العنوان د. حسن هويدي نائب المرشد العام يكشف: قصة الإخوان المسلمين في سوريا.. من النشأة إلى المنفى (2 من 4)
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 17-فبراير-2007
مشاهدات 123
نشر في العدد 1739
نشر في الصفحة 38
السبت 17-فبراير-2007
مع الرئيس أمين الحافظ وحافظ الأسد أحداث ساخنة
رفضت منحة لاستكمال دراساتي العليا للطب بالجامعات الفرنسية وعدت إلى «دير الزور» لأمارس الطب والدعوة
اعتقلتني السلطات زمن الوحدة فتخوف الناس من المجيء للعيادة.. وكان خيرًا لي فتفرغت للدعوة تمامًا
استدعاني الرئيس الأسد من المعتقل واعتذر عن اعتقالي.. وقال لي: «عندما تأتي من «دير الزور» فإن القصر مفتوح لك»
بعد اللقاء اتصل بي القصر الرئاسي عارضًا تولي وزارة الصحة.. وطلب وقف التصعيد المتبادل بين الإخوان والحكومة والالتقاء حول القضايا المشتركة في الحكم.. لكن بعض القواعد الشبابية رفضت ذلك فنزلت على رأيها
تناول د. حسن هويدي نائب المرشد العام للإخوان المسلمين في الحلقة الماضية بدايات نشأة الجماعة في سوريا واتصالاتها بالمركز العام في مصر عبر د. سعيد رمضان، ودور الأستاذ مصطفى السباعي في توحيد المراكز الإسلامية المنتشرة في ربوع سوريا في عام ١٠٤٢م، وزيارات الإمام المؤسس حسن البنا للمركز العام في دمشق.. وفي هذا العدد يواصل الرحلة منذ تخرجه من كلية الطب وانطلاقه في مسيرة الدعوة إلى الله والاعتقالات التي تعرض لها وعلاقته بأمين الحافظ رئيس الجمهورية الأسبق ولقائه المطول مع الرئيس السوري السابق حافظ.. وماذا دار فيه ونجم عنه؟!
. بعد التخرج هل بقيت في دمشق؟
- بعد التخرج عدت إلى دير الزور... فتحت عيادة مع أنه بعد التخرج كان هناك ما يغري بالنسبة لي.. وكان أستاذنا في الأمراض الداخلية والباطنة... د. مدني الخيمي.. يحبني ويثني علي.
ولما تقدمت إلى فحص الدكتوراه قال لي: الآن أنت حصلت في الأمراض الباطنة على الدرجة الأولى ۲۰/۲۰، وهذه العلامة لم يحصل عليها أحد في تاريخ الجامعة، وكانت أعلى علامة ۲۰/۱۸ وقال: هذه مقدمة لأننا سننظم بعثة إلى فرنسا في التخصص لك ولاثنين أو ثلاثة معك وترجع أستاذًا مساعدًا في كلية الطب، فشكرته واعتذرت.. تعجب الرجل لأن هذه فرصة يتوسط لها كبار الناس هذا مستقبل.. وقال لي: ستعود أستاذًا في كلية الطب، ثم عميدًا للكلية وبعدها رئيس جامعة حسب تصوره وترغيبه.. تعجب كيف أرفض هذه العروض المغرية؟ لقد كان أمل أهلي أن أتخرج وأعود إلى أهلي ومدينتي، فرجعت إلى دير الزور. وفتحت عيادة وكان عملي بين العيادة والعمل الإخواني... لكن العمل الطبي إن لم تتفرغ له تمامًا ينفض عنك الناس.. وكان انشغالي عن عملي الطبي غير مريح نسبيًا عند أهلي، حتى غلب العمل الدعوي على الطبي وحدثت بعض الاعتقالات في زمن عبد الناصر وزمن الوحدة والبعثيين فتخوف الناس من المجيء للعيادة.. وبعدها تفرغت للدعوة تمامًا...
. أول اعتقال متى كان؟
كان هناك اعتقال في بلدنا دير الزور لا أتذكر المناسبة حوالي سنة ٦٤ – ٦٥ فيما نسميها بحوادث الدستور، في عهد نور الدين الأتاسي أو بعده الله أعلم، وقد اعتقلت أربعة أيام وتسبب ذلك في توتر المدينة.. وقد حذر وجهاء المدينة والمفتي وغيرهم السلطات من أن ذلك سيشعل المدينة الهادئة.. فكان القرار بالإفراج عني ومعي بعض الإخوان. يومها جاءني مسؤولون واسترضوني وقدموا لي باقة ورد.. وهذا كان استفتاح الاعتقالات، وبعدها بأشهر حدث اعتقال آخر في شهر رمضان المبارك، في زمن البعثيين، وكان رئيس الجمهورية وقتها هو «أمين الحافظ»، يومها استدعتني المباحث، وبعد نقاش قالوا لي: «عايزينك في دمشق»، فذهبت إلى هناك فأخذوني إلى سجن في دمشق اسمه سجن الشيخ حسن، وهو سجن عتيق وبه زنازين منفردة، ومكثت هناك أيامًا.. لم تطل بسبب تدخل د. يوسف زعين رئيس الوزارة في ذلك الوقت الذي جمعتني به زمالة، فهو من بلد قريب من بلدنا، وأدينا معًا فترة خدمة العلم في الجيش، وقد تخرج بعدي في كلية الطب وكانت بيننا مودة رغم أنه بعثي، ولذا فقد ذهب إلى أمين الحافظ وقال له: هذا رجل نشهد بأخلاقه وأمانته واستقامته وقد نجحت وساطته مع آخرين لدى أمين الحافظ فأخرجني وزملائي بعد حوالي ١٥ يومًا.. لكن بعد الخروج كان المفروض أن نقابل مدير المخابرات العامة وقابلناه بالفعل لمدة أكثر من ساعة قال لي خلالها: كان تصوري عنك غير ما أرى الآن، كنت أتصور كذا وكذا، وكلها صور كاذبة، لكن
الآن وجدت صورة بالعكس مخالفة لكل ما وصل إلينا وقال: تأتينا في دمشق وتزورنا وتحدث بكلام طيب كثير.
أما أمين الحافظ فقد صرنا من صحبه بعد عزله، وكان قبل أن يكون رئيسًا للجمهورية، قائدًا للمنطقة الشرقية في سوريا في دير الزور، وكنت ساعتها في خدمة العلم طبيبًا بالمستشفى العسكري، وكنا نذهب إليه مرات نطيبه ويأتي ليزورنا وكانت فكرته طيبة عنا.
أما الاعتقال الأخير فقد كان في زمن حافظ الأسد بشأن الدستور وما ورد فيه بشأن رئيس الدولة ودين الدولة، وحدث توتر كبير في البلاد، كما حدثت اعتقالات واشتدت الوطأة.. وأخذونا ساعتها إلى «سجن المزة» في دمشق حيث أمضينا حوالي 5 أشهر.
. خلال تجاربك في السجون –وإن كانت قصيرة– من عهد إلى عهد ما الذي لاحظته من أوضاع السجون؟
زمان كانت السجون أفضل بكثير مما صارت إليه الآن، لقد سجنت في دير الزور، في زمن أمين الحافظ، وكانت الأمور عادية داخل السجن، وحتى لما خرجت اعتذروا لي وقدموا لي وردًا، بعدها كان الاعتقال الآخر في دمشق، صحيح في زنزانة منفردة، لكن لم يكن هناك تعذيب أو قتل، وتعودنا على الزنزانة، وخرجنا منها وتعرفنا فيها إلى مدير المخابرات العسكرية، وجرى حديث بيننا وبينه وبعدها كان الاعتقال الأخير في زمن حافظ الأسد بسبب الدستور وكان السجن أشد وطأة من السجون الماضية، لكن لم يكن هناك التعذيب الوحشي الذي جرى بعد ذلك يعني أثناء التحقيق مثلًا، واحد يضربك كفًا.. أو يدفعك أو يركلك أو – ما نسمعه من هذه الأفعال.. ثم يتم الترحيل إلى زنزانة شهرًا أو شهرين وبعدها يتم الترحيل إلى «المهجع» «عنبر كبير»، وفيه التقينا تشكيلة كبيرة... بعثيين.. ناصريين... إخوان.
في المهجع يعيش من ٦٠ – ٧٠ معتقلًا به دكة ودورة مياه واحدة.. وفيه يمكننا طلب كل ما نريد من طعام وفواكه مقابل دفع التكاليف، وذات مرة طلبنا مصاحف فأحضروها لنا.. كان الجو أفضل من الآن، وأنا في الزنزانة طلبت مقابلة مدير السجن وكان نصرانيًا من نصارى حوران في جنوب سوريا وهم عرب فعلًا في أشكالهم وأقوالهم وأفعالهم. وأعتقد أنهم من زمن الغساسنة عندما كانوا في الشام واسمه «رسمي العيد». واستقبلني استقبالًا جيدًا وأصر على إحضار القهوة لي وكان عنده نوع من الشهامة.. كنت أعاني من متاعب في الكلى والقلب، فجاء لي بطبيب وآخر، وقال لي: كل ما تطلبه أنفذه لك إلا هذا الباب... مشيرًا إلى باب السجن، ما أقدر أفتحه لك... لكن بقي النوم والماء مشكلة والاستراحة محدودة إنه السجن.. وظل الأمر كذلك إلى أن فاجؤوني في يوم من الأيام ونادوا علي وأخبروني بأنهم سيخصصون لي موعدًا كل أسبوع للاستحمام، لكن في مدة محدودة يعني عشر أو سبع دقائق. وقالوا لي: يمكنك أن تذهب وتغتسل الآن.. فذهبت واغتسلت... ثم قالوا لي حضر شنطتك.. وذهبت إلى مدير السجن.
لكني لم أستطع معرفة الحكاية بالضبط.. اعتقدت أنهم بصدد نقلي إلى سجن آخر لأنهم لا يحبون التجمعات فذلك يضايق إدارة السجن كثيرًا.. لدرجة أن مدير السجن عندما كان يرى تجمعات في العيد يتضايق ويقول الشيء اللي جابكم «لهون» لا تعملوه مرة ثانية.
المهم غادرت السجن وصافحني مدير السجن بحرارة وفاجأني قائلًا: إن شاء الله اليوم تبات عند الأهل يعني معناه إفراج، فقلت له: شكرًا على معاملتك الطيبة، ودعني الرجل، وأخذوني إلى قيادة القوة الجوية وكان يرأسها لواء من مدينتنا اسمه «ناجي جميل» وقد تعاون مع حافظ الأسد وكان عضده الأيمن، ثم أحيل للتقاعد.. جلست معه فأخذ يواسيني ويعتذر لي، وكان هناك وقتها وفد كبير قادم من بلدنا يطالب بالإفراج عني فقابلهم «جميل» وبعدما ودعني قال لي: أنت غدًا عندك لقاء مع الرئيس، وسنرسل لك ضابطًا ليأخذك إلى القصر. قلت له: خيرًا إن شاء الله. وكرر القول هناك موعد مع الرئيس، فقلت: لا يصح أن أسافر إلى دير الزور. وأهمل الموعد، فكن مطمئنًا وفي اليوم التالي بالفعل أرسلوا لي ضابطًا.. وذهبت معه إلى القصر.
. ماذا دار في المقابلة؟
. الحقيقة... عندما جلست مع الرئيس لمست أنه أسف على اعتقالي. لأنه ما كان على أي شيء يومئذ يستطيعون أن يدينوني به، وكان الحديث في معظمه
صفحة ٤٠
نوعًا من الاعتذار عن مثل هذه الاعتقالات. وذكر لي اسم سعيد حوى - يرحمه الله – وبعض الناس الذين تم اعتقالهم وقال لي: أنت كرئيس عندما يخبرونك أن هناك مظاهرة في حماة – مثلًا – تزايد عددها.. وأنا قلت لهم: اتركوهم ثم قالوا لي: اقتربت ناحية الحزب، قلت لهم: اتركوهم، ثم أخبروني حاصرت الحزب قلت لهم: اتركوهم وهكذا.. ضع نفسك مكاني.. فماذا تفعل؟! ثم قال: لهذا اضطررت إلى الاعتقالات... هكذا يقول هو!
الحديث كما قلت من أوله كان بمثابة دفاع عن النفس، وبعد ذلك صار حديثًا عن العروبة والإسلام، وأنه يرى الملازمة بين العروبة والإسلام، وأنه يطالب بعقيدة إسلامية، هكذا يدعي!
وقد لمست ارتياحه للمقابلة، حتى إن التشريفات ذكرته أكثر من مرة باجتماع للجبهة الوطنية التقدمية، إلا أنه واصل حديثه معي، وقال لي في نهاية اللقاء: عندما تأتي من دير الزور، فإن باب القصر مفتوح وانصرفنا، وعندما عدت إلى دير الزور كانت هناك وفود كثيرة جاءت تزورني في البيت واتصل بي رئيس الأمن القومي، وسلم، وقال لي عندك احتفال كبير، وبلغني أن المسؤول الأمني قال للرئيس: إن حزب البعث في تاريخه كله لو فيه واحد فقط مثل الهويدي كنا كسبنا مكسبًا كبيرًا على المستوى الشعبي.
. وهل كنت وقتها مسؤولًا في الإخوان؟
كنت وقتها أرأس مركز دير الزور ومن قبل في زمن الأستاذ السباعي كنت عضوًا في المكتب التنفيذي في القيادة بدمشق. وبعدها.. بعد هذا اللقاء مع الرئيس بحوالي أسبوعين، عدت إلى دير الزور... وهناك علمت أن البلدة شكلت وفدًا كبيرًا من وجهائها وذهب إلى دمشق ليطالب بالإفراج عني وأنا طبعًا لا أدري.. لكن الرئيس الأسد خلال المقابلة قال لي: أنت مدينتك كلها تحبك، ومدينتك مجتمعة عليك.. لكن لم يمض أسبوع على المقابلة إلا وسرت شائعة في دير الزور بأنني وزير الصحة القادم.. لكني وقعت في حيرة بين الاستجابة وعدمها، وسألت الله: ماذا أفعل؟
وفي يوم من الأيام جاءني نفر من الأمن في العيادة وطرحوا على الموضوع فقلت لهم هذه شائعات في الأسواق فقالوا لي: لا.. هذه ليست شائعات ونحن جئنا لنأخذ منك قولًا في الموضوع فكان ردي عليهم هذا الأمر بيني وبين الرئيس هم لمسوا الروح التي أتحدث بها لكنهم سكتوا وانصرفوا.
. ولماذا لم تستثمر هذا الانطباع الجيد من الرئيس الأسد وهذا الاحترام المتزايد في حزب البعث في تلطيف العلاقة مع الحركة الإسلامية؟
- أعتقد أن الأمور بعد ذلك كانت تسير في سهولة.. وبالفعل تحدث معي ناجي جميل أكثر من مرة وقال لي مرة في اتصال من القصر الجمهوري: لماذا لا تتعاون؟ ... أنتم جريتم السجون.. ونحن جربناها معكم، وثبت أنها بدون فائدة؟
فقلت له: كيف؟! قال: إخوانكم في مصر في السجون من عشرين سنة.. قلت له وخرجوا أقوى مما كانوا عليه.. فقال: جربونا يا أخي في أمور نحن نلتقي عليها. مثلًا الوحدة العربية كلنا نبغيها.. نحن وأنتم.. القضية الفلسطينية.. موقفنا منها واحد، وقيم الإسلام نؤمن بها ولا تنازعكم فيها، فدعنا نتعاون ولنجرب أن نتعايش على ذلك ولنترك كل القضايا الدينية والإسلامية لكم، وإذا لم نعجبكم ردوا وثوروا علينا مرة ثانية، وبالطبع قال لي ناجي جميل هذا الكلام بتوجيه من الأسد - ونحن كنا في الأصل نود السير في هذه المرحلة على هذه الشاكلة، فهذا ينمي الوجود الإسلامي ويفسح لنا حرية إصدار صحيفة إسلامية مثلًا ويحمي إخواننا من الاعتقالات وغيرها من الأنشطة، لكن تيارًا من الشباب كان حماسهم يغلب على هذا التوجه.
. يعني ممكن أن نقول إن القواعد الشبابية هي التي حالت دون ذلك؟
- نعم.. فحماسها غشى على أبصارها ولا نستطيع الوقوف في وجوه إخواننا بهذا الشكل، فتوقفنا.. ولكن الأمور تطورت بعد ذلك وتصاعدت..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل