; مع الإمام أحمد بن حنبل في محنته | مجلة المجتمع

العنوان مع الإمام أحمد بن حنبل في محنته

الكاتب نبيل حامد المعاذ

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مارس-1995

مشاهدات 4

نشر في العدد 1142

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 21-مارس-1995

* العالم مواقف يقوم فيها لله وحده

تأملت في حياة العلماء فتكشفت لي حقيقتان:

  • الأولى: أن العالم ليس بوفرة ما يحفظ أو يؤلف، ولكن العالم مواقف يقوم فيها لله فيقدم الدليل الملموس على خشيته له سبحانه دون سواه، وحبه الذي يحمله للحق ويقينه به.
  • الثانية: أن الله سبحانه يجعل لهذا الصنف من العلماء امتدادًا في آثارهم، وبركة في علومهم ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 154).

وإذا أردنا أن نثبت هاتين الحقيقتين فالشواهد كثيرة، فهذا شهيد القرآن سيد قطب -رحمه الله- ترك مؤلفات ضخمة، ولكنها جميعًا -في نظري- لا تساوي كلمة واحدة قالها: «إن الإصبع التي تشير لله بالوحدانية تأبى أن تؤيد حكم الطاغية».

ثم جاد لله بنفسه فصار للظلال وغيره من كتبه قيمة أخرى وروح يسري إلى القلوب ﴿ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 88).

محنة خلق القرآن

ثم نرجع لتاريخنا التليد لنعيش مع إمام وعالم رباني هو أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- في محنته التي عرفت بمحنة خلق القرآن.

ملخص القضية أن عقيدة أهل السنة أن القرآن الكريم كلام الله تعالى قديم منه بدأ وإليه يعود، ولكن انفتاح الدولة العباسية على الثقافات الأجنبية، وانحراف بعض الناس عن المنهج الذي يجب أن يتبع في فهم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهو منهج الصحابة والسلف) أدى إلى ظهور البدع وانتشار الخلافات بين المسلمين. فكان مما ابتلي به الإمام أحمد وغيره ظهور بدعة خلق القرآن؛ وادعاء أنه حادث مخلوق. ومما زاد الأمر خطورة أن بعض الخلفاء تشيعوا لهذا الرأي -بعد أن استحوذ عليهم المعتزلة وأقنعوهم به- ومنهم المأمون والمعتصم والواثق.

ولا يهمني الخوض في هذه القضية بقدر ما يهمني موقف الإمام أحمد -رضي الله عنه- فقد كابد القيود الحديدية الثقيلة ثمانية وعشرين شهرًا بين السجن والضرب والتهديد والضغوط النفسية، حيث كان بعض الخلفاء يحضر تعذيبه بنفسه، وأوذي -رحمه الله- حتى تخلعت يداه من الصلب على الخشبة التي كانوا يجلدونه عليها، وأغشي عليه أحيانًا من شدة التعذيب، وخرج من السجن مريضًا فكان الطبيب يقطع لحمًا ميتًا من جسده(1).

ثبات العالم على الحق خير درس يلقنه للناس

وفي موقفه -رضي الله عنه- درس يجب أن يعيه كل من ابتلاه الله سبحانه بمكانة في قلوب الناس فليتق الله في نفسه وفيمن خلفه، وليعلم أن ثباته خير خطبة يقولها وخير درس يلقنه للناس، وليعلم أن إيثار السلامة والمداهنة والأخذ بالرخص شر ووبال على التلامذة والمحبين؛ إذ سيقول لسان حالهم ومقالهم: «إن الذي علمنا المبادئ لم يضحِّ من أجلها ولم يصمد في سبيلها فكيف لنا بذلك؟!»، كما أن هذا الانسحاب سيجرِّئ المنافقين وأصحاب الأهواء على دين الله.

ومما يؤيد هذا ما روي عن الإمام لما ساروا به إلى الخليفة المأمون هو ومحمد بن نوح مقيدين فوق محمل على بعير واحد، فلما كانا ببلاد الرحبة جاءهما رجل من الأعراب من ربيعة يقال له جابر بن عامر فسلم على الإمام أحمد وقال له: "يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤمًا عليهم، وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل وإنك وإن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميدًا".

قال أحمد: "وكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك الذي يدعونني إليه"(2).

ويجدر بنا أن نقول إن ثبات المسلم في مثل هذه المواقف لا يتوقف على نباهة في الفكر أو صلابة في الجسم، ولكنه من قبل ومن بعد محض فضل وتوفيق من الله سبحانه. وكل ما على العبد أن يبادر بالعمل الصالح قبل نزول الفتن وأن ينصر دين الله فإذا نزل البلاء كان له رصيد:

  • ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).
  • ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا» (رواه مسلم).

وفي محنة الإمام أحمد شواهد على ذلك، فمن الذين أجابوا وأيدوا الحاكم في هذه الفتنة علي بن المديني -رحمه الله- وهو قرين الإمام أحمد في العلم، وأبو نصر التمار وأبو معمر القطيعي، ولنستمع لهذا الخبر:

"قال أبو حفص بن أخت بشر بن الحارث: قال لي بشر في اليوم الذي أحضر فيه أبو نصر التمار إلى دار إسحاق بن إبراهيم -رئيس شرطة بغداد- تعرف لي خبر أبي نصر، قال: فقلت له إنه قد أجاب (أي أيد رأي الحاكم)، فاسترجع مرارًا ثم قال: ما كان أحسن تلك اللحية لو خضبت بالدم ولم يجب حتى يقتل. وقال عبيدالله بن شريك: كان أبو معمر القطيعي من شدة إدلاله بالسنة يقول: لو تكلمت بغلتي لقالت إنها سنية! فأُخذ في المحنة فأجاب، فلما خرج قال: كفرنا وخرجنا"(3).

دروس من المحنة

درس آخر نتعلمه من الإمام أحمد في العفو والسماحة ونسيان حظوظ النفس، حيث عفا عن كل من آذاه إلا أهل البدعة وكان يتلو في ذلك: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ (النور: 22).

ويقول: "ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك؟ وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى: 40) وينادي المنادي يوم القيامة: "ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا". وقيل له: ادع على ظالمك، فقال: "ليس بصابر من دعا على ظالمه".

ومن حبه للإسلام أنه سامح المعتصم -الذي شارك في تعذيبه- لما فتح عمورية(4).

وقد ضم القبر الجميع، ولكن الجنة درجات والدعوة تقوم على أصحاب العزائم لا الرخص، وسيظل هذا الدرس العملي من الإمام لسان صدق له ونبراسًا للسائرين على طريق الحق، ودليلًا على عظمة هذا الدين وخصوبة هذه الأمة. ومما قيل عن موقفه ما قاله علي بن المديني: "إن الله عز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة".

وقال إسحاق بن راهويه: "لولا أحمد بن حنبل وبذل نفسه لما بذلها له لذهب الإسلام".

وقال محمد بن مصعب العابد: "لسوط ضرب به أحمد بن حنبل في الله، أكبر من أيام بشر بن الحارث"(5). وهو الزاهد المعروف ببشر الحافي.

فرضي الله عن أحمد بن حنبل، وعن كل من وقف لله مشهدًا، وألحقنا بهم في الصالحين.

__________________

الهوامش:

1.      راجع أخبار هذه المحنة في كتاب "أحمد بن حنبل إمام أهل السنة" لعبد الغني النقر ص 170 - 182.

2.      المرجع السابق ص 171.

3.      "أحمد بن حنبل إمام أهل السنة"، ص 168 - 169.

4.      المرجع السابق ص 183.

5.      نفسه ص 204 - 205.

الرابط المختصر :