العنوان مع الشيخ الندوي
الكاتب عبدالله قادري الأهدل
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-2000
مشاهدات 70
نشر في العدد 1384
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 18-يناير-2000
لقد بلغنا نبأ وفاة العلامة الأديب الكاتب، الورع التقي الزاهد، العابد المربي، المؤرخ المحقق، الداعية الحكيم، الخطيب المؤثر، المحاضر المقنع.
ولد الشيخ أبو الحسن علي بن السيد عبد الحي بن السيد فخر الدين الحسني، في يوم الإثنين السادس من شهر محرم سنة ١٣٣٣هـ الموافق ٢٣ نوفمبر سنة ١٩١٤م، وبهذا يكون عمره- رحمه الله- 87 عامًا هجريًا، قضاه كله في تعلم وتعليم، وتأليف ومحاضرة، وعبادة وتقوى، ودعوة وإصلاح، ودفاع عن الإسلام والمسلمين في الهند وفي العالم كله.
جمع الأستاذ الندوي بين نشر العلم والدعوة محلية وعالمية، وتربية أتباعه تربية إيمانية وعبادية قوية، مبنية على العلم والإخلاص والتواضع، كما أنه امتاز ببراعة دفاعه عن حقوق المسلمين في الهند ضد أعدائهم الهندوس، سواء من المؤسسات الحكومية أو الدينية المتعصبة، أو الشعبية المختلفة، فعلى الرغم من أن الأستاذ الندوي كان يظهر بعيدًا عن المعارك السياسية، فإنه أثبت بمواقفه الدفاعية عن حقوق المسلمين في الهند وبراعته وحنكته، أنه من كبار رجال السياسة، وذلك أنه في كل مناسبة تحدث، أو يعلم أنها ستحدث، يعقد المؤتمرات ويدعو لها قادة المسلمين وزعماءهم، وبعض الزعماء السياسيين من الهندوس وغيرهم، وكثيرًا ما ينجح بقوة بيانه وشدة عاطفته وحججه التي تدعم حقوق المسلمين في إيقاف كثير من الكوارث التي كان يحتمل أن تنزل بالمسلمين، كما أنه لم يكن يتردد في الاتصال بزعماء الحكومة ونصحهم وحثهم على المحافظة على حقوق المسلمين، وكذلك يقوم بجولات في مناطق الهند المختلفة، للاتصال بالمسلمين والتشاور في أمورهم، والتعاون على حل مشكلاتهم، وبخاصة في أوقات الكوارث والمصائب.
ألف الشيخ الراحل كتابًا بلغ عدد صفحاته ٤٦٣ صفحة عن حياته سماه «مسيرة الحياة»، وقد أهدى لي هذا الكتاب، وكتب الإهداء على الصفحة الأولى من الكتاب بقلمه، وعندما رجعت إلى دلهي أكببت على مطالعته، وأكملته في أقل من ليلة واحدة، فقد قرأت الكتاب بشغف وذلك لثلاثة أسباب:
السبب الأول: أسلوب الشيخ الجذاب وسلاسته ولطف تعبيره وأدبه العربي الذي يعرفه كل من يقرأ له أو يسمع محاضراته وأحاديثه.
السبب الثاني: أنه يشرح حياة الشيخ، وكنت قد سألته عندما سلمني الكتاب: هل أستطيع أن آخذ معلومات تاريخية من الكتاب عن حياتك؟ فقال: نعم.
السبب الثالث: أن الكتاب يأخذ بيد القارئ ليتجول مع الكاتب وأسرته العريقة وبعض فروعها في الهند، ومن يمت إليها بصلة من أصدقاء ومعلمين ومؤلفين وتلاميذ وجيران وكتب وبلدان ومفكرين ومحاضرات ومناقشات ورحلات ومذاهب وأحداث إسلامية: إيجابية أو سلبية في الهند وفي غيرها، واستعمار وتحرير، وفقر وغنى، وتأليف وتعليم وتربية، وجماعات ومنظمات إسلامية وشخصيات، يطوف بك في ذلك كله وفي غيره، وكأنك معه في السيارة أو القطار والطائرة والمنزل والغرفة والفندق، والاجتماع والحزن والفرح، والمرض والصحة، في المستشفى وفي المدرسة وغير ذلك.
حكمة الأستاذ الندوي في الدفاع عن حقوق المسلمين
الأستاذ الندوي رجل حليم، يرى التيار الجارف من الأكثرية غير المسلمة ضد الأقلية المسلمة، وهذا التيار تخطط له الحكومة في السر والعلن، يقوم به الحاقدون الهندوس ويحرضون عليه عامة الأتباع من الجهلة.
ويرى الأستاذ الندوي أن الوقوف السياسي ضد الأغلبية الحاقدة ليس مجديًا، ولهذا يسير في الدفاع عن المسلمين مسيرة شعبية وقانونية، يُشعر الحكومة بأن القانون الذي تنفذه وتعترف به لا يخولها الاعتداء على حقوق المسلمين الدينية والاجتماعية، ويُشعر الشعب الهندوسي بأن المسلمين لا يريدون لهذا الشعب إلا الخير، وأن المسلمين قد ضحوا تضحيات كبيرة في الدفاع عنه، ولا يزالون مستعدين للدفاع عنه، وأن الإسلام لا يقف من غير المسلمين إلا موقف المصلح.
كما يشعر المسلمين بأن عليهم واجب التمسك بالإسلام وتربية أبنائهم عليه، ويحذرهم من خطر الذوبان في المجتمع الهندوسي، وأن يتحدوا فيما بينهم ويتمسكوا بالمطالبة بحقوقهم.
وعندما أرادت الحكومة التدخل في شؤون التعليم ومدارس المسلمين ومعاهدهم وجامعاتهم، وقف الشيخ الندوي وقفة صلبة حكيمة، ودعا إلى عقد مؤتمر عام في مدينة لكنو في ندوة العلماء للتعليم الديني، حضره كبار علماء الهند، وكان ذلك في شهر يونيو عام ۱۹۸۹م، وعارض الحاضرون كلهم تلك المخططات، وذكروا الحكومة ببعض مواد الدستور الهندي الذي يمنح أتباع كل ديانة حق إدارة شؤونهم الدينية، وتعارض القرارات الحكومية الجديدة مع تلك المواد، وقد نفع الله بذلك المؤتمر، الذي حضره مسؤولون من وزراء الولاية «ولاية أترابراديش» ووافقوا على بقاء الأمور على ما كانت عليه.
وألقى الشيخ أبو الحسن كلمة ضافية في المؤتمر، كان لها أعظم الأثر في نفوس المؤتمرين وممثلي الحكومة، وذكر فيها بما قام به المسلمون وما يقومون به من عمل خير لصالح هذا الشعب، وبخاصة التضحية في تحريره من الاستعمار والإسهام في حل كثير من مشكلاته والأعمال الاجتماعية العامة وغيرها.
وقد أخذت من الشيخ أبي الحسن الندوي إجازة الأسانيد، بعد أن قرأت عليه أوائل أحاديث الأمهات، وفي تلك الإجازة بعض المشايخ من آل الأهدل.
ندوة العلماء ودار العلوم
هذه المؤسسة وفروعها تحتاج إلى تاريخ خاص، من الصعب استيعابه هنا، وقد تطورت وخرّجت علماء من كل الجماعات الإسلامية في الهند وباكستان، وفي مناطق الهند المختلفة، والنسبة إليها شبيهة بالنسبة إلى الأزهر، فكما يعتز طلبة الأزهر بالانتساب إليه، فيقال: أزهري، فإن طلبة هذه المؤسسة يعتزون بالانتساب إليها فيقال: الندوي.
ويكفي هنا أن أنقل نصًا للأستاذ الكريم أبي الحسن الندوي عن هذه المؤسسة المباركة وهو يشمل تاريخ إنشائها وأهدافها ومكانتها بين المدارس العلمية في الهند.
قال: تتوسط بين المدارس القديمة التي تتمسك بالقديم وترى العدول عنه ضربًا من التحريف ونوعًا من البدع، وبين الجامعات المدنية التي تقدس الجديد وتستهين بالقديم، تتوسط بين تلك وهذه دار العلوم التابعة لندوة العلماء التي تأسست في لكنو سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف هجرية ١٣١٢هـ، بيد العالم الرباني الشيخ محمد علي المنكيري، وزملائه المخلصين، الذين خافوا على المسلمين من المحافظين ومن المتطرفين، ومن اعتزال العلماء عن الحياة وتخلفهم عن ركب الثقافة والعلم، ومن العصبيات المذهبية والمتاجرات الفقهية التي قويت ونشطت في العهد الأخير.
فأسست ندوة العلماء ودار العلوم التابعة لها على مبدأ التوسط والاعتدال والجمع بين القديم الصالح والجديد النافع، وبين الخالد الذي لا يتغير، والعلم الذي يتغير ويتطور ويتقدم، وبين طوائف أهل السنة التي لا تختلف في العقيدة والمنصوص.
وقامت من أول يومها على الإيمان بأن العلوم الإسلامية علوم حية نامية، وأن من هذه الدراسة ما هو خاضع لناموس التغير والتجدد، فيجب أن يتناوله الإصلاح والتجديد في كل عصر ومصر، وأن يزاد فيه ويحذف منه بحسب تطورات العصر وحاجات المسلمين وأحوالهم.
عنيت دار العلوم بصفة خاصة، بالقرآن الكريم- الرسالة الخالدة- وتدريسه ككتاب كل عصر وجيل، وعنيت باللغة العربية التي هي مفتاح فهمه وأمينة خزائنه، ووجهت عنايتها إلى تعليم هذه اللغة الكريمة كلغة حية من لغات البشر يكتب بها ويخطب، لا كلغة أثرية دارسة لا تجاوز الأحجار أو الأسفار، كما كان الشأن في الهند، وقللت قسط بعض العلوم القديمة التي لا تفيد كثيرًا، وأبدلتها ببعض العلوم العصرية التي لا غنى عنها للعالم العصري الذي يريد أن يخدم دينه، وأمته، واجتهدت أن تخرج رجالًا مبشرين بالدين الإسلامي الخالد لأهل العصر الجديد، شارحين للشريعة الإسلامية بلغة يفهمها أهل العصر، وبأسلوب يستهوي القلوب أمة وسطًا بين طرفي الجمود والجحود، وقد نجحت في مهمتها نجاحًا لا يستهان بقيمته، بأن أنجبت رجالًا هم خير مثل للعالم المسلم العصري، لهم آثار جميلة خالدة في الأدب الإسلامي وعلم التوحيد لأهل العصر الحديث، والسيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والتاريخ. «المسلمون في الهند: لأبي الحسن علي الحسني الندوي ص ١٢٣ - ١٢٥».