العنوان مع الشاعر محمد منلا غزيل نحو أدبْ إسلامي
الكاتب محمد حسن بريغش
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1974
مشاهدات 71
نشر في العدد 220
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 01-أكتوبر-1974
طاقة الريحان
ومن خلال استلهام الشاعر لحديث رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: «أوتيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي: أوتيت جوامع الكلم، وأرسلت إلـي الناس كافة، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، ونصرت بالرعب، وأوتيت الشفاعة» من خلال هـــذا الحديث يبين فضل العقيدة على الأمة، ويجعل منها منطلقًا لاستمرار الجهاد والدعوة في سبيل اللـه:
لئن أضل الهوى عباده سفهًا
وغـــر مخمورهــم تلك السمارير
لقد عرفنـا سبيـل اللـه واضحة
ما غرنا في ضلال التيه تحذيـــر
فسنة المصطفى درع ممنعة
نسيجها الحـــر تغيير وتطوير
وهذا هو طريق النصر بإذن اللـه
حين ينطلق جند الإيمان مخلصين مجاهدين لتطبيق منهج اللـه في الأرض- كل الأرض:
فلتركبي يا خيول النصر زاحفــــة
ولتحمل المشعـــل الأنسى المغاوير
فلترتقب قدسنا زحف الرجال غدًا
وخاب للكافر المحتـــل تدبيــر
إن الجهاد لماض رغـــم زوبعــة
كانت هباء وإن الحق منصور
8- وينظر الشاعر حواليه، يتلفت إلى ماضيه القريب والبعيد، فيرى ذكريات محببة خلفها في دمشق وحلب.. بين صحب وأحبة، مـــع زملاء وأخوة يوم كان ينشد أحلـــى أشعاره، ويحيي لياليها ومناسباتها بشعره العذب، فتغدو هذه الذكريات لديه آمالًا باسمة، ورفرفات قلب متعطش للمجد والحق، لهذا يقف بعد سنوات ليذكرها ويجمع حباتها المتفرقة، يبثها الشوق والحنين، ويمسح مآسيهــــا الندية، ويتحدى صعابها الشرسة، ويفرح لغدها المتألق بمعونة الله:
ها بعد عشر من غياب النجم عـــــن أفقـــي كوامل
لما تزل ذکری رؤاه في الخفايا مثــل وابـــل
فلتطوها يا أيها الملهـــوف في عمـــر التفاؤل
حــــر الجناح العبقري فلا خضوع ولا تخـــــاذل
وتثور في أعماقنا يا شام مسألـة المسائل
هل من لقاء ذات يوم بالأحبــــــة، بالشمائل؟
أتحاور أشواق الفؤاد كما الرماد هباء باطل؟
لا.. بل سيبقى قلعة الأشــــواق شامخة المعاقل
وحلب في وجدان الشاعر موطـن وذكريات وموئل معًا، فيها درج، وبها أينعت ثماره، وصلب عوده، وفـــي أرضها بد أغراسه، شهدته مدارسها وعرفته نواديها، فتركت في وجدانه ذكريات محببة:
شهباء في النفس أشواق مجنحــة
قد كبلتهــــا مع الأيــام ظلمـاء
قد أحدقت برؤى الوجدان حلكتها
وخيلت أنهــــا بكمـــاء صمــاء
دمست الصحب -باللصحب- لفحتها
فذاق لذع المعانـــاة الأخـــلاء
ما من وميض وما من جذوة سطعت
من جمراء شعاعها الوقار أضــواء
حتى توهج في الأعماق أعمقهـــا
ولاح مــــن برقـه الإلاق لألاء
شهباء طوفــت في الأرجاء منطلقًا
والذكريات وللأرجــــاء إيحاء
سبع مضين لهن الحب في حلـــب
سبع حسان فمخضاب ومعطــــاء
ويأمل الشاعر أن يحمل أبناء هذا الجيل في قلوبهم شعلة الحق والإيمان، ليكون على أيديهم استعادة الأرض المحتلة، واسترداد الحق المغتصب، في الجولان وسيناء والقدس وفلسطين كلهــا.
9- وشاعرنا الذي يمضي صعدًا في دنيا الأدب الإسلامي، يسعى لتقديم ألوان جديدة ثرية بأفكارها وأحاسيسها، عليها طابع الأصالة والصدق والعفوية معًا، وتتصل بواقع الحياة في كثيــر من صورها و مناحيها. وفي كل هذا يحرص على سلامة اللغة وأصالتها، وجمال الكلمـــة وشفافيتها وصحــة التعبير وقوته، وحرارة الوجــدان وصدقه، دون إخلال بقواعد النظـــــم أو التعبير.
إنه يعطينا اليوم صورة جديــــدة، حيث يرى ألوانًا من الشعر الحديـــث بما فيه من تشويهات -أحيانًا-، وصور يحجبها الذوق والفن والأصالة، وقواعد التعبير واللغة، لهذا يود أن يعطي نماذج أصيلة، يحافظ فيها على موسيقية الشعر وجماليته، وشفافية اللغة وصحتها، متحررًا مــــن بعض قيود النظم، دون أن يخرج عن أصـول الشعر.
من أجل هذا عمد إلى قصيدة مــن قصائده، فأعاد توزیع أبياتها بصورة لا يخرج فيها عن قواعد النظم، مـــع المحافظة على وحدة الموضوع.
يا طاقـــــة الريحــان:
إني أوثر التوزيع حـــرًا
حينًا، تجانب فيه أصداء الصدى قيدًا وأسرًا
وتصوغ خالصة المودة -للشهيد- رضًا وشكرًا
للرائـــــد الوثـــــاب
للقلم المسن الفذ تترى
ويبدأ في الصورة الأولى التي تمثل حياة الشاب المؤمن:
حياة طفولة
ودنيا جميلة
وقلب مندى بطهر الفضيلة
حياة حنين
سخي هتوف
وقلب دفوق بعطر اليقين
حياة غناء
سخي النداء
حياة مقيدة
دناها سعيدة
وقلب طموح نقي العقيدة
حياة صلاة
بأندی شفاه
وقلب نقي بحب الإله
حياة كفاح
ودرب جراح
وقلب شغوف برشف القراح
بحق صراح كوهج الصباح
حياة جهاد
حياة جلاد
حياة شجون
حياة سجون
وصبح ضحوك
وضيء الجبين
دلیل عبوس و فجر مبين
كلفح السعير
بقايا شرور
وقلب زخور بوهج الشعور
درب لطيف
رؤوف غفور
فهذه الحياة -الأنموذج- فيها شقاء، وصعاب، صفاء وآمال، كفاح وجهاد، صراع وعذاب وشهادة، طاعة وانطلاق، طمأنينة وثقة، كل ذلك في رضوان اللـه عز وجل لأنها تظل في عالم الإيمان، وبرحمة الرؤوف الغفور. ويظل القلب المؤمن بيـن يدي الرحمن متأملًا، لا يقطعه عن خالقه شيء من ظلمات الأرض.
إنها حياة المسلم في ليله ونهاره، في فرحه وترحه، في سلمه وحربه وفي كل أحواله، يصوغها الشاعـــر في هذا القالب الشعري الحديث، بعفوية وجمال وعذوبة معًا.
10- وبعد هذه الجولة في هذه المجموعة الشعرية لشاعرنا المؤمــن محمد غزيل، نخلص إلى أنه كــــان في شعره إسلاميًا واضح التصور، صادق العقيدة، يحمل إشراقة الأمـــل والثقة بالنصر، رغم مشادة الظروف وكثرة الصعاب، وظلمة الأحداث وشراسة الحاقدين.
إنه ينظر للتاريخ على أنه واقـع يتجدد، وما دام حملة العقيدة يتمثلون بالمنهج سلوكًا وتطبيقًا وحياةً، لهذا تتجدد الأحداث كوقائع معاصرة، وروح تستنفر الهمم وتحيى الآمال.
ولقد حمل لنا -من خلال شعره- روح الشباب وعزيمته، وشجاعة المؤمن وصدقه.
وحرص على التأكيد -دومـــًا- أن العمل مع الإيمان هو الطريق الصحيح للوصول إلى الغايات السامية، وأن الفلاح الحقيقي بمرضاة اللـه سبحانه وتعالى، ورسم لنــــا صورة حقيقية للمسلم: الإيجابي، شامــل النظرة، واسع الفكرة، قــــوي العزيمة، واضح الرؤية، نقــــي السريرة، طاهر الثوب، صادق الإيمان والعمل.
وشعره هو نفسه، ومشاعره المتأججة دومًا بتدفقه وشفافيته وعذوبتـــه.
إنه واضح المعالـــم في تصوره وأسلوبه معًا، ولهذا كان لنا واحدًا من الحداة، لركب الإيمان السائر على درب الحق.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل