; مغزى العيد اقتصاديًا | مجلة المجتمع

العنوان مغزى العيد اقتصاديًا

الكاتب زيد محمد الروماني

تاريخ النشر السبت 04-سبتمبر-2010

مشاهدات 59

نشر في العدد 1918

نشر في الصفحة 58

السبت 04-سبتمبر-2010

إن مغزى العيد نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا كبير وعظيم، بما يضيفه على القلوب من أنس وعلى النفوس من بهجة وعلى الأجسام من راحة.

ففي العيد تتقارب القلوب على الود، وتجتمع على الألفة، وفي العيد يتناسى ذوو النفوس الطيبة أضغانهم؛ فيجتمعون بعد افتراق ويتصافون بعد كدر، وفي ذلك كله تجديد للصلة الاجتماعية بين الناس.

وفي العيد تذكير المجتمع بحق الضعفاء والعاجزين، بحيث تشمل فرحة العيد كل بيت، وتعم النعمة كل أسرة من خلال صدقة الفطر والهدايا.

يقول د. مصطفى السباعي يرحمه الله من أراد معرفة أخلاق أمة فليراقبها في أعيادها؛ إذ تنطلق فيها السجايا على فطرتها وتبرز العواطف والميول والعادات على حقيقتها.

ولاشك أن في أعيادنا بحمد الله تتسم بعض مظاهر التعاون الاجتماعي من صدقات ومبرات للبيوت الفقيرة والعائلات البائسة بيد أن ذلك إلى حد ما قليل بالنسبة لما ينبغي أن تكون عليه أعيادنا، بالنسبة المظاهر الترف والإنفاق الذي ننفقه على ملذاتنا وفي أسفارنا وولائمنا ، فنحن نكتفي بالعطاء القليل مع استطاعتنا أن نبذل الكثير.

لذا، ينبغي أن تحقق أعيادنا الأهداف والغايات المشروعة لنحقق مبدأ الأمة الخيرة فلا تسرف في لهونا وفرحنا ونشعر بإخواننا المحتاجين والفقراء، ونواسي المنكوبين ونقتصد في ضحكنا ولعبنا ونتذكر إخواننا ومآسيهم.

العيد لمن؟!

إخواني، ليس العيد لمن تمتع بالشهوات وأكل ما لذ وطاب ولبس فاخر الثياب، وعن جاره المحتاج تعامي وعن الواجبات غاب.

وليس العيد لمن عق والديه فحرم الرضا ونال الغضب ووقع في العقوق، وليس العيد لمن يحسد الناس على ما آتاهم الله عز وجل من فضله.

كيف يسعد بالعيد من تجمل بالثوب الجديد الأبيض وقلبه على أخيه المسلم قاتم أسود؟ كيف يهنأ بالعيد من استقام في رمضان وصلى وصام، وذكر الله تعالى وبعد رمضان عدل عن الطريق الأقوم؟ كيف يفرح بالعيد من أضاع أمواله في الملاهي والمناهي مسرفا مبذرا مانعا حق الفقراء والمساكين.

حكمة العيد

إخواني، في يوم العيد ينبغي أن ينسلخ كل إنسان عن تفاخره وتباهيه بحيث لا يفكر بأنه أعلى وأثرى أو أغنى أو أفضل من الآخرين وبحيث لا يتخيل الغني مهما كثر ماله أنه أفضل من الفقير.

يقول رسول الهدى عليه الصلاة والسلام إذا كان يوم عيد الفطر، وقفت الملائكة على أبواب الطرق فنادوا اغدوا معشر المسلمين إلى رب كريم يمن بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم وأطعتم ربكم فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا نادى مناد: ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة... رواه الطبراني.

إن العيد لمن خاف يوم الوعيد، واتقى مظالم العبيد بعيدا عن الغش والكذب والاحتيال والإسراف والتبديد

لذا قيل: إنما العيد لمن فاز بالقبول وحسن الختام.

هل العيد فرصة للتبذير؟!

إخواني، إن الإقبال الشديد على الطعام والشراب واللباس والحلوى والزينة والولائم والمناسبات الباذخة فيه مفاسد دينية ودنيوية فهو يفسد الجسم بالأسقام، ويتلف المال ويورث الإنسان الهم بالليل والمذلة بالنهار، فما أكثر الأحداث المؤلمة والمظاهر المحزنة التي تنزل بالناس في أيام الأعياد نتيجة التسابق إلى الإسراف بأشكاله المختلفة وصوره المتنوعة ونسي الناس أو تناسوا أن لهم إخوانا في ديار نائية ومناطق بعيدة، بله من يسكن بجوارهم يعانون من شظف العيش وقلة ذات اليد والمجاعة والفقر والعوز، هؤلاء هم أشد الحاجة إلى يد حنونة تساعدهم وتمسح دمعتهم وتفرح قلوبهم وتبهج أنفسهم. عليه، ينبغي أن نكف أيدينا عن التبذير المبالغ فيه في أيام الأعياد، وليكن العيد فرصة للتدبير الرشيد وكذا فرصة للمواساة والتكافل.

هل العيد مناسبة للتدبير؟!

إخواني، كم من أموال تصرف في هذه الأيام على الملاهي والمناهي والملاعب والملابس والحلوى والمناسبات. وكم يتعدى المسلمون في هذه الأيام حدود الأدب بأفعال غير رشيدة وتصرفات غير سديدة. أين من كان لا يفرح بعيد ولا بغيره، إلا بما قدمه من عمل صالح وفعل خير؟ حكي أن عمر بن عبد العزيز يرحمه الله رأى ولدًا له يوم عيد وعليه قميص ممزق، فبكى يرحمه الله، فقال له ابنه: ما يبكيك يا والدي؟ قال عمر: أخشى يا بني أن ينكسر قلبك في يوم العيد إذا رآك الصبيان بهذا القميص، فقال: يا أمير المؤمنين إنما ينكسر قلب من أعدمه الله رضاه، أو عق أمه وأباه، وإني لأرجو أن يكون الله راضيا عني برضاك، فبكى عمر، وضمه إليه وقبله ودعا له، فكان أزهد الناس بعده.

ختاما أقول: لا شك في أننا نستعد للعيد آباء كنا أو أمهات أزواجا أو زوجات، شبانا أو شابات، ولا شك في أننا نهيئ كل ما يستلزمه العيد من لباس وأكل ولهو ولعب وسفر، فلنضف إلى ذلك كله استعدادا آخر أكرم عند الله تعالى، فنفتش عن جيراننا وحوائجهم، ونفرج كرب إخواننا البؤساء المعدمين المشردين، ونعين الملهوف المحتاج، وندخل السرور على كل قلب.

ليكن عيدنا أقرب إلى حسن التدبير منه إلى قبح التبذير.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

178

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

لعقلك وقلبك (41)

نشر في العدد 34

115

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

لا... يا أمير المؤمنين

نشر في العدد 297

90

الثلاثاء 27-أبريل-1976

من شذرات القلم (عدد 297)