العنوان مع الشهيد سيد قطب في اتجاهه الإسلامي وفي نموه الحركي.. القوي
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أغسطس-1974
مشاهدات 69
نشر في العدد 215
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 27-أغسطس-1974
الأستاذ الذي جدد تصوير الحركة.. ورسم معالم الطريق.. كيف انضم لحركة الإخوان المسلمون.. وكيف ألف الظلال..
بقلم: إسماعيل الشطي
* على رأس كل مائة سنة.. وحين تقسو قلوب البشر.. وتتسع الفجوة بينها وبين القرآن.. وتذوي صورة الإسلام في أنفسهم.. ويتناءون ويتباعدون عن هذا الدين.. يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد هذا الدين..
ولقد جاء الأستاذ الشهيد سيد قطب -رحمه الله- والجاهلية تجثو على صدور الناس.. والطغيان يستشري في المؤسسات والأجهزة القيادية.. والفساد ينخر الموجهين من داخلهم.. والشرك والفسق والفجور.. والواقع السيئ يعم أرجاء المعمورة..
جاء الأستاذ ولم تكن هناك فجوة بين الناس والقرآن.. بل رفس وإقصاء.. ولم تكن قسوة في القلوب.. بل جهل وشرك..
لقد كان العبء ثقيلا.. والمجهود ضخما .. والمسئولية رهيبة.. فبدأ الأستاذ الطريق.. وعندما بدأ.. كان يضع قدميه على أرض صلبة.. فقد حظي بنفسه إلى قاعدة حركية ضخمة أسسها أستاذ دعاة العصر الإمام الشهيد حسن البنا.. واختط منهجه الفكري من المسلم العظيم -كما يحلو له أن يسميه- ومعلم الدعاة مولانا أبي الأعلى المودودي..
بدأ الطريق منطلقًا من قاعدتين صلبتين في المنهج الفكري والمنهج الحركي.. وأول ما بدأ.. بدأ بنفسه.. ثم ببيته.. ولا أعرف إلى اليوم داعيًا استطاع أن يؤثر في بيته كما فعل الأستاذ.. فأخوه وأخواته.. وأبناء أخته.. وأبناء عمومتهم ومن حولهم.. كلهم انضموا تحت لواء الدعوة.. وجندهم هو لخدمة هذا الدين.
لقد انطلق الأستاذ بدعوته.. مبتدئا بنفسه كما يأمرنا القرآن.. ﴿قُمْ فَأَنذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر: 2: 5).. ثم انتقل إلى الأقربين ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214).
.. وانتقل بعد ذلك إلى الناس كما لو كان ينفذ الخطوات التي رسمها الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم-.
ومضى في الطريق.. يرسم معالمه للدعاة.. ويعطيهم ثمرة تجربته مع الحياة في ظلال القرآن.. وكان ابنًا بارًا لمرشده.. وتلميذًا وفيًّا لإمامه.. وأبا ودودًا لتلاميذه.. وأخًا محبًّا لإخوانه في الله.. وكل من أتاه غاضبًا حانقًا -من الإخوان الكبار- خرج منه راضيًا شاكرًا لله.
لقد حق له أن يحمل هو وأستاذه الإمام الشهيد والمودودي لقب مجددي هذا العصر لهذا الدين.
والحديث عن الأستاذ الشهيد طويل.. ومتنوع.. وعندما جئت لأكتب عنه شغلتني الحيرة.. هل أكتب عن جهاده؟ أم عن منهجه ومدرسته؟ أم عن حياته وترجمته؟ أم عن كتبه وآثاره؟؟ أم دفاعًا وردًّا؟؟
ولكنني آثرت بادئ ذي بدء.. وأنا أول مرة أكتب عنه.. أن أكتب من بداية صلته بالحركة.. وعن بعض الملابسات التي صاحبت كتاباته.. وبعض المقتطفات المنتشرة عنه.. وقبل أن أنهي هذه المقدمة.. أود أن أنبه القارئ إلى مقال قوي في ذكرى الأستاذ الشهيد على صفحات «الشهاب».. کتبه أستاذي وأخي الكبير الشيخ عبد الله عرام.. وفيه فائدة كبيرة.. والله الموفق.
* كيف اتصل الأستاذ بالحركة؟
عندما كتب طه حسين كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» كان الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- من أوائل من انتقد هذا الكتاب ورفضه.. الكتاب يدعو المصريين إلى انتهاج سبيل الغرب والأخذ من ثقافاته.. كان الأستاذ لا يزال طالبا في كلية دار العلوم.. وفي نفس الوقت محررًا في جريدة الأهرام.. آنذاك نشر نقده ورده في صفحات الأهرام.. ولكن المفاجأة أن جريدة «الإخوان المسلمين» تبنت هذا الرد ونشرته على صفحاتها.. كان هذا أول اتصال بين قلم الأستاذ وبين الإخوان..
لم يكن للأستاذ يومذاك أي اتجاه سیاسی.. إنما كانت جل اهتماماته بالنواحي الأدبية..
ولقد تخرج الأستاذ من كلية دار العلوم ليشتغل مدرسًا.. ولموهبته الفائقة ونشاطه الأدبي انتقل إلى وزارة المعارف بوظيفة مفتش للغة العربية.. وكانت معظم كتاباته في هذه الفترة دواوين شعرية ومواضيع أدبية.. وقبل عام 1946 كتب كتابيه المعروفين «مشاهد يوم القيامة» و «التصوير الفني».. لم يكتب هذه الكتب لتحول إسلامي في اتجاهاته.. بل كتبهما - وكما يقول هو- تنفيذًا لرغبة والده الذي علّمه القرآن.. وكان يتمنى أن يكون ابنه شيخًا.. تنفيذًا لهذه الرغبة.. كتب الأستاذ..
وذاع صيت الأستاذ كصحفي لامع.. وبرز بين الكتاب.. في سنة 1946 اتصل به الإخوان المسلمون ولأول مرة عن طريق «محمد حلمي المنياوي» عضو مكتب الإرشاد.. فقد عرض المنياوي على الأستاذ سيد رئاسة مجلة جديدة باسم «الفكر الجديد» وهي سياسية اجتماعية إسلامية.. وعرض عليه حرية الكتابة دون الخوف من النتائج.. وافق الأستاذ على هذا الاقتراح وبدأ مقالاته بمحاربة الفقر والظلم والأوضاع السيئة.. فصدر ستة أعداد من الجريدة وصودر ثلاثة أعداد من هذه الستة وأدى ذلك إلى توقف صدور المجلة.. ومع ذلك كانت مقالات الأستاذ تنشر في مجلات أخرى مثل «الرسالة»..
في ديسمبر 1948 صدر قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين وذلك في حكومة النقراشي.. كان هذا القرار تنفيذًا لرغبة فرنسا وبريطانيا وأميركا.. فقد تقدم سفراء تلك الدول بمذكرة إلى الحكومة المصرية لحل هذه الجماعة.. واستطاعت مجلة «الدعوة» أن تحصل على صورة لهذه المذكرة وتنشرها على صفحاتها..
بدأت اعتقالات الإخوان.. وامتلأت السجون.. واضطربت البلاد.. في ذلك الحين كان الأستاذ سيد قد رحل إلى أميركا في بعثة لدراسة المناهج الحديثة للتربية والتعليم.. وكان قد ترك وراءه كتابًا جديدًا تحت الطبع بعنوان «العدالة الاجتماعية في الإسلام».. وخرج الكتاب في الأسواق -والإخوان آنذاك في السجون- وفوجئ الناس بمصادرة الكتاب من الأسواق.. مما أعطى الكتاب صورة دعائية كبيرة.. وسبب المصادرة هو هذا الإهداء الذي صدره في كتابه «إلى الفتية الذين ألمحهم في خيالي قادمين يردون هذا الدين جديدًا كما بدأ.. يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون.. مؤمنين في قرارة أنفسهم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.. إلى أولئك الفتية الذين لا أشك لحظة أن روح الإسلام القوية ستبعثهم من ماضي الأجيال.. إلى مقبل الأجيال.. في يوم قريب.. جد قريب».
لقد فهم الجميع أن هذه المقدمة مقصود بها شباب الإخوان.. وكانت الحكومة في وضع المواجهة مع الإخوان.. فمن الطبيعي أن تصادر الكتاب.. وتسابق الإخوان على اقتناء هذا الكتاب.. وتدارسوه في سجونهم ومعتقلاتهم.. ومع ذلك لم يكن الأستاذ آنذاك متعاطفا مع الإخوان.. ولم يقصد بتاتًا إهداء هذا الكتاب لشبابهم..
في أمريكا:
قضى الأستاذ سنوات البعثة في أميركا.. وكان قدر الله أن يصطدم بالنصارى الصليبيين هناك.. ففي المدينة التي قضى فيها الأستاذ سنواته كانت النعرة الصليبية واضحة وعلى أشدها..
يروي الأستاذ أنه دخل في إحدى المرات مستشفى في هذه المدينة.. فكانت -ككثير من المستشفيات- الممرضات من الراهبات.. والراهبة التي تشرف على علاجه مهتمة برعايته أشد الاهتمام.. وكانت في كل مرة تثير نقاشًا.. وتطرح مواضيع تمس الإسلام من بعيد..
- إنهم الشرقيون مشهورون بالشهوة وحب النساء.. وتتزوجون النساء بالجملة.. ألا ترانا نتطهر ونتعفف.. فالراهب يتطهر من هذه الشهوة الحيوانية.. والراهبة كذلك.. نحن نحاول أن نرتفع عن الصور الحيوانية إلى صورة طاهرة..
- وهل هذا دين عالمي؟
- بالطبع
- إذن لو انتشر هذا الدين في العالم كله وبدأ الناس ينفذون المبدأ الذي تنفذينه.. فأمسك الرجال عن الزواج.. وكذلك النساء.. باعتبار أن الزواج مخالف للعفة والتطهر.. ترى هل يبقى على وجه البسيطة أحد بعد انقضاء جيل واحد؟؟
- نظرت إليه باستغراب
- إن الدين الذي يطالب البشرية بذلك حتمًا ليس دينًا عالميًّا.. بل هو دین محدود.. إن الله لا يشرع أمرًا فيه فناء البشرية..
وظل الأستاذ يناقشها على هذا المنوال.. وبعد ثلاثة أيام انقطعت عن المجيء إليه.. جاءته خالعة ثياب الراهبات لتودعه قائلة: يبارك الله سعيك! وكانت هذه الحادثة سببًا في طرده من المستشفى قبل شفائه.
وفي أميركا.. وعندما استشهد الإمام حسن البنا -رحمه الله-.. لاحظ الأستاذ فرحة وابتهاجًا يعمان الأوساط الصليبية الحاقدة.. ووجد الصحف المعروفة بصليبيتها تعلن بالخط العريض عن مقتل الإمام الشهيد..
يقول الأستاذ «آنذاك علمت أن هذا الرجل كان يشكل خطرًا يقلق تلك الأوساط وفي كل مكان.. فندمت على عدم اتصالي به» وهذه الحادثة كانت سببًا في تغيير عواطف الأستاذ تجاه الجماعة.. فعندما شرع بالعودة إلى مصر.. علم الإخوان بمقدمه.. فأرسلوا وفدًا من الشباب للقائه وشكره على الإهداء.. وفي ميناء الإسكندرية كان لقاء حارًا.. فالتعاطف الذي نشأ في مشاعر الأستاذ تجاه الإخوان .. وهذا الاستقبال الحار.. كان لهما الأثر في ارتباط الأستاذ بشباب الإخوان.. وبدأت علاقة جديدة تنمو بينه وبين الشباب.. والتفوا حوله وتتلمذوا على يديه.. وخرجت الطبعة الجديدة من كتاب «العدالة الاجتماعية» وبإهداء جديد إلى «الفتية الذين كنت ألمحهم في خيالي قادمين.. فوجدتهم.. إلخ» وكان هذا في أواخر سنة 1950 وفي تلك الفترة نشط الأستاذ.. وكان يكتب في عدة جرائد ومجلات المقالات الرئيسية.. يكتب لمجلة «اللواء» التابعة للحزب الوطني.. ويكتب لمجلة «الاشتراكية» لسان حال حزب مصر.. وكانت أبرز كتاباته تلك التي في مجلة الدعوة التي يرأسها «صالح عشماوي» أبرز أعضاء مكتب الإرشاد آنذاك.. وتميزت مقالات الأستاذ بالصراحة والقوة والنقد الموجه للطغيان.. وكانت هذه المقالات ذات أثر فعال في قلوب الجماهير.. وخاصة عند إلغاء معاهدة الجلاء في حكومة «النحاس باشا» وقيام معركة القنال.. وعندما اطمأن «صالح عشماوي» لصدق الأستاذ وإيمانه.. طالبه بالانضمام لحركة الإخوان المسلمين.. وهكذا دخل الأستاذ الحركة ليصبح بعد فترة أحد مظاهر هذه الحركة..
* الملابسات التي صاحبت كتابة الظلال:
كان الإمام الشهيد -رحمه الله- يصدر مجلة باسم «الشهاب» ويرأس تحريرها بنفسه.. وبعد الأحداث التي أدت إلى مقتله، توقفت هذه الجريدة عن الصدور..
في أواخر عام 1950 قام الأستاذ سعید رمضان بمحاولة إخراج هذه المجلة من جديد وفي ثوب جديد.. فاتصل بكبار الكتاب آنذاك.. وكان من بينهم الأستاذ.. ووافق الأستاذ بالإسهام في الكتابة.. وتقرر كتابة مقالات تحت عنوان في ظلال القرآن.. وظهرت المجلة بعد حين باسم «المسلمون».. وظهرت معها مقالات الأستاذ.. ولاقت هذه المقالات إقبالاً شديدًا.. وانهالت الرسائل تطالب بكتابة هذه الظلال عن بداية القرآن إلى نهايته.. وأسرعت مكتبة عيسى البابي الحلبي بتقديم عرض للتعاقد مع الأستاذ.. طالبة كتابة ثلاثين جزءًا من الظلال مقابل مبلغ وقدره مئة ألف جنيه مصري.. على شرط أن يُكتب جزء كل شهر.. وافق الأستاذ على هذا العرض.. وبهمته القوية ونشاطه الملحوظ بدأ الكتابة.. وصدرت الأجزاء وفي يناير سنة 1954 كان قد صدر ثمانية أجزاء.. وفي نفس التاريخ توقف الأستاذ عن الكتابة بسبب دخوله السجن الحربي.. فظل ثلاثة أشهر كتب خلالها الأجزاء التاسع والعاشر والحادي عشر حيث الإرهاب والتعذيب لم يبدآ بعد .. وكان مسموحًا له بالكتابة.. بعد انقضاء الأشهر الثلاثة نشبت خلافات بين ضباط قيادة الثورة..
وأفرج عن المعتقلين السياسيين وكان بينهم الأستاذ..
وعند خروجه من السجن تولى رئاسة تحرير مجلة الإخوان المسلمين وكذلك مسئولية قسم نشر الدعوة وذلك بتعيين من قيادة الإخوان.. جند الأستاذ طاقات بيته لخدمة الدعوة وللقيام بأعباء هذه المسئولية فكان الأستاذ الجليل محمد قطب أكرمه الله يساهم في مقالاته حينا.. وفي كتبه حينًا آخر.. وكانت أختاه أمينة وحمیده تحرران الأبواب النسائية.. وظل النشاط يسري في الجريدة.. إلى أن هاجم الإخوان الثغرات التي في معاهدة الجلاء.. وأصدرت الحكومة بتوقيف جريدتهم.. بل صادرتها..
انتقل الأستاذ سرًّا التي بني سويف وأصدر نشرة سرية تفضح المخططات المرسومة للقضاء على الحركة، وتكشف عمالة الحكومة آنذاك.. وقبض عليه بعد حين وكان ذلك قبل القضية الكبرى بقليل.. وأُجلت محاكمته مرات عديدة.. ورفضت الحكومة محاكمته بصورة علنية.. فحوكم محاكمة سرية.. وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاما مع الأشغال الشاقة.. واتضح بعد المحاكمة أنه عُذّب عذابًا شديدًا في جسده.. مما سبب له الذبحة الصدرية.. ومن جحيم السجن الحربي انتقل إلى «ليمان طره».. ودخل بعد ذلك مستشفى السجن ليعالج جراحه..
في ذلك الحين.. كانت مكتبة الحلبي تلاحق قضية رفعتها ضد الحكومة.. فبسبب سجن الأستاذ ومنعه من الكتابة خسرت المكتبة مبلغًا ضخمًا.. وبعد مدة صدر الحكم لصالح المكتبة.. وهو تغريم الحكومة المصرية مبلغ مئة ألف جنيه مصري تعويضًا لخسائر المكتبة.. أو السماح للأستاذ بالكتابة.. ومن رحمة الله اختارت الحكومة الأمر الآخر تهربًا من الدفع.. فتكونت لجنة لمراقبة ما يكتبه الأستاذ وضع على رأسها الشيخ المعروف محمد الغزالي.. وكتب الظلال كله تحت هذه الظروف.. وحذفت اللجنة الشيء الكثير وكان مما حذفته اللجنة مقدمة سورة الفجر ومقدمة سور البروج التي وضعها الأستاذ في المعالم فيما بعد تحت عنوان هذا هو الطريق.
* لماذا تقع الظلال؟
عندما كتب الأستاذ الظلال.. كان يريد تضييق الفجوة التي وجدها بين صلة الإخوان بالقرآن.. وكان يكتب معتمدًا على مقررات سابقة مستمدة من الثقافات التي استقاها من بطون الكتب.. وعندما انطلق بتجربته الجديدة والحياة في ظلال القرآن.. وقطع أجزاء كثيرة.. بدأ يشعر بترابط الآيات.. ووحدة الموضوع.. ووجد نفسه يستمد تصوره لهذا الدين من هذه الآيات.. وتبدلت المقررات التي في حوزته حسب ما تمليه عليه الآيات.. واتسعت نظرته للواقع.. فشعر أنه لا بد من تنقيح ما كتب.. فالأجزاء الأولى بالذات كتبت حسب المقررات السابقة.. والتصور السابق.. فبدأ بتنقيح الكتاب.. والذين ينتقدون الأستاذ.. يجدون الصعوبة في قبول ما كتبه.. وحبذا لو بدأ هؤلاء بنفس التجربة.. وعاشوا في أجواء القرآن بحركتهم.. وتمعنوا في آیاته.. ترى بعد ذلك ماذا سيكون؟
* كتاباته الإسلامية:
1- «التصوير الفني في القرآن» و «مشاهد يوم القيامة» «والعدالة الاجتماعية في الإسلام» هذه الكتب الثلاثة كتبها قبل انضوائه تحت راية الإخوان وقبل خوضه غمار الحركة.. فالكتابان الأول والثاني كتبهما تنفيذًا لرغبة في نفس والده.
أما الكتاب الثالث فكتبه بعد أن وجد في الإسلام الخلاص وبعد أن احتك بالإسلاميين ونمت في نفسه الاهتمامات بالإسلام.
2- «السلام العالمي والإسلام» كتب هذا الكتاب بعد عودته من أميركا.. في بداية عام 51 وكان اتصال الجماعة به قد بدأ.. والتفاف الشبيبة حوله قد تم.
3- دراسات إسلامية:
وهي مجموعة مقالات كتبها الأستاذ في مجالات عدة وعلى الأخص مجلة «الدعوة».. قام بجمعها مؤسس الصحافة الإسلامية الأستاذ محب الدين الخطيب -رحمه الله-.. وأصدرها في كتاب وصدره بكلمة نقتطف منها «وبعد.. فقد كان من حق هذا السِفر النفيس أن يتولى تصديره رجل أصلب مني عودًا.. وأشد قوة.. وأحدث سنًّا.. وأجرأ على مواجهة الناس بالحق.
إنه كتاب السنة في أدب القوة ولا أعرف كتابًا صدر في هذه السنة ليتحدث عن الحق بلسان القوة كما تحدث أخي الألمعي البليغ الأستاذ سيد قطب في هذا الكتاب».
وأهمية هذا الكتاب تعود إلى أنه يبين منهج الأستاذ في الدعوة قبل تجربته في الحياة مع القرآن.. ويبرز المقررات التي كان يستمد منها تصوره لهذا الدين قبل تلك التجربة. فبينما نراه في مقالاته يقول «يجب أن تكون في ضمائرنا "الوحدة الإسلامية" ونحن نعمل على تحقيق "الوحدة العربية" على أنها خطوة في الطريق» نجده يقول في الظلال «لا ترقيع ولا أنصاف حلول ولا التقاء في منتصف الطريق.. مهما تزينت الجاهلية بزي الإسلام أو ادعت هذا العنوان».
3- في ظلال القرآن: وهو منبع أغلب كتبه التي كان سيكتبها تقریبا.. وهذا الكتاب ليس تفسيرًا للقرآن كما يظن الكثيرون.. فهو لم يسلك منهج المفسرين ولم يسم الكتاب «تفسير في ظلال القرآن»، بل كتب هذا الكتاب كما قال في مقدمة سورة الرعد «كثيرًا ما أقف أمام النصوص القرآنية وقفة المتهيب أن أمسها بأسلوبي البشري القاصر المتحرج أن أشوبها بتعبيري البشري الفاني». «ولكن ماذا أصنع ونحن في جيل لا بد أن يقدم له القرآن مع الكثير من الإيضاح لطبيعته ولمنهجه ولموضوعه كذلك ووجهته. بعدما ابتعد الناس عن الجو الذي تنزل فيه القرآن، وعن الاهتمامات والأهداف التي تنزل لها، وبعدما انماعت وذبلت في حسهم وتصورهم مدلولاته وأبعادها الحقيقية، وبعدما انحرفت في حسهم مصطلحاته عن معانيها.. وهم يعيشون في جاهلية كالتي نزل القرآن ليواجهها، بينما هم لا يتحركون بهذا القرآن في مواجهة الجاهلية كما كان الذين تنزل عليهم القرآن أول مرة يتحركون.. وبدون هذه الحركة لم يعد الناس يدركون من أسرار هذا القرآن شيئًا، فهذا القرآن لا يدرك أسراره قاعد ولا يعلم مدلولاته إلا إنسان يؤمن به ويتحرك في وجه الجاهلية لتحقيق مدلوله ووجهته. ومع هذا كله يصيبني رهبة ورعشة كلما تصديت للترجمة عن هذا القرآن.
إن إيقاع هذا القرآن المباشر في حسي محال أن أترجمه في ألفاظي وتعبيراتي. ومن ثم أحس دائما بالفجوة الهائلة بين ما أستشعره منه وما أترجمه للناس في هذه الظلال».
«أما نحن اليوم فنتكيف وفق تصورات فلان وعلان عن الكون والحياة والقيم والأوضاع وفلان وفلان من البشر القاصرين أبناء الفناء» «وأنني لأهيب بقراء هذه الظلال، ألا تكون هي هدفهم من الكتاب، إنما يقرءونها ليدنوا من القرآن ذاته، ثم ليتناولوه عند ذلك في حقيقته ويطرحوا عنهم هذه الظلال».
وقد نقح الأستاذ خمسة عشر جزءا منه، وطبع ثلاثة عشر جزءا.. أما الجزء الرابع عشر فقد ظهر بالطبعة الجديدة التي أصدرتها دار الشروق.. أما الجزء الخامس عشر فلا يزال مفقودًا.
4- «هذا الدين» و «المستقبل لهذا الدين» هذان الكتابان كتبهما الأستاذ بعد انتهائه من الظلال.. في فترة كانت معنويات الإخوان مهتزة.. كتب هذا الدين ليقول لهم إن هذا الدين ينمو بنمو حركتهم لا ينمو بصورة سحرية..
وكتب: «المستقبل لهذا الدين» موضحا الواقع الذي تعانيه حضارة الغرب، ويبين أن لم يبق للمستقبل إلا هذا الدين من أجل إنقاذ البشرية.
5- «الإسلام ومشكلات الحضارة» و«خصائص التصور الإسلامي».
كتب هذين الكتابين في أوائل سنة 64 ولقد حوى «الإسلام ومشكلات الحضارة» الكثير مما كان سيقوله في كتابه «أمريكا التي رأيت».
أما «خصائص التصور» فيعتبره الأستاذ من أهم كتبه وكان وعد بإخراجه باسم «فكرة الإسلام عن الله والكون والحياة».
وركّز في حواشي الظلال على الرجوع لهذا الكتاب.. وأكد على تلامذته بدراسة هذا الكتاب.
6- «مقومات التصور الإسلامي» لقد كتب الأستاذ هذا الكتاب كاملا.. ولكن لم يُطبع بعد لأنه لا تزال بعض فصوله مفقودة.. وقد كتب آخر فصل فيه قبل إعدامه بأيام.. وكتب الفصل الأخير على أوراق بطاقات الدعوة وسلمها لرجل وعد بإحضارها وإلى اليوم لم يحضرها.
ومن مراجعتنا للظلال نعرف بعض الفصول التي كتبها الأستاذ فقد كتب فصل «حقيقة الألوهية» وفصل «حقيقة الإنسان» وفصل «حقيقة الكون» وفصل «ألوهية وعبودية» وفصل «حقيقة الحياة» وهذا استنتجناه من حواشيه التي كتبها في الظلال.. ومما ذكره في الخصائص نعرف أنه كتب فصلاً في «التوحيد» هذا ما استطعنا أن نجمعه حول الكتاب.. وأغلب أجزاء الكتاب موجودة ولكن ينتظر أن تجتمع جميع فصوله ليطبع.. وهذا الكتاب يفوق بأهميته القسم الأول..
7- معالم في الطريق
وهو أبرز كتب الأستاذ كتبه داخل السجن وطبع وهو خارج السجن وحوكم من أجله والكتاب أشهر من أن يعرف.
8- نحو مجتمع إسلامي
هذا الكتاب لم يُعرف له مكان بعد.. ولكن من المؤكد أن الأستاذ كتبه.. وكان حريصا على إخفائه.. ويقول عنه الأستاذ بأنه كتاب ضخم.. وخلال تتبعنا لحواشي الظلال عرفنا بعض فصول الكتاب، وهي فصل «مجتمع متكافل» وفصل «نظام عائلي» وفصل «مجتمع أخلاقي» وفصل «مجتمع عادل» وفصل «نظام إنساني» وفصل «نظام أخلاقي».
والكتاب الذي في الأسواق لم يكتبه سيد.. بل أصدره المتاجرون باسمه.
9- «أميركا التي رأيت» كتب رؤوس أقلامه ثم صرف النظر عنه.
10- «في ظلال السيرة» كتب بعض فصوله ولكن لا يوجد منها شيء الآن وقد قال عنه في صفحة 341 من الجزء الحادي عشر «نرجو بتوفیق الله» «في ظلال السيرة» للوقوف طويلا أمام المواقف الموحية في السيرة.
11- «تصويبات في الفكر الديني المعاصر» في ص 556 من الجزء الثاني عشر عند الرد على العقاد مسألة تطور الأديان.
* مع المرشد حسن الهضيبي :
وقد سألت المرشد في إحدى الجلسات عن كتابات سيد.
- حضرة الوالد.. أشيع أن كتابات الأستاذ سيد -رحمه الله- لا تمثل فكر الإخوان - من قال هذا؟ إذن كيف عيّناه المسئول عن نشر الدعوة.. إن الأستاذ سيد هو قبل كل شيء أخي وهو أحسن رجال الدعوة في هذا العصر وكتاباته كلها الإخوان مسئولون عنها ولكن غير مسئولين عن تفسيرات الآخرين لها.. يا بني.. ربما قيل بعض الأشياء وتفوه بعض الناس ببعض الكلمات فنحن كنا في أوضاع يعلم الله بها.. الأستاذ سيد يكفي أني أقول عنه إنه رجل مجاهد لا مثيل له بين الرجال الذين شاركتهم في فترة مسئوليتي. لقد كان المرشد يرى الأستاذ رجلاً مجاهدًا وكان يجده أخًا وزميلا قبل أن يعده ابنا وظل المرشد وفيًّا لسيد طوال أيامه الأخيرة وكان ينظر إلى أسرة الشهيد بأنها أمانة في عنقه.. وعند زواج أمينة وحميدة ذهب إلى زواجهم لكي يكون موكلهم وولي أمرهم.. وكذلك بنت أخت الأستاذ وأعطاهم من جيبه كل واحدة خمسين جنيها تعبيرًا لحبه لهم.. وقال لهم أنتم أمانة وضعها سيد رحمة الله عليه بين يدي..
وهكذا يمضي الرجال.. وهكذا يرحل الأبطال أوفياء لعهدهم.. صادقين مع أنفسهم.. ليرسموا للدعاة طريق الدعوة..
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل