العنوان مع المجاهد المسلم محمد الباقلانی - تشاد بين الجذب الإسلامي .. والسيطرة الاستعمارية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1973
مشاهدات 103
نشر في العدد 177
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 27-نوفمبر-1973
لقاءات
المجتمع
مع المجاهد المسلم محمد الباقلانی
تشاد بين الجذب الإسلامي
.. والسيطرة الاستعمارية
● شاب في الثانية والثلاثين من عمره.. من وجهه الأفريقي الأسمر تشع ملامح التاريخ الإسلامي الطويل في القارة السوداء.. قارة المستقبل الإسلامي بإذن الله!!
● ومن تشاد.. البلد الإفريقي المجاور للعالم العربي من أكثر من ناحية.. ليبيا شمالا والسودان شرقا، والمجاور لبلاد إفريقية أخرى غير عربية.. كالنيجر ونيجيريا والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى..
● البلد الذي تزيد مساحته عن مساحة مصر، ولا يقيم فيها من السكان غير ما لا يزيد عن أربعة ملايين.. حسب آخر إحصائية حكومية..
هذا البلد «تشاد» يصح لنا أن نطلق عليه، وأن يطلق عليه المنصفون أنه «بلد إسلامي»..
● لكن حقيقة كذلك.. هو بلد لا يحكم إسلاميا ولو (شكليا(على الأقل... بل ربما يحتل فيه المسلمون وهم الاكثرية الغالبية- كما نرى من نسبة عددهم- الدرجة الثانية.. إدريا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.
● وقد أوضح هذه النقطة الأخ (محمد الباقلاني)- ضيف حديثنا- فقال:- إن معظم المناصب السياسية والإدارية بين غير المسلمين وعلى وجه التحديد هي في قبضة النصارى ، والمسلمون محرومون من هذه المناصب... )تحريما عرفيا بالطبع)!
وبالطبع.. كان هناك تخطيط عقلي وتكتيكي لهذا الحرمان.. فالمسلمون- ابتداء- محرومون من التعليم الخدمات و محرومون من الصحية، ومن وسائل التثقيف. وإذا كان هذا هو حالهم- في التعليم العام- فهم من باب أولى محرومون من تعلم دينهم ومن تعلم تاريخهم ولغتهم.
● أتعني- يا أخ محمد- أن اللغة العربية غير موجودة في تشاد؟
- أجاب
إن قصة الإسلام والعربية طويلة في تشاد.. فقد كانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية والشعبية في تشاد قبيل دخول الاستعمار.. أي أن المواطن التشادي قبل دخول الاستعمار الفرنسي كان مواطنا عربيا لغة.. مسالما دينا.. لكن ما أن دخلت فرنسا حتى هجمت بكل قواها على الإسلام.. فحاربته ثقافيا وفكريا ونشرت جماعات المبشرين.. وجعلت الإسلام منبوذا في بلده.. وأغلقت المدارس والمعاهد الإسلامية، وقامت بذبح العلماء في مجازر جماعية حتى حشي المسلمون جميعا من الإبادة الجسدية والفكرية، واخذوا يستخفون بإسلامهم.
بل يتظاهر بعضهم بالعكس.. خوفا من فرنسا وعملاء فرنسا.. ولم تسكت فرنسا بالطبع عند هذا الحد، فقد أنشأت مدارس لهاـ حكومية- بقصد نشر المسيحية، وملء الفراغ الذي تركته المعاهد والمدارس الإسلامية.
وقد تبعت العربية في كل هذه الأطوار الإسلام وتعرضت أكل ما تعرض له ).
لكن مع ذالك.. تمسك معظم المسلمين بأمور دينهم وفر كثير منهم إلى البلاد المجاورة، فتعلموا العربية والإسلام، ثم عادوا إلى بلادهم ينشرون الإسلام بمحاولات فردية مختلفة للمحافظة عليه وعلى العربية.
وكان أكثر المتخرجين من الجامعات الإسلامية كالأزهر وجامع الزيتونة وغيرهما… وبهذه الوسائل- وبغيرها كذلك نجح المسلمون التشاديون في الوقوف في وجه هذه الحرب الصليبية، ومن الجدير بالذكر أن «الكتاتيب» التي أنشأها المسلمون هناك قامت بدور هام.
وقد أفتى العلماء التشاديون بتحريم دخول المسلمين أو أبنائهم إلى المدارس الفرنسية التبشيرية، واستجابت الجماهير لهم، لدرجة أن تشاد تعتبر البلد الشاذ والذي بقي به الفرنسيون ستين سنة، ولم يستطيعوا القضاء على اللغة العربية أو استمالة أبناء البلاد إلى الفرنسية أو المسيحية!!
والمهم أن كل الأساليب السابقة التي اتبعتها فرنسا لا زالت هي القائمة إلى اليوم.. وعلى نحو أفضل وأشد.. « فلا زال التبشير مفروضا.. ولا زال المسلمون مفروضا عليهم التخلف، ولا زالت اللغة العربية مضطهدة و محروما منها أبناؤها» ، وهكذا وهكذا...!
● لماذا لا ينشر الإسلام بين الزعماء الأفارقة على نحو إسلام «ألبيرت برنارد یونجو» رئيس جمهورية الجابون؟ وما الطرق إلى ذلك؟
- يحتاج هذا العمل- الذي هو عظيم بالطبع ـ إلى أن تتولى الحكومات العربية الإسلامية نفسها نشر الإسلام بوسائل إيجابية تتمثل في الآتي:
أولا: إنشاء دائرة للدعوة الإسلامية في كل سفارة.
ثانيا: انتقاء مبعوثين أكفاء على مستوى عال من الوعي بالأحداث المعاصرة والإسلام.
ثالثا: إلزام رجال السلك الدبلوماسي بالتمسك بالإسلام سلوكا ومبادئ، وبخاصة في الاحتفالات واللقاءات الدبلوماسية.
رابعا: إرسال ممثلي بعض القطاعات الشعبية في البلاد الإسلامية «من العمال والشباب والنساء» إلى هذه البلاد الأفريقية، للاحتكاك بالمنظمات المماثلة، مع طبع كل تحركاتهم بالطابع الإسلامي.
خامسا: إلزام الدعاة أو المبعوثين إلى تلك الدول بالتجوال في القرى والريف؛ لأنها العدد الأكثر والمراكز الأهم.. وهذا بالطبع مع نقائه وتمسكهم بالسلوك الإسلامـي.. وهذه نقطة مهمة لأن المبعوثين يصرون على البقاء في المدن.. فتذوب نواحي تأثيرهم لأن الاحتكاك قليل المدن.. وتأثيره محدود.. مع العلم بأن هذا العصر هو عصر الجماهير.. فامتلاك الجماهير أهم وسيلة لامتلاك القيادات.
ولا انفصال بين هذه وتلك.. في الحقيقة!!
وعن تطور العلاقات العربية التشادية في القديم والحديث...
أجاب الأستاذ الباقلاني:
- إن العلاقات بين الشعبين العربي والتشادي قديمة ضاربة في أعماق التاريخ، ولها أكثر من مقوم واحد أهمها:
الدين واللغة العربية. وهذا الارتباط لا يمكن أن تنفصم عراه مهما كانت المحاولات.
- أما الارتباط الرسمي فقد مر أخيرا بالفترات التالية:
أولا: فترة دخول الاستعمار الفرنسي في تشاد، ولا شك أنها ابتداء الانفصام الرسـمي لتشاد عن العالمين العربي والإسلامي!!
ومن هنا ركزت فرنسا على محاربة الإسلام كعقيدة، وعلى اللغة العربية كوسيلة للإسلام.
ثانيا: وبعد الاستقلال الشكلي المعلن في ٨/١١سنة ١٩٦٠.. كانت السياسة الرسمية للحكومة هو الاستمرار في تنفيذ الخطة الاستعمارية الصليبية.
وقد ظهر هذا في مواقف تشاد سواء كان في المؤتمرات الدولية أو في قاعات تمثيلية!! «الأمم المتحدة»، فقد كانت على طول الخط ضد العرب والمسلمين وتلتزم التأييد المطلق لإسرائيل وفرنسا، لدرجة أنها مكنت لإسرائيل من أن تكون الموجه الأساسي للسياسة التشادية -بعد فرنسا- وقد تمثلت السيطرة الإسرائيلية في محاولات السياسة والاقتصاد، وفي الجيش التشادي والإعلام والثقافة.
ثالثا: منذ عام تقريبا. حاولت الحكومة أن تنفتح على العالم العربي، وحاولت إزالة شعار العداء الكثيف، وظهر ذلك في الزيارات المتبادلة بين حكام تشاد والحكام العرب.
● وليس من المهم أن نتكلم بإطناب عن دوافع هذا الانفتاح أو محتواه، ويكفينا فقط أن نشير إلى أن الوجهة الرئيسية للشعب التشادي هي العالم العربي الإسلامي.. أما المحرك الأساسي للدوافع الرسمية للاتجاه نحو العالم العربي.. فهي محاولة إرضاء وكسب القواعد الشعبية التشادية التي تتجه ـ كما قلنا- إلى قبلة العالم الإسلامي والعربي.. ولا سيما محاولة المسئولين إرضاء المتذمرين من النفوذ اليهودي في تشاد،، والمتذمرين من الاضطهاد المستمر للمسلمين منذ الاستقلال عن فرنسا، كما أنها محاولة لاستغلال العاطفة الجماهيرية التشادية في ضرب الشيوعيين الذين أصبحوا يشكلون خطرا على المسئولين وعلى الحكم كله!!
بإيجاز شديد إن الانفتاح على العالم العربي هو محاولة لحل مشاكل داخلية للحكم في تشاد لا أكثر.
ولا يفوتنا أن نسجل هنا بهجتنا وسرورنا- نحن الشعب التشادي- عندما أعلنت الحكومة التشادية موعد زيارة الملك فيصل لتشاد، لأنها كانت أول مرة يزور فيها حاكم بلاد الحرمين تشاد، جعل الجماهير تأمل في أن تغير الحكومية موقفها تجاه العداء بينها وبين العالم الإسلامي والعربي.
وقد كان الأمل حقيقيا عندما أعلنت الحكومة قطـع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل ونأمل أن تكون هذه الخطوة خطوة إيجابية، في سبيل بناء «تشاد» المسلمة عقيدة.. والعربية لسانا.. والأفريقية منشأ وتكوينا.
ونأمل في أن تسارع الدول العربية بملء الفراغ الذي نتج عن قطع العلاقات مع إسرائيل وبخاصة في المجالات التجارية، والاقتصادية، والخبرات الفنية، وغيرها.
على أن يكون ذلك موجها بالطبع لصالح الأغلبية المسلمة وذلك كي يعطي ثماره المرجوة بالنسبة للشعب المسلم المكافح في «تشاد الإسلامية» وأيضا.. بالنسبة للمستقبل الإسلامي بعامته ..
ذلك ما نرجو.. وبالله التوفيق •
الرابط المختصر :