
المنتجين يؤدي إلى سوء توزيع الدخل أكثر مما كان.
وما أعظم قول الحق تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا
أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ
لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188).
التوظيف
استخدمت كلمة التوظيف عند الجويني والغزالي
والشاطبي، ثم شاع استعمالها في الفقه الإسلامي، وهي تعني الضريبة المؤقتة لسد
نفقات ظروف استثنائية عجز بيت المال بموارده العادية عن سدادها، والأدلة عليه
كثيرة ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو
أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جعلوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم
بالسوية، فهم مني وأنا منهم».
يقول الرملي: «ودفع ضرر المعصوم من المسلمين
وأهل الذمة على القادرين، وهم من عندهم زيادة على كفاية سنة لهم ولمن يمونونهم،
ككسوة عارٍ.. ومما يندفع به ضرر المسلمين والذميين فك أسرهم.. وعمارة نحو سور
البلد وكفاية القائمين بحفظها، فمؤنة ذلك على بيت المال ثم على القادرين».
ويقول الشاطبي: «فللإمام إن كان عدلًا أن يوظف
على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال إلى أن يظهر مال ببيت المال».
فإن لم تكف موارد بيت المال من أملاكه ورسومه
وعشوره على التجارة الخارجية من الأجنبي... إلخ، كان له أن يوظف في أموال الأغنياء
بشروط:
- وجود
حاجة عامة ليس في بيت المال ما يمولها.
- أن
يكون الإمام عادلًا، ويبدأ بالأخذ من حاشيته وأعوانه.
- أن
يكون اعتبار هذه الحاجة العامة عن طريق أهل الشورى.
- أن
ينتهي التوظيف بانتهاء سداد الحاجة.
- أن
يؤخذ من القادرين بالعدل والسوية، وبنفس أسلوب الزكاة.
- ألا
يكون هناك إنفاق كمالي أو إسراف في الإنفاق.
والدولة العصرية تقوم عند حدوث عجز بسد الثغرة
بالإصدار النقدي، وكان عاقبة ذلك التضخم الذي يتحمله محدودو الدخل، يقول تقرير
البنك الدولي: «فالتضخم إذن كثيرًا ما يكون ظاهرة مالية سببته حكومات ليس لديها
مصدر بديل لتمويل العجز، فلجأت إلى خلق النقود بمعدل أعلى من معدل الطلب على
النقود، وعبثًا إذن أي أمل في السيطرة على التضخم دون تخفيض أوجه العجز الحكومي».
أو قد تلجأ الدولة إلى الاقتراض لسد العجز،
وهي بذلك تحمل الجيل المقبل قصور الجيل الحاضر، وقيام الحكومة بسحب الأموال التي
كان من الممكن أن تمول القطاع الخاص يؤدي إلى إزاحة القطاع الخاص ونمو المالية
الحكومية.
ولابد من الحذر في التوظيف لأنه على حد قول
الجويني: «فإن وقع نظره في الانكفاف عن الأموال، التزم مصير الإسلام إلى أسوأ
المصاير والأحوال، وإن استرسل في إطلاق الأيدي في الأموال من غير اقتصاد، انتصب
إلى إحداث مطالبات كلية لا أصل لها في القضايا الشرعية».
حين داهم التتار بلاد الإسلام وأراد السلطان
في مصر أن يقترض من التجار لقلة المال في بيت المال، فاستشار الشيخ عزالدين بن عبدالسلام
فقال: «إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام،
وضربته سكة ونقدًا وفرقته في الجيش ولم تقم بكفايتهم، ذلك الوقت اطلب القرض، أما
قبل ذلك فلا».
المصارف
مصطلح يطلق على الفئات المستحقة للزكاة والتي
نص عليها الحق تبارك وتعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ
وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي
الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِۖ فَرِيضَةً
مِّنَ اللَّهِۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 60)
إن إحساس الإنسان بالجوع يمثل كابوسًا في
حياته، وكان ذلك وراء ذل الإنسان واستعباد الأمم، والإسلام يوجب تحرير الناس من
الجوع فرضًا يكلف به الحاكم وتلتزم به الأمة، ويأخذ المحتاج كفايته حقًا معلومًا
لا يقيد باشتراك، يقاتل على منعه ويعاقب المتهرب، وقد قام أبو بكر بأول حرب في
التاريخ رعاية لحق الفقير بقتال مانعي الزكاة.
ومعلوم أن للزكاة ميزانية مستقلة لضمان توزيع
الزكاة لمصارفها، وقاعدة التخصيص هذه تضمن وصول النفقة إلى مستحقيها وعدم إساءة
استخدامها، يقول في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا قاسم أضع حيث أمرت».
أيضًا الزكاة توزع في محلها أولًا، فأهل كل
بلد أحق بصدقته، وقد حملت زكاة من الري إلى الكوفة، فردها عمر بن عبدالعزيز إلى
الري، وهذا ضمان آخر لحسن استخدامها ونمو المحليات والتخلص من مشاكل ازدحام المدن
الناتج عن مركزية الإيراد والإنفاق.
وإذا قمنا بتقسيم وظيفي للزكاة نجد أنها تنقسم
إلى:
- نفقات
اجتماعية: فسهم الفقراء والمساكين يعطي إعانة تحويلية للعاجزين عن العمل
وبقدر ما يسند ضروراتهم وحاجاتهم وتحصل به كفايتهم، وابن السبيل وهو الغريب
الذي خرج في غير معصية فاحتاج، وهو يشمل عمل ملاجئ الأيتام والعجزة واللقطاء،
يقول النووي: «ويعطى ابن السبيل من النفقة والكسوة ما يكفيه إلى مقصده أو
موضع ماله إن كان له مال في طريقه هذا، وإن لم يكن معه مال لا يكفيه أعطي ما
يتم به كفايته».
ويعطى من تحمل حمالة أي مالًا لدفع فتنة في
مجتمعه أو إصلاح ذات البين.
- نفقات
اقتصادية: وهي سهم إعانة الغارمين بسداد ديونهم، ومد القادرين على العمل
بأداة الحرفة، «فالمكاتب والغارم، يعطيان قدر دينهما، فإن قدرا على بعض أعطيا
الباقي، والفقير والمسكين يعطيان ما تزول به حاجتهما، وتحصل كفايتهما، ويختلف
ذلك باختلاف الناس والنواحي، فالمحترف الذي لا يجد آلة حرفته يعطى ما يشتريها
به قلت قيمتها أو كثرت، والتاجر يعطى رأس مال ليشتري ما يحسن التجارة فيه،
ويكون قدر ما يفي ربحه بكفايته غالبًا».
- نفقات
سياسية: وهي تحرير الرقاب من العبودية سواء كان ذلك بإعتاق الرقيق أو مساعدة
الشعوب المستعبدة، والمؤلفة قلوبهم متى دعت الحاجة إلى إعطائهم لدفع شرهم عن
المسلمين، وفي سبيل الله بتجهيز المتطوعين للدفاع عن الإسلام وعن المستضعفين.
- نفقات
إدارية: وهي رواتب العاملين عليها، وإيجارات مباني بيت المال ووسائل النقل
وصيانتها.
ويرى جمهور الفقهاء أنه لا يلزم استيعاب كل
مصارف الزكاة، بل في أيهما وضعت أجزأ، ويلزم الإمام النظر في أيهما أهم اجتماعيًا،
قال أحمد: «الأصناف الأربعة الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم، وإنما يأخذون ملكًا،
فكان دخول اللام لائقًا بهم، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون ما يصرف نحوهم».
ولا تعطى الزكاة لفتى عنده كفايته ولا لقوي
تتوفر له فرصة العمل، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني ولا
لذي مرة سوي»، ولا تعطى لقريب يلزم غنيًا نفقته، حيث يجعل الرسول صلى الله عليه
وسلم القرابة محضنًا للتكافل ميراثًا ونفقة فيقول: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير
من أن تذرهم عالة يتكففون الناس».
المصالح
دور الدولة في السياسة الاقتصادية مبني على
قاعدة: «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة»، والمصلحة تكون معتبرة إذا نص
عليها الشارع، والنص هو مصدر الحكم ودليله لا المصلحة، يقول الشاطبي: «فإن
المشروعات وضعت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فإذا خولفت لم يكن في تلك الأفعال
مصلحة ولا درء مفسدة»، وإذا تعارضت المصلحة مع النص عدت ملغاة لا يمكن بناء
التشريع بناء عليها، والمصلحة التي لم يرد باعتبارها ولا بإلغائها نص، فهي المصلحة
المرسلة كما عرفها الأصوليون؛ لأنها دلت عليها النصوص بمقاصدها ومعانيها وليست
بعبارتها ومبانيها، وليس للإمام في شيء من مجازي الأحكام أن يتهجم ويتحكم، فعل من
يشتهي ويتمنى، ولكن يبني أموره كلها، دقها وجلها، عقدها وحلها، على وجه الرأي
الصواب في كل باب»، «وكذلك تخييره في تفرقة أموال بيت المال، معناه أنه يجب عليه
أن ينظر في مصالح الصرف، ويجب عليه تقديم أهمها فأهمها، ويحرم عليه العدول عن
ذلك.. بل بحسب المصلحة الراجحة والخالصة».
وتوظيف الخراج فيه دفع ضرر الفتن الداخلية
والهجوم الخارجي بفوات جزء من المال، فيجوز قياسًا على ما لو وطئ الكفار أرض
الإسلام ووجبت النصرة وتعريض النفس للهلاك والمال للضياع.
والجامع في كل من الأصل والفرع دفع ضرر أشد
بارتكاب ضرر أخف، والحكم هو جواز هذا الدفع للضرر الأشد بارتكاب الضرر الأخف، وهو
أصل عرف من مقاصد الشارع باستقراء النصوص ومعرفة تصرفاته في الأحكام.
وفي المالية الوضعية يتخذ قرار النفقة من
قاعدة النفع العام، وتحكمه نظرية سلوك المستهلك، ويساهم الأفراد بتفضيلاتهم عن
طريق التصويت واستخدام قاعدة الأغلبية لتحديد التفضيل الوسط بالنسبة للمجموع (Medium
Voter) للاختيار المالي..
ولكن في ظل هذا النظام تتسلط جماعات الضغط
لتوجه القرار لصالحها كما يحدث في أمريكا بالنسبة لكبار الملاك الزراعيين
والماليين، فمثلًا مع تعاظم اهتمام الكونجرس بالأمن نتيجة أحداث لبنان والكاريبي
والمتعلق بعجز الموازنة، تتوارى قوانين بدعم مالي غير مرئي نسبيًا، تمررها أيد
خبيثة بسرعة لا تراها العين، وتسمع الهمسات والضحكات المكبوتة وترى الارتباك واضحًا
على المسؤولين، وعلى حد قول أحد الديمقراطيين: «إن الجمهوريين لن يدعوك تأكل ما لم
يحصلوا على قضمة».
وليست قاعدة المصلحة كنظرية المنفعة العامة
ترفض إدخال القيم في التحليل، وإنما تخضع لضوابط تضمن ألا تخرج عن هدفها، منها:
- من
ناحية المصدر أن تكون المصلحة معتبرة أو مرسلة لا ملغاة أو غريبة.
- من
ناحية الأولويات تقدم الضروريات ثم الحاجيات على التحسينات.
- من
ناحية الشمول، أن تكون مصلحة عامة وليست خاصة بأحد.
- من
ناحية اليقين أن تكون قطعية أو غالبة الظن لا وهمية.
- دفع
أشد الضررين كالتوظيف في أموال الأغنياء عند حاجة الفقراء.
- الشورى
الواعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذه الضمانات تجعل دور الدولة رشيدًا في
تخصيص الموارد وعادلًا في توزيع الأعباء وفعالًا في تحقيق الاستقرار، وبهذا يتحدد
الخط الفاصل بين دور القطاع الخاص والقطاع العام الذي عجز عن تحديده الاقتصاد
المعاصر.
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل