; مع.. الأستاذ عبد الكريم الخطيب بين مؤتمرين | مجلة المجتمع

العنوان مع.. الأستاذ عبد الكريم الخطيب بين مؤتمرين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1974

مشاهدات 0

نشر في العدد 192

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 19-مارس-1974

لقاءات المجتمع


بقلم: أبو سمية

في الشهرين الأخيرين، اجتمعت الأمة الإسلامية مرتين: مرة ممثلة في وفود شعوبها الإسلامية في مؤتمر «الحج»، ومرة ممثلة في وجود حكامها في مؤتمر القمة الإسلامي بلاهور.

ولعل السؤال الذي كان يدور في أذهان الجميع، شعوبًا وحكومات، هو «ما الطريق إلى بعث الأمة الإسلامية، لتتبوأ مكانها الحضاري اللائق بها من جديد».

وأما الجزئيات الأخرى، فهي تندرج بصورة أو أخرى تحت راية هذا السؤال المصيري الكبير.

وفي رحلة مندوبنا إلى الحج حاول أن يبحث عن إجابة لهذا السؤال المصيري، سواء من خلال التعرف على حال الشعوب الإسلامية وسواء بلقاء بعض المفكرين الإسلاميين.

وقد وجه مندوب المجتمع أربعة اسئلة، إلى بعض المفكرين الإسلاميين، في هذا المؤتمر الكبيرة، وهي أسئلة تدور كلها حول هذا السؤال، والأسئلة الأربعة هي:

  1. ما الطريقة إلى إقامة الإسلام كنظام وعقيدة؟

  2. ما وسائل نشر الإسلام في الداخل والخارج؟

  3. ما الدور الذي يمكن أن يقوم به الإسلام في خدمة الإنسانية في العصر الحديث؟

  4. ما الوسائل التربوية، والمناهج التعليمية الواجب الأخذ بها في هذه الفترة؟

وضيف هذا العدد هو الأستاذ عبد الكريم الخطيب، الرجل الذي قدم للمكتبة الإسلامية أكثر من أربعين كتابًا في الدين والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وأحد مؤلفاته هو التفسير القرآني للقرآن الذي يقع في ستة عشر مجلدًا، وقد ترجمت بعض كتبه إلى الفرنسية والإنجليزية، كما كتب كثير من المستشرقين عن بعض دراساته في المجلات الأمريكية.

.. وهو -مشكورًا- يتصدى في هذا العدد للإجابة على الأسئله الأربعة السابقة الذكر.

  • السؤال الأول: ما الطريق إلى إقامة الإسلام كنظام وعقيدة؟

  • هو طريق واحد، لا طريق للأمة الإسلامية سواه، وهو اتخاذ كتاب الله، وسنة رسول الله دستورًا لدنياهم وآخرتهم جميعًا، واستصحاب السيرة العظيمة لخلفاء رسول الله، وصحابته من بعده، والاقتداء بهم في خاصة أنفسهم، وفي صلتهم بالمجتمع الإسلامي والإنساني كله.

وليس معنى اتخاذ كتاب الله وسنة رسوله دستورًا للمسلمين، أن يكون ذلك مجرد شعار مكتوب في دساتير الأمة الإسلامية وقوانينها، أو مواعظ وخطبًا تلقى على المنابر وينادى بها في الأندية والمحافل، فإن ذلك أن لم يصحبه رصيد عظيم من الإيمان الوثيق بكل كلمة تقال، والعمل المتطابق مع كل آية تتلى من كتاب الله، وكل حديث يروى عن رسول الله: لا يعدو أن يكون أصواتًا ضائعة، وأصداء ضالة، لا تجاوز الأذان إلى مصافحة العقول، وملامسة القلوب!

ولو أن المسلمين استقاموا على آية واحدة من كتاب الله، أو توجيه واحد من سنة رسول الله، وأقاموا من ذلك راية يجتمعون عليها، ويعملون في ظلها، لتغيرت أحوالنا، ولزايلنا هذا الذي نحن فيه من تخلف مشين عن ركب الحياة، حتى أصبحنا نقاد ولا نقود، ونساس ولا نسوس، ونأخذ ولا نعطى، وقد كنا يومًا قادة ركب هذه الحياة، وساسة الإنسانية كلها، والمعطين الخير المصفى من کل کدر بغير من ولا أذى، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (الرعد: 11).. وأنه لن يغير الله ما كسبنا من ضعف وتخلف حتى تغير ما بأنفسنا مما دخلها من جفوة للدين، وفقه لآيات الكتاب الكريم، ولسنة الرسول الأمين، وعمل بكل آية نتلوها، وبكل حديث ترويه..

يقول أبو عبد الرحمن السلمى -رضي الله عنه-: حدثنا الذين كانوا يقرءون القرآني يحفظونه- كعثمان بن عفان، وعبد الله بن سعود، وغيرهما -رضوان الله عليهم- أنهم كانوا إذا تعلموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لم يتجاوزوها، حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل.. قالوا: فتعلمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعًا.

وروى أحمد في مسنده أن ابن عمر -رضي الله عنه- أقام على حفظ البقرة ثماني سنين فهذه المدة المتطاولة من السنين في حفظ سورة البقرة لم تكن لمجرد حفظها، وترديدها غيبًا من غير نظر في مصحف، وإنما كانت تلك السنين مرابطة بين يدى كل آية من آياتها ليعلم ما فيها من أمر فيانيه، أو نهي فيتجنبه، فلا يجاوز الآية إلى غيرها حتى يعرض نفسه عليها، ويعلم يقينًا أنه حقق معنى الآية، وصدق بعمله مائلًا بلسانه، وألا عد نفسه واقعًا تحت هذا الوعيد المزلزل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (الصف: 2:3)، إن أية دعوة مهما تكن محاملها من الخير إن لم تجد لها أذنًا واعية، وقلبًا متفتحًا وعقلًا مستجيبًا، وجوارح عاملة، لا يمكن أن تعطى تمرًا، ولا أن تطلع زهرًا.

ونحن المسلمين، لا تنقصنا الأموال، ولا ينقصنا أولئك الذين يحسنون القول في بيان مبين، وبلاغة بليغة، ولكن الذي نشكوه هو أولئك الذين لا يعملون بما يقولون، حيث يرى المرائي منهم قولًا، ولا يرى عملًا، فيقع في نفسه الشك والاتهام لما يسمع، وإن كان هذا المقول حقًا وصدقًا، وإن كان آية من كتاب الله، أو حديثًا عن رسول الله، إذ يتردد في صدره أكثر من سؤال بنير الحيرة والبلبال، ولماذا لم يعمل هذا الداعية بما يقول، لو كان مصدقًا به، واثقًا من أثاره الطبيبة في دنياه وآخرته؟

أن بعث أمتنا الإسلامية، قريب، وبعيد.. فهو قريب، قريب، لأن الدواء بين يديها، لا تتكلف له طلبًا، ولا نبذل له ثمنًا.. فهذا كتاب الله، وذلك سنة رسول الله، وفيهما الدواء والشفاء، وما عليها لكي تحيا وتسلم وتسعد إلا أن يقوم فيها دعاة الخير من قادتها، وساستها، وعلمائها وفقهائها، فيكونوا للناس أعلام هدى، ومنارات هداية، بأقوالهم وأفعالهم، مستهدين بالشريعة الغراء، داعين إلى التزامها، فإنهم أن فعلوا، وكانوا على هذا الوصف، تبعهم الناس، وتأسوا بهم، وأخذوا طريق الحق معهم.. فالناس على دين ملوكهم، كما يقولون، والصغير مولع دائمًا بتقليد الكبير وأنه بغير هذا سنظل نسمع صيحات الداعين، وعظات الواعظين، دون أن نتحرك من مواقعنا، أو نتحول عما نحن فيه، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب: 21).. والأسوة الحسنة هي في الاقتداء برسول الله في أخلاقه العظيمة، وسيرته المحمودة، وليست في ترداد أحاديثه الشريفة، وسرد سيرته العطرة من أفواه لا يعمل أصحابها بتلك الأحاديث، ولا يتمثلون بهذه السيرة ويقتدون بها..

  • السؤال الثاني: ما وسائل نشر الإسلام في الداخل والخارج؟

  • قلنا إن الإسلام إنما تتجلی آياته، وتسطع أنوار شريعته في اتباعه الذين آمنوا به، وانتسبوا إليه..

وليس الإسلام وحده هو الذي يأخذ تلك الصفة، وإنما هي وصف كاشف لكل معتقد، حيث أنه قبل أن ينظر الناس في أي مذهب، أو أي معتقد ينظرون أولًا في اتباع هذا أو ذاك ثم بقدر ما يرى الناس في هؤلاء الأتباع من أثار مذهبهم الذي تمذهبوا به أو معتقدهم الذي اعتقدوه، تكون استجابتهم لمذهبهم أو معتقدهم، أو يكون تجافيهم لهما، وبعدهم عنهما..

والدعوة إلى الإسلام، إنما يتحدث عنها بأبلغ لسان، ويكشف عن مضمونها بأوضح بیان، هو ما يراه غير المسلمين من استقامة في السلوك، وإخلاص في العمل، وصدق في القول، وأمانة في الأخذ والعطاء، وتوازن في الماديات والمعنويات، هنا يكون المسلم خير داعية لدينه بشخصه لا بلسانه، وهنا يجد غير المسلمين في الإسلام الذي راوه حقيقة في وجه أصحابه، ما يهتف بهم إلى اللحاق بأهله، والاستظلال بظله، ليأخذوا حظهم من هذا الخير، الذي أثمر هذا الثمر الطيب الكريم..

أما احتراف الدعوة إلى الإسلام، وحشد الدعاة لها من الموظفين الحكوميين، ليبشروا بدين الله، بأقوال لا تصدقها أفعال، فذلك أبعد ما يكون عن التوفيق الذي يصادفه الداعي في مجال دعوته، ذلك التوفيق الذي لا يتحقق إلا لمن أعطى الدعوة إلى الله حقها من الولاء لها، والتجرد من كل نفع مادي منها، حيث يؤدي هذه الرسالة الشريفة حسبة الله، ناذرًا لها نفسه أذر المجاهدين، والمستشهدين في سبيل الله..

أن الغالبية العظمى من هؤلاء المبعوثين الحكوميين للدعوة إلى دين الله، هم موظفون، طلاب مناصب، يؤدون مهمتهم تلك بروح الموظف الذي تحكمه اللوائح، ويتحكم فيه «الروتين»، وليس من همه الأول أن ينذر نفسه للجهاد من أجل نشر دين الله!.

وقد يكون في هذا القول شيء من المرارة والقسوة، وربما شيء من عدم الإنصاف لبعض المبعوثين، ولكنه الواقع الذي لا يمكن إنکاره، وبين يدي هذا الواقع أكثر من شاهد يشهد له، وحسبنا في هذا المقام أن نشير إلى تلك المواطن التي دخلها الإسلام في جنوب أفريقيا، ووسطها، وشرقها، وغربها، وفي أقاصي الصين والهند، واليابان، وغيرها في مشارق الأرض ومغاربها.. فهل كان لهؤلاء المبعوثين الرسميين أي أثر في هذا؟.. إن الذين دخلوا في الإسلام في تلك المواطن كان دخولهم عن طريق الاتصال ببعض التجار من المسلمين، الذين تنقلوا في تلك المواطن تجارًا، أو استوطنوها، وخالطوا أهلها، ولم يكن من غابة هؤلاء التجار الدعوة إلى الإسلام، أو التبشير به، ولكن باحتكاكهم بأهل البلاد بهم، تعرف الناس على شيء من حقائق الإسلام في عقيدته وشريعته، فرأوا في هذه الحقائق تجاوبًا مع فطرتهم، فاستجابوا لدين الله وآمنوا به..

.. تقول السيدة عائشة في وصف رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه: «كان خلقه القرآن» وبهذا الخلق العظيم فتح الرسول الكريم القلوب إلى تصديقه، والإيمان برسالته قبل أن يقرأ شيئًا من القرآن الكريم على الذين دعاهم للإسلام، فكانوا السابقين الأولين إلى دين الله..

فالدعوة التي تشرح الصدور لدين الله، إنما تكون حين تتمثل تطبيقاتها في الأمة المؤمنة بها، وحين تتطابق كلماتها مع سلوك الداعي الذي يدعو بها..


السؤال الثالث:

  • ما الدور الذي يمكن أن يقوم به الإسلام في خدمة الإنسانية في العصر الحديث؟

  • إذا كان للإسلام دور في خدمة الإنسانية ونفعها منذ طلعت شمسه على هذا الوجود، وهذا ما كشفت عنه التجربة، وشهدت به الحياة وسجلته صحف التاريخ بأيدي أولياء هذا الدين وأعدائه على السواء نقول إذا كان للإسلام دور في خدمة الإنسانية، ونفعها فيما انسلخ من عمر الزمن، فإن دوره اليوم مهيأ له على أكمل وجه وأتمه، حيث تدلت الإنسانية إلى الهاوية المشرفة بها على الهلاك وليس ثمة من منفذ لها من هذا العصر المشئوم إلا دين الله، الذي أراده الله تعالى أن يكون خاتمة الأديان، وأن يصحب الإنسانية في مسيرتها إلى يوم الدين، وأن يكون الدليل الهادي لها حين بلغها الضلال، ويخيم عليها الظلام، فيطلع الإسلام عليها طلوع الشمس على ركب ضل طريقه في البيداء..

إن العالم اليوم، تتحكم فيه قوتان، تعملان فيه معاول الهدم والتدمير لكل معاني الإنسانية، وتغتالان كل صالحة في كيان الإنسان، من مشاعر الإخاء، وعواطف الحب، والمودة، والرحمة..

والقوتان هما الرأسمالية، من جانب، والشيوعية، من جانب آخر..

وتقوم الرأسمالية على تأليه الفرد، وإطلاق يده لجمع المال من أي طريق، وبأية وسيلة الأمر الذي جعل من المال ألهًا معبودًا، وجعل من أصحاب المال ألهة يعبدون من دون الله، يستعبدون الفقراء، ويتحكمون في أرزاقهم ويستهلكون قواهم في العمل لهم، ومضاعفة المال الذي في أيديهم..

وتقوم الشيوعية على اغتيال ذاتية الفرد، ومحو شخصيته، وإذابة وجوده في هذا الكائن الجبار، الذي يعرف بالدولة.. فالإنسان في هذا النظام ليس إلا مجرد مسمار أو ترس في تلك الآلة الجهنمية التي تدور للإنتاج من أجل الدولة، ذلك الإنتاج الذي لا ينال منه الإنسان إلا ما تنال البهيمة من طعام كي تعيش وتعمل، وتدر لبنًا، أو تعطي لحمًا..

وقد أخلى الدين مكانه في عالم المادية الرأسمالية، وفي عالم الشيوعية الملحدة.. على اختلاف في الصورة!!

والإسلام، هو الدين، الذي يبحث عنه الملحدون في الغرب، واللادينيون في الشرق.. وفرصة الإسلام اليوم سانحة لدخول العقول التي اصطدمت بحقائق ما كانت تدين به من دين.. فالإسلام هو الدين الذي لم يدخل في تلك التجربة التي دخل بها الدين المسيحي في صراعه مع العقل، ولو دخل الإسلام في تلك التجربة، والتقى مع تلك العقول العلمية، لتصاغرت العقول بين يدي آياته، ولارتدت أبصار العلماء حسيرة، وهي تطالع روائع أحكامه، وتتملى في محكم تشريعاته..

ويحتاج الإسلام في أداء دوره هذا الذي يرد به للإنسانية اعتبارها، ويصحح به وجودها، ويمسك بها أن تذهب مذاهب الضياع والهلاك، يحتاج في هذا إلى أمرين:

أولهما: انتفاع المسلمين بهذا الدين أولًا، وإقامة حياتهم الفردية والاجتماعية على شريعة هذا الدين.

وثانيهما: وبعد أن يتحقق الأمر الأول، يقوم بحمل رسالة الإسلام إلى العالم جماعة متخيرة من أهل العلم، والورع، متخذين من أنفسهم ومن سلوكهم تفسيرًا عمليًا حيًا، وتطبيقًا واقعًا لشريعة هذا الدين..

  • السؤال الرابع:

  • ماذا ترى في منهج التربية، ومناهج التعليم الإسلامية الحديثة؟

  • المقصود بالتربية هنا، هي الوسائل التي يعالج بها المربون النشء من مطلع حياتهم إلى أن يستووا على مرحلة الشباب، ويصبحوا رجالًا عاملين.. وبهذه المعالجة يغرس المربون في عقول النشء علوم العصر ومعارفه، كما يسوقون إلى قلوبهم ومشاعرهم ألوانًا من المثل الطبيبة، والأخلاق الكريمة، التي تكون موجهة لما حصلوه من علم ومعرفة إلى ما هو نافع ومفيد لهم ولمجتمعهم وللمجتمع الإنساني عامة..

إن القائمين على شئون التربية من أساتذة ومعلمين إنما يقومون بأشرف مهمة، وبأعظم رسالة، بعد رسل الله إلى الناس في هذه الحياة..!

ومن هنا كان على كل معلم، أن يكون على صفات علمية، ونفسية، وخلقية، تجعل منه ذلك الرسول الذي يؤدي هذه الأمانة العظيمة، ويقوم بحقها كاملًا، فيغذي العقول بالعلم الصحيح، وينتصب منه المثل الواضح، والقدوة المصالحة في مكارم الأخلاق، فإن لم يكن المربي على هذا المستوى الرفيع في علمه وخلقه، أفسد العقول والقلوب، وهدم كل صالحة في الإنسان الذي يقوم على تربيته وكيف يرجى من جاهل تثقيف، أو ينتظر من منحرف تهذيب؟

لهذا كان النظر في اختيار المربي، وفي التعرف على مدى استعداده وصلاحيته لأداء هذه الرسالة الكريمة، القائمة على ميراث من رسالة الرسل -عليهم السلام- أمرًا على جانب عظيم من الأهمية في مقام تربية النشء وإعداد الشباب، بحيث إذا توفر إعداد المربي الصالح علمًا وخلقًا، كان من اليسير اختيار المنهج الملائم لكل مرحلة من مراحل التعليم، ولكل طائفة من طوائف المتعلمين..

فالمنهج -أيًا كان- إنما مرده إلى العلم أولًا وأخيرًا ، فهو الذي بكماله يكمل أي منهج، وبحيويته يبعث فيه الحياة من روحه، كما أنه يمكن أن يفسد أي منهج، ويحيله سرابًا، إذا هو لم يكن أهلًا لحمل أمانة التعليم..

وإذا كان المعلم هو نتاج تربية ومنهج، بمعنى أنه قبل أن يؤهل لهذا المنصب، تربى على أيدي المربين، وأخذ بمنهج خاص في التربية، وهؤلاء المربون تربوا على أيدي غيرهم، وأخذوا بمنهج في التربية.. وهكذا، الأمر الذي يجعلنا إزاء سلسلة متصلة الحلقات، لا نهاية لها، فكيف نضع أيدينا على أول الحلقة في تلك السلسلة؟

إن أول ما ينبغي أن يلتفت إليه في هذا المقام، هو بعث روح جديدة في الأمة الإسلامية، وذلك بالقيادة الرشيدة المؤمنة من ساستها، وقادتها وعلمائها، وأهل الخير فيها، ليردوا بالأمة الإسلامية موارد شريعتها الصافية، عندئذ يقوم من هذا البعث العام للأمة الإسلامية أعداد كثيرة من المصلحين الراشدين، في شتی مرافق الحياة، ومن بينهم نجد المربين الصالحين لتنشئة الصغار وتربية الكبار..

ثم يأتي بعد هذا دور اختيار المنهج الذي يتلقى منه المسلمون -صغارهم وكبارهم- الزاد الطيب الذي ينمي عقولهم، ويقوم سلوكهم ولا شك أن أسس هذا المنهج يجب أن يكون مصدره الأول مستقى من ينابيع الثقافة الإسلامية، بتعدد ألوانها، من شرعية، ولغوية، وأدبية، وتاريخية، وعلمية، وغيرها مما عالجه العقل الإسلامي، وشارك فيه علماء المسلمين في أجيالهم المتعاقبة.. ثم يجيء بعد هذا الأخذ بما جد من علوم ومعارف في مختلف فروع العلم والمعرفة مما سبقنا إليه غيرنا من أمم الغرب، على أن يكون هذا الأخذ بحذر، وبحساب وتقدير، حتى لا يدخل على عقول أبنائنا شيء من تلك المذاهب الضالة والآراء المنحرفة، التي تقوض البناء العقلي والخلقي للجماعات والأفراد، مما شاع عند أمم الغرب، من إلحاد في العقيدة، وانحلال في الأخلاق، واستخفاف بالشرف والفضيلة.

هذا... ونرجو من الله السداد والتوفيق.

الرابط المختصر :