; مـتـی شــارون؟ | مجلة المجتمع

العنوان مـتـی شــارون؟

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2001

مشاهدات 75

نشر في العدد 1458

نشر في الصفحة 20

السبت 07-يوليو-2001

الاستبداد الدولي والخلل في العدالة

رغم كل ما يقال يبقى أن الخلل الأكبر في «الحس» بالعدالة الدولية وتطبيقاتها 

المفروض عندما لا يكون خلل في التعامل الدولي مع قضية من القضايا أن يكون التشابه بين قضيتين مدعاة لتعامل مماثل معهما، ولكن لم يعد خافيًا على أحد مدى الازدواجية في المقاييس والمعايير وتطبيقها من جانب القوى الدولية الرئيسة والمهيمنة في المرحلة الراهنة من تاريخ البشرية المعاصر، لا سيما في التعامل مع القضايا ذات العلاقة بالمسلمين وبين أيدينا ذلك الفارق المشهود في التعامل الآن مع ميلوسوفيتش وشارون، مجرمي الحرب العريقين، كما نرى عبر ملاحقة الأول المشددة على ما ارتكبه خلال «عقد» واحد من الزمن، وعدم ملاحقة الآخر على ما ارتكبه خلال «خمسة عقود» متواصلة.. فما الذي يكمن وراء هذا الاختلاف؟.. وما الأرضية التي تقف عليها تلك الازدواجية المتناقضة مع الأخلاق والقيم والمثل ومع ثوابت المواثيق الدولية؟..

من الأسئلة التي تتبادر للذهن تلقائيًّا نتيجة خبرات تاريخية معروفة، هل للأمر علاقة بالتعامل مع المسلمين وقضاياهم؟.. بعض المتغربين والمتأمركين أكثر من الغرب نفسه، ومن الولايات المتحدة الأمريكية، كان كثيرًا ما يشير إلى تعامل الغرب مع ميلوسوفيتش كشاهد في نظرهم على أن المسألة لا علاقة لها بالمسلمين وقضاياهم، مع أن سائر ما شهدته منطقة البلقان منذ أكثر من قرن كامل من مذابح ومن مؤامرات، كان من صنع السياسات الغربية على تقلب عناوينها من فاشية أو ديمقراطية ومن رأسمالية أو شيوعية.. ثم إن ما يصنع الغرب الآن في البلقان، عبر حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي قد يكون أخطر بنتائجه القريبة والبعيدة على الوجود الإسلامي التاريخي والحالي في المنطقة، مما شرعت مذابح ميلوسوفيتش وأقرانه في صنعه بوحشية همجية أدت إلى «ردة فعل» واسعة النطاق على مستوى الرأي العام العالمي، كما ساهمت في مضاعفة الصحوة الإسلامية في البلقان والغرب نفسه عمومًا.

والواقع أن النسبة الأعظم من ضحايا إجرام الحرب والإجرام ضد الإنسانية من جانب ميلوسوفيتش ومن جانب شارون كانت من المسلمين، وعلمتنا الخبرة مع تاريخ الساسة «الواقعيين» المحدثين في الشمال، أنهم إنما يتحركون عادة بسبب فرد أو أكثر من البشر يتعرض للخطر، ولكنه ينتمي إلى النوعية البشرية الأخرى، فيكون من العالم المتقدم، وقد يتحركون فيما عدا ذلك برداء سياسي أو عسكري، أو برداء يحمل شعارات حقوق الإنسان وحرياته وشعارات العدالة المطلوبة عبر «محاكمات المجرمين» ويكون تحركهم على الدوام -إلا في حالات نادرة شاذة- بدافع المصالح كما يسمونها ويتحدثون عنها، وليس في هذا القول «اتهام» فهم يقولونه عن أنفسهم علنًا ويعتبرونه أمرًا طبيعيًّا، بينما يجعلنا الحس الإسلامي نستشعر فيه معنى الاتهام، ما دام المسلم يربأ بالإنسان أن يضع «المادة» ومصالحها فوق إنسانيته!...

على أية حال لا بد إذن من البحث عن أسباب أخرى لا علاقة لها بالانتماء الديني للضحايا فقط من وراء ذلك الفارق الملحوظ في التعامل الدولي مع ميلوسوفيتش وشارون.. ولا يكفي مجرد الحديث عن تعرضهما الآن للمحاكمة للتمويه على ذلك الفارق، بل من الأرجح أن التوافق الزمني فقط كان من وراء إعلان مكتب النيابة العامة في بروكسل الموافقة على الطلب المقدم إليها وشروع قاضي التحقيق في النظر في قضية ارتكاب شارون لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مذبحة صبرا وشاتيلا عام ١٩٨٢م، وذلك بعد يومين فقط من الإعلان عن تسليم ميلوسوفيتش للمحكمة الدولية في لاهاي المخصصة لجرائم الحرب في البلقان- وبين هذا وذاك شبه شديد على صعيد افتقاد حد أدنى من المعالم الإنسانية الأساسية التي يعرفها البشر العاديون في ميدان المشاعر والعواطف والأحاسيس ومعايير القيم ويشهد على ذلك مستوى إجرامهما الوحشي كالذي ارتكبه شارون في فلسطين منذ مذبحة قبية عام ١٩٥٣م، ثم ما كان من إجرام بقتل الأسرى المصريين ثم قتل المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين وكان أحط دركاته في صبرا وشاتيلا، وحتى استئناف طريق المذابح الإجرامية الآن في فلسطين على حواجز حصار التجويع وقتل المرضى بالحيلولة دونهم ودون الدواء والعلاج على السواء، وهذا رغم أنه لم يعد يمكن التعتيم على المذابح ومشاهد الإجرام فيها، أو تأخير نقل أنبائها إلى أعين المسؤولين في كل مكان، وإلى الرأي العام العالمي الذي أصبح قادرًا من خلال ما تحقق من تقدم تقني في نصف قرن مضى أن يتابع الأحداث على الفور، ويعايشها مباشرة بألف وسيلة ووسيلة.. وشبيه بذلك إجرام ميلوسوفيتش، في سراييفو وجوجوراجدي وتوزلا وأخواتها، وما لا يزال يكتشف المزيد منه يومًا بعد يوم، عبر الكشف عن ضحايا كوسوفا في المقابر الجماعية، بما في ذلك أولئك الذين نُقلت جثتهم إلى أرض صربيا للتمويه على الجريمة..

عند هذا الحد.. تتوقف العناصر المشتركة بين هذا وذاك، ولا نقصد فقط أن شارون انتخبته الغالبية الكبرى من اليهود الغاصبين ليكون في الموضع الذي هو فيه الآن، وهم يعرفون عنه سائر ما ارتكبه ويريد ارتكابه من إجرام، كما أنه يجد الدعم والعون على ذلك من معظم الأحزاب والطوائف السياسية والدينية في الكيان الغاصب وفق ما يعبر عن ذلك الائتلاف الحكومي القائم، بينما تخلى الصرب بعد دعم طويل عن ميلوسوفيتش فكان سقوطه نتيجة تمرد شعبي واسع واقعيًّا، كما كان تسليمه لمحكمة لاهاي من جانب بعض القوى الحزبية والسياسية في بلده.

الحس بالعدالة الدولية

بل نقصد في الدرجة الأولى ذلك الخلل الأكبر في «الحس» بالعدالة الدولية وتطبيقها، والذي يتجلى في اعتبار ميلوسوفيتش منبوذًا ملاحقًا، وممارسة الضغوط المالية وغير المالية لتسليمه، واعتبار شارون إنسانًا عاديًّا في الأوساط السياسية الغربية، يجب التعامل معه، ولا تكتفي واشنطن بالذات باستقباله دون غريمه عرفات، بل تعتبره مثلًا هو «الحكم» في مسألة تحديد متى يبدأ «وقف إطلاق النار» فعلًا، أي متى يطمئن هو إلى وأد الانتفاضة فيتعامل مع من يساهم في ذلك.. ويصل هذا الخلل إلى مداه، عند تعمد «استعراض» وجوده دوليًّا على الملأ، فهذا ما يعنيه الحديث المتواصل في الأسابيع الماضية عن ربط دعم بلجراد ماليًّا بتسليم رئيسها السابق وبالمقابل.. في الوقت نفسه- ودون فاصل ما بين خبر وخبر في وسائل الإعلام وعلىأالسنة المسؤولين - يأتي استقبال رئيس الوزراء البريطاني بلير لشارون وهو في طريقه إلى واشنطن، في أعقاب البرنامج الوثائقي الدامغ الذي نشرته محطة بي بي سي البريطانية حول مسؤولية شارون عن مذبحة صبرا وشاتيلا دون جدال وبعد شيوع نبأ التقدم بشكوى ضده أمام القضاء البلجيكي.

حتى بلجيكا وهي مقر الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي اللذين لم تنقطع ضغوطهما بصدد تسليم ميلوسوفيتش، وحيث استفاد بعض ضحايا مذبحة صبرا وشاتيلا وذويهم من قانون سبق تشريعه لأغراض أخرى في عام ۱۹۹۳م.. بدأ يدور الحديث في أوساطها السياسية والحزبية عن إمكانية تغيير القانون أو إلغائه قبل أن تصل ملاحقة جرائم شارون إلى مرحلة متقدمة.. وإن كان بالمقابل من غير المستبعد أن تتحول هذه الورقة لدى الساسة الغربيين إلى ورقة الضغط على شارون ليستقيل من منصبه، عندما ينتهي الدور القمعي الدموي المطلوب منه وليفسح المجال للدور التالي من جانب ساسة يهود آخرين من «الحمائم» كما يوصفون، والذين يصنعون واقعيًّا ما يصنعه شارون وأمثاله من الناحية السياسية والواقعية، ولكن مع قدرة أكبر على التمويه وراء بسمة ود مزعوم وسلام موهوم.

المسألة ليست مسألة «مصالح» فقط إذا نظرنا إلى هذا العنوان نظرة ضيقة؛ فحصرنا المصالح في علاقات نفطية وتجارية واقتصادية، إنما هي في الأرضية التي تريد القوى الدولية صناعتها، ومضت على طريق صناعتها لضمان سيطرتها المطلقة على تلك المصالح على المدى البعيد لا المدى القريب فقط، بما في ذلك ضمان امتلاكها للهيمنة الأمنية كما يصفون احتكار القوة العسكرية من جهة وحظرها من جهة أخرى عن القوى التي لا يتم تطويعها للزعامة الأمريكية الراهنة، أو ما يرجح في المستقبل المنظور من زعامات دولية متعددة الأقطاب، متوافقة المصالح رغم تنافسها.

الإجرام هو عينه الإجرام

وعندما نذكر ما تعنيه ملاحقة ميلوسوفيتش مقابل ترك أمثال كارادزيتش وميلاديتش وأقرانهما، يسرحون ويمرحون تحت أنظار القوات الأطلسية مباشرة داخل أرض البوسنة والهرسك، حيث ارتكبوا ما ارتكبوه من جرائم.. يظهر للعيان أولًا أنه لا مجال لربط ملاحقة ميلوسوفيتش بالدوافع الإنسانية فقط؛ فالإجرام هو عينه الإجرام والضحايا هم أنفسهم، واليد الأطلسية الغربية تصل هنا مباشرة إلى مثل ما وصلت إليه في بلجراد عبر الضغوط.. كذلك فعندما نذكر أن واشنطن تزعمت الضغوط لتسليم ميلوسوفيتش الآن، وكانت قد تزعمت الضغوط على المسلمين البوشناق، وأغرت الكروات الكاثوليك بما أغرتهم بها، وتحركت عسكريًّا مع حلفائها الأوروبيين، وجميع ذلك قبل أعوام معدودة، بما تضمن رفع ميلوسوفيتش من قائمة مجرمي الحرب ووضعه على قائمة شركاء مجرمي السلام، حتى وصلت إلى اتفاقية دايتون، التي تعتبر إلى اليوم من أشد وسائل تقييد المسلمين عن أن يكون لهم كيان حقيقي مستقل وفعال في البلقان على الأرض الأوروبية، عندما نذكر ذلك وننظر عبره على واقعة ملاحقة ميلوسوفيتش الآن يتبين مدى ما ترمز إليه من إصرار حلف شمال الأطلسي وزعامته الأمريكية على إعطاء نموذج رادع حول ما يمكن أن يتعرض له أي سياسي يقف حجر عثرة في وجه توسع الأطلسي ومن هيمنته العسكرية وبالتالي السياسية والاقتصادية شرقا، وهذا بغض النظر هل هو من مرتكبي الجرائم الحربية أم لا، وواضح أنه عندما يكون ذلك السياسي من طراز ميلوسوفيتش، فهو يسهل المهمة على الغرب عمومًا والولايات المتحدة الأمريكية تخصيصًا.

وبالمقابل يأتي تكريم شارون وعدم ملاحقته رغم إجرامه الأكبر في الماضي، والمستمر في الوقت الحاضر إنما يعود إلى أنه يمثل حلقة من المخطط الأمريكي في المنطقة، سواء أكان مخططًا قائمًا بذاته وتدعم الصهيونية الأمريكية تنفيذه، أم كان مخططًا صهيونيًّا وتدعم النظرة المصلحية الأمريكية تنفيذه فكلا الجانبين يتكاملان بوجهيهما الصهيوني والأمريكي، ولا داعي للتفصيل.

الهيمنة الاحتكارية

إن ما نفتقده على المستوى الدولي لا يتمثل في محاكمات أو مزيد من المحاكمات لمجرمي الحرب والمجرمين في حق الإنسانية، إنما نفتقد في الدرجة الأولى نظامًا دوليًّا يتخلص من خلل الهيمنة الاحتكارية، أمريكية كانت أم غربية أم سوى ذلك، وتكون له مرجعيته التشريعية المستقلة فعلًا، التي تلتزم بنصوص المواثيق الدولية دون تزييف وتتوفر ضمانات الاستقلالية والنزاهة في تشكيلها وحلها وفي لوائحها التنظيمية وتكون قراراتها نافذة المفعول دون اعتراضات باطلة قائمة على مفهوم تسويد القوة في «شرعة الغاب» من قبيل ما يسمى «حق الفيتو» كيف يصبح مثل ذلك الجهاز الدولي في إطار شبكة العلاقات الدولية، بمثابة «محكمة دستورية عليا»، كما هي معروفة في الأنظمة الديمقراطية على الغرار الغربي، وكما تكون كلمتها في الدولة حاسمة تجاه الأجهزة التنفيذية والتشريعية الأخرى والقضائية الأدنى مستوى، ينبغي أن يكون لمثل ذلك الجهاز الدولي- المحظور وجوده منذ الحرب العالمية الثانية قصدًا .. لا اعتباطًا - كلمته الحاسمة التي تقرر مشروعية ما يصدر من قرارات عن مجلس الأمن وسواه، ويكون هو المسؤول عن ملاحقة الإجرام في حق البشرية، بمختلف أشكاله وبغض النظر عمن يرتكبه وبغض النظر أيضًا عن المصالح الباطلة التي تدفع إلى ملاحقته حينًا، أو تمنع من ذلك حينًا آخر.

إن الخلل القائم في تطبيق العدالة الدولية لن يزول إلا بزوال الخلل الراهن القائم في واقع النظام السياسي العالمي، وهذا في مقدمة ما يجب تثبيته من وراء كل ترحيب بمحاكمة مجرمي الحرب جميعًا، بمن فيهم شارون وميلوسوفيتش وأمثالهما من المجرمين المعاصرين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1600

464

السبت 08-مايو-2004

عندما نرجع إلى الله

نشر في العدد 586

94

الثلاثاء 07-سبتمبر-1982

مطالعات في الأخبار

نشر في العدد 587

82

الثلاثاء 14-سبتمبر-1982

المجتمع الدولي- العدد 587