; مغالطة شيطانية | مجلة المجتمع

العنوان مغالطة شيطانية

الكاتب عياضة نامي السلمي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1975

مشاهدات 92

نشر في العدد 242

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 25-مارس-1975

إن من حكمة الله جل وعلا أن جعل الشيطان عدوًا للإنسان فهو يتربص به الدوائر، وينصب له الحبائل ويضع له الإشراك والشباك. وهذه العداوة متأصلة وبعيدة الجذور فقد بدأت منذ أن خلق الله آدم أبا البشرية عليه السلام وأمر إبليس أن يسجد له فأبى واستكبر ومنذ أن أقسم بعزة الله ليؤذين البشر ويغوينهم ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص:82-83) وقد أضمر العداوة لهم وعقد العزم على تضليلهم منذ أن طلب من الله أن ينظره إلى يوم القيامة، وهو لا يفتأ يدبر المؤامرات والمكائد، ويحشد الحشود ويجمع الجنود من شياطين الإنس والجن!! وقد أوتي براعة ومقدرة في استخدام الأسلوب الذي يتلاءم مع حال الإنسان ويأتيه كل مكان ويدخل عليه من کل باب حتى يقع على جانب الضعف في نفسه ثم يدخل منه لكي يسايره ويجعله عبدا له وجنديا من جنوده ولكي يشقى بجواره في النار وأقبح به من جوار! وهو يدخل على الإنسان من جانب الخير كما يدخل من جانب الشر فمن أساليبه الماكرة وطرقه الملتوية أنه قد يقلب الحق من نظر المرء باطلا والباطل حقًا ويغريه بالملذات والشهوات العاجلة فتطيعه النفس الأمارة بالسوء حتى إذا أورد المرء موارد الهلاك وجعله يتخبط في ظلام المعصية ومستنقعات الذنوب، ويدور في متاهات لا أول لها ولا آخر تبرأ منه بعد أن خسر دنياه وآخرته . والله سبحانه قد أخبرنا بعداوته ونهانا عن طاعته وحذرنا أن نغتر بوعوده الكاذبة قال تعالى :﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (النساء:119-120) . ومع كل هذا البيان فهو يموه على بعض الناس الحقيقة ويعكس مفاهيمهم ويقلب موازينهم فهناك أناس ممن أعمى الله بصائرهم لما استحبوا العمى على الهدى وممن اغتروا بما يعدهم الشيطان قد بلغ بهم السفه مبلغا لا يستطيعون معه التفريق بين الغفلة وحسن الظن فهم يرتكبون المعاصي- بل ويكثرون منها- وحين تهدى لهم النصيحة ممن يريدون الخير لعامة المسلمين تراهم يقولون بملء أفواههم: إننا نحسن الظن بالله ولن يؤاخذنا بما عملنا، وحين يذكرون بعذاب الله وسخطه يقولون: إننا لا نظن بالله ظن السوء وهو القائل في الذين يظنون ظن السوء ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (الفتح:6) وتزداد غفلة البعض منهم وغروره فيتمثل بقول أحد جنود إبليس: وكثر ما استطعت الخطايا إذا كان القدوم على كريم وأنا لا أنكر أن سوء الظن بالله من أعظم الذنوب وأقدح المعاصي لأن من يظن به ظن السوء فقد ظن به خلاف كماله المقدس وخلاف ما أخبر عن ذاته المقدسة وسعة رحمته التي وسعت كل شيء، غير أني في الوقت نفسه لا يساورني شك في أن من ارتكب المعاصي مغترا بعفو الله وكرمه قد أساء الظن بالله، فالله سبحانه كما أنه غفور رحيم فهو شديد العقاب وهو لا يرد بأسه عن القوم المجرمين ولا يمنعه عفوه أن يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. فلو أن هذا المغرور قد أحسن الظن بالله حقيقة لاتبع أوامره واجتنب نواهيه، ولأمن بأنه إن وقف عند حدود الله فسوف يدخله جنة عرضها كعرض السماوات والأرض، جنة لا يفنى نعيمها ولا يزول فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولكنه لما أساء الظن بالله وشك فيما وعد به المطيع النواب وما توعد به العاصي من العقاب استوى لديه الحلال والحرام فأطلق لنفسه العنان وأسلم قيادتها للشيطان وأخذ يكرر لنا صحية ما يحفظه من نصوص الكتاب والسنة الدالة على سعة رحمة الله جل وعلا وهو بعمله هذا يتشبث بحبال الأماني- التي لا تغير من الواقع شيئا- وإذا بها قد تصرمت وهوت به في مكان سحيق. ولكن لست أدري كيف يتجرأ هؤلاء الجهال على حرمات الله ويصرون عليها ثم يقولون إنهم يحسنون الظن به؟ ومتى كان حسن الظن داعيا إلى المعصية؟: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج:46) يقول بعض من أنار الله بصائرهم وعافاهم مما ابتلي به هؤلاء: من قطع منك عضوا بسرقة ثلاثة دراهم لا تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا . وقيل للحسن البصري رحمه الله ..
الرابط المختصر :