; مفارقات | مجلة المجتمع

العنوان مفارقات

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 05-سبتمبر-2009

مشاهدات 101

نشر في العدد 1868

نشر في الصفحة 46

السبت 05-سبتمبر-2009

(*)أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية والدعوية

دنيانا مليئة بالمفارقات التي نعجب منها حينا، ونرقب بعضها أحيانا !! معهم

هذا رجل كل مبتغاه ميزان الأنبياء، يزن به كل أمور حياته فيشعر بالطمأنينة والسكينة ﴿لَقَد أَرسَلنَا رُسُلَنَا بِٱلبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلنَا مَعَهُمُ ٱلكِتَٰبَ وَٱلمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلقِسطِ ﴾ (الحديد: ٢٥)، فنجده من عمار المساجد، وقد اختار صحبة يحسبها صالحة لتعينه على طاعة المولى، كذلك الزوجة تقيم الصلاة، وتصوم النوافل وتحنو على أولاده منها بالقرآن تعليما وتهذيبًا. 

وإذ يغمرنا العجب من ولدهم البالغ، فهو لا يلتزم بما التزم به والداه، بل ويسبب لهما الأرق، والهم والغم وهما متمسكان به ويلك كن معنا على طريقنا، أما هو فكل ما يهمه الفكاك.

اقتربنا من مثل هذه الحالات نحاول أن نحللها ونجد لها أسبابا فاستمعنا إلى حوار حي بين والدين ابتليا بهذا الابتلاء، بدأت الزوجة تشكو - بتأثر شديد - نفور الولد من أبيه، وهو يؤكد هذا المعنى بسرد بعض التفاصيل، فالفتى يرفض أن يذهب معه إلى المسجد، يرفض الصحبة الصالحة التي اختارها له يرفض الجلوس معه في مكان أو الخروج معه، منطو على نفسه، قد أصبح له الكثير من الأسرار التي يرفض أن يطلع عليها أحد سواه، تدخلت الزوجة قائلة:

إنك قاس عليه، وتعامله باستهانة، وتحقر من أفكاره، وتستهزأ به أمامنا، وتعاقبه على التوافه بعظيم العقاب.

ولم تكمل، فقد تزلزلت بقنبلته القولية أنت السبب في كل ما حدث.. وتوقف الزمن ليسجل هذه اللحظة لعلها تثبت في الذاكرة فنستمد منها العبرة.

استطرد الرجل: الزوج يعود من عمله مشدود الأعصاب خائر القوى، يشعر بالجوع ويمني نفسه بالدفء الأسري والمودة والرحمة الزوجية، ويفيق من أحلامه بمجرد ولوجه لباب منزله، على زوجة غاضبة ثائرة تشكو من ولدها الذي لم يذاكر على الإطلاق، فهو طوال الوقت أسير لـ اللاب توب، ولم ينزل المسجد على الإطلاق، بل ويتشاجر مع إخوته لأتفه الأسباب، وعند معاتبته ينظر إليها شزرًا ويرتفع صوته عليها، ويأخذ يشير لها بكلتا يديه، ليس ذلك فقط، بل تضيف قائلة : لابد لك من تربية ولدك حتى لا تمتد يده إلى أمه في المرة القادمة. طبعًا ثار الأب ثورة عارمة وصب جام غضبه وتعبه وجوعه على ولده، حتى قبل أن يسأله، يمتص الولد الصدمة وتنعكس عنادا مع أبيه وكأنه خصمه، فيكره بشكل لا إرادي كل ما يحب والده حتى عبادته وتقواه، ويبدأ يبحث عن مخرج، ولا يتأخر المخرج كثيرًا، فالصحبة من أصدقائه ومن هم على شاكلته وأكثر كانت تنتظره على أحر من الجمر؛ ليشكلوا معا رعد البيوت وبرقها الذي يصيب كل أفراد الأسر في الصميم، أفلم تكوني أنت المتسببة في كل ذلك؟ هكذا قال الرجل، ونظرنا بسرعة لنتلقى إجابتها. 

فالحوار ارتفع إلى فوهة بركان الدهشة هل تريد مني أن أخفي عليك ما يحدث في المنزل في غيابك؟ وأنا من أتحمل العبء كله من تربية ونظافة للمنزل، وإحضار متطلبات الأولاد لتدريسهم، وهل تحملني كل شيء حتى عقوق الولد ؟ قالت ذلك وأجهشت بالبكاء. 

هنا تدخل طرف ثالث في الحديث بقوله: إن ولدك في فترة المراهقة، وهي من أصعب فترات عمره، ففي رأيك أنت من أحق أن يصادقه أمه أم أنت؟ وعلى من تقع مسؤولية رعايته على أمه أم عليك أنت؟ فباعترافك أنت، كان طوال فترة طفولته وهو في كنف رعاية قصوى من أمه، حتى أن أجزاء القرآن التي يحفظها ولدك من مجهودها وثمرة تعبها، قال الزوج: لا أنكر ذلك على الإطلاق، ولكن في هذه الفترة الحرجة التي يمر بها الولد لابد وأن أتعاون أنا وأمه على إصلاحه وليس كسره، فما الفائدة في أن تحرضني على عقابه فيكرهني وينزوي عني؟ ولماذا لا تنتظر حتى تطفئ جوعي وتتركني لأستريح قليلا ثم تتحاور معي بأسلوب هادئ بسيط لنفكر معا ونتعاون ونخطط وننفذ سويًا الطريقة التي فيها إصلاح ولدنا، وليس تحطيمه وإمكانية ضياعه كما يحدث الآن. 

صمت الجميع حتى استمعوا إلى صفير الهواء يريد أن يشارك ويشغل حيز الصمت أطرق الطرف الثاني، ثم خرجت من فمه كلمات خافتة استمعا إليها بصعوبة يا ليت كل والدين مرّا بمثل هذه المشكلة، قد استمعا إلى هذا الحوار قبل أن تحل بهما هذه المشكلة، بل إنني أتمنى أن تستمع كل نساء الدنيا ورجالها

لصرخة هذا الأب المغلف بالحيرة والندم.

قصة ابن عاق لوالديه الصالحين .. وتربيته الخاطئة

لا يجب أن يستسلم المريض للموت ويتوقف عن الأخذ بالأسباب ولكن يستمر في العطاء حتى آخر لحظة في حياته

 «نريد أن نصلح ولا نكسر»، عبارة جميلة ليت القلوب تستوعبها كالأسماع.

فيما بعد، اختلت الداعية عبر هاتفها مع واحدة من الأمهات اللاتي يلاقين العنت ويكسوهن الحزن بسبب أبنائهن، وطالما سمعتها وهي تعلن على الملأ غضبها على ولدها؛ حيث رددت لها نفس العبارة بعد سؤالها عن أحوالها فتكررت نفس شكواها سيدتي نريد أن نصلح ولا نريد أن نكسر، فكي أسر ولدك برضاك عنه، فإن غضبك عليه قد جعله أسيرًا للشيطان، ارضي عنه وأكثري من الدعاء له، لعل الله ينجيه بك، فمن أهم أسباب انزلاق الأولاد ودخولهم دوامة ضبابية من رفض الوالدين هو إحساسهم بغضب الوالد أو الوالدة أو كليهما عليهم، هنا يخاطبهم الشيطان: انتهى كل شيء، وضاع كل شيء، فافعل كل شيء، فيدخل كهف الظلمة الذي لا يدخله بصيص من النور، والوالدان لا يستطيعان مغادرة باب الكهف المأسور بداخله ولدهما، يعتصرهما الألم، وتطبق على صدورهما قبضة الحزن الحديدية.

والشباب في كهفه تتقاذفه الشياطين كان الله في عون الثلاثة، فهو الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ونسأله سبحانه أن يجعل هذه القلوب تتقارب برحمته.

من المفارقات التي أخذنا نرقبها واحدة عن رجل حافظ لكتاب الله، كان في تخطيطه أن يدرس القراءات العشر بعد ذلك، هكذا الإنسان، ولكن عجلة الحياة تسير بنظام ثابت لا ترقب لبشر أي تخطيط، فقد شعر الرجل ببعض التعب الذي استولى على كل جسده كالنار في الهشيم، وكانت المفاجأة، مرض عضال خطير.

بدأ الرجل يستعد للقاء المولى، وكانت زوجته قد أنجبت له طفلة وحيدة لم تنجب غيرها، وانشغلوا عن البحث عن السبب في عدم الإنجاب بهذا البلاء الذي نزل على الجميع كالصاعقة.

كان تفكير الرجل منحصرًا في لقاء ملك الموت كيف سيكون؟ وما هيئته؟ وكيف سيكون؟ طعم الموت؟ أسئلة كثيرة كان دومًا يطرحها على نفسه حتى أن بعض آيات القرآن المحفوظة بدأت تتفلت من ذاكرته وفي يوم مبارك أراد فيه سبحانه الخير لأهل القرآن أوصل الخالق إلى مسامع من كان يحفظ آياته حديثا لرسول الله يتحدث فيه عن يوم نهاية الأرض برمتها وليس نهاية بشر من مليارات البشر ويسدي النصيحة لمن يشهد هذا اليوم وفي يده فسيلة أن يزرعها تعجب كثيرا مما سمع فبماذا سيفيد زرع الفسيل والأرض كلها ستزول؟! فتيقن أن الله رحيم بعباده ويريد لهم أن يواصلوا العمل ليتواصل لهم الأجر، ولينشغل كل بما خلق له لآخر لحظات عمره أو لآخر لحظات عمر الأرض.

عرج الرجل في طريقه على مسجد يعلم أنه يُعلم القراءات العشر، وسجل اسمه وهو يريد أن يضع هذا الفسيل، بل إنه كان يخرج من المستشفى على المسجد، ويخرج من عمله على المسجد قبل عروجه على منزله وانشغل بتعلم القراءات مع مراجعة كاملة لتثبيت الآيات التي تطايرت منه، وشعر بسعادة غامرة وهو يمسك الآية تلو الآية لتحتضنها ذاكرته، ومرت الأيام والشهور وهو في سباق مع عمره حتى تنتهي دراسته في أقصر الأوقات، ويتدخل من كتب على نفسه الرحمة - سبحانه وتعالى - بتسخير من يعينه على السفر للخارج لإجراء جراحة عاجلة له نسبة النجاح فيها ليست بالنسبة المرتفعة. 

يسافر أخونا بعد أن أنهى دراسة القراءات العشر واسترجع القرآن الكريم بأكمله، ليتقابل مع نجاح العملية، ويرجع متهللة أساريره، مبتهجة نفسه، ولسانه يلهج بحمد الله وشكره وقد رزق الله هذا الرجل بطفل مع ابنته بل راجت أمواله وزادت أملاكه انشغل بما في قدرته كبشر، فأثابه الله القادر القوي الذي تتجلى من أنوار أسمائه الرحمة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2122

214

الأربعاء 01-أغسطس-2018

زوجتي جميلة ولكن..!

نشر في العدد 2182

126

الثلاثاء 01-أغسطس-2023

ذكرياتنا الجميلة!