العنوان مع اقتراب موعد الانتخابات.. الأحزاب اليمنية بين مرارة المقاطعة ومكاسب المشاركة!
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1997
مشاهدات 97
نشر في العدد 1240
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 04-مارس-1997
قبل أقل من شهرين على موعد الانتخابات النيابية في اليمن، لا يستطيع أحد أن يرسم صورة واضحة لما سيجري، فيما لا تزال مشاركة بعض أحزاب المعارضة المهمة غير محسومة.. في أجواء تزايد فيها مستوى الضبابية إلى حد كبير واستمرت فيها حدة الخصومات والاتهامات المتبادلة، والواقع أن توتر الأجواء السياسية الذي صاحب المرحلة الأولى للانتخابات قد ظل مستمرًا طوال ستة أشهر تقريبًا، جرت خلالها سلسلة طويلة من الحوارات واللقاءات والاتفاقات السرية والعلنية، وبعضها ينقض بعضًا.. وكلها كانت تركز جهودها للخروج بصيغة حل مقبول من جميع الأطراف.
لكن أبرز الأحداث التي توجت هذه الفترة..كانت اتفاق حزبي المؤتمر الشعبي والإصلاح - وهما أقوى الأحزاب اليمنية ويشكلان الائتلاف الحاكم – على التعاون فيما بينهما على تصحيح الخروقات الانتخابية والتنسيق المشترك في الانتخابات القادمة، بالإضافة إلى عدد آخر من الخطوات التي تتضمن تنفيذ مطالب للمعارضة بشأن ضمان نزاهة الانتخابات.
ومنذ إعلان الاتفاق، صار واضحًا أن عجلة الانتخابات بدأت مسيرة المرحلة الأخيرة للانتخابات .. لكن مجلس أحزاب المعارضة بقيادة الحزب الاشتراكي رفض الإعلان عن موقف محدد بشأن المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها.. بعد أن اتسعت الخلافات بينها بشأن الموقف النهائي، حيث يتبنى الاشتراكيون والناصريون موقفًا يدعو إلى عدم الاستعجال في مقاطعة الانتخابات، بينما تدعو أحزاب ضعيفة التأثير إلى المقاطعة وشن حملة قوية ضد نزاهة القائمين على الانتخابات.
وفي الإطار نفسه تعاني الأحزاب من خلافات داخلية حول موضوع المشاركة أو المقاطعة.. ولعل ذلك من الأسباب الهامة التي دعت أهم حزبين معارضين – الاشتراكي والناصري – إلى تأجيل حسم قرارهما بشأن الانتخابات.
ومنذ تفجر الخلافات في أغسطس الماضي حول نزاهة الانتخابات كان خيار «مقاطعة الانتخابات» مطروحًا بقوة عبر الصحافة والتصريحات والبيانات، لكن كنوع من الضغوط الشعبية لزحزحة السلطة عن موقفها الرافض لأي انتقادات تمس نزاهة الانتخابات ووصمها بالتزوير.
وفي المقابل، فقد كان لانضمام التيار الإسلامي المشارك في الحكومة إلى صفوف المنتقدين دور في منح المعارضة قوة تأثير وثقل شعبي أسهم في تليين موقف حزب المؤتمر الشعبي - الطرف الأول في الدولة – وإقناعه بضرورة التوصل إلى حل وسط.. لكن نقطة الضعف المؤثرة في صفوف المنتقدين كانت عدم قدرتهم على ضمان استمرار وحدة موقفهم، نتيجة العجز عن ضبط أدائهم في هذه الأزمة، ونجاح بعض الأحزاب الصغيرة – داخل مجلس تنسيق المعارضة - في فرض بعض المطالب التي لا تتعلق بالانتخابات ولا تحظى بموافقة التيار الإسلامي، ضمن المطالب الانتخابية، مما عجل بتفكك الموقف الموحد السابق، وبالتالي انخفاض القدرة على المساومة السياسية لانتزاع أكبر قدر ممكن من المطالب.
بصرف النظر عن كل ما قيل بشأن استغلال نفوذ الدولة لصالح حزب المؤتمر الشعبي، فإن وجود «الرئيس» في زعامة الحزب يجعله أكثر الأحزاب حرصًا على إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، فالأمر مرتبط كذلك بهيبة الدولة
ورئيسها .
كما أن القيادة اليمنية حريصة على إجراء الانتخابات في موعدها، لأن النتائج الجديدة – شبه المضمونة – سوف تمنح الدولة شرعية أكثر قوة في مواجهة خصومها في الداخل والخارج.
أما التيار الإسلامي الإصلاحي فيبدو أكثر الأحزاب - باستثناء المؤتمر الشعبي – التي استطاعت أن ترتب مواقفها في ضوء حقائق توازن القوى في اليمن.. فالإسلاميون لم يهملوا – إطلاقًا - استعداداتهم للانتخابات في الوقت الذي كانوا يخوضون فيه مواجهة حقيقية لعملية الخروقات الانتخابية، واتخذوا في سبيل ذلك خطوات جريئة في الحياة السياسية اليمنية.. لكن حلفاءهم في انتقاد الخروقات الانتخابية اضطروا نتيجة خلافاتهم الداخلية إلى استحداث مطالب سياسية جديدة أضعفت الزخم الذي تولد بعد انضمام التيار الإسلامي إلى أحزاب المعارضة.. وبالتالي أضعفت من قدرة المنتقدين على المناورة.. وهو وضع أقنع الإسلاميين بالتفاوض متفردين مع حزب الرئيس للحصول على ما يمكن الحصول عليه من مطالب تضمن إلى حد ما نزاهة معقولة للانتخابات.. وتتجاوب في الوقت نفسه مع حرص المؤتمر الشعبي على التنسيق مع الإسلاميين وتجنب منافسة انتخابية شرسة معهم.. فكان اتفاقهما على التنسيق في الانتخابات الذي جاء متوافقًا مع عدد من الضمانات القانونية والسياسية التي وافق عليها المؤتمر الشعبي.
وفي ساحة الحزب الاشتراكي تبدو تعقيدات الأزمة أكثر وضوحًا.. فالحزب كان قد اشترط تحقيق عدد من مطالبه الخاصة بأمواله وممتلكاته كشرط للدخول في الانتخابات.. لكن تأخر تحقيق هذه المطالب كاد يوجد انشقاقًا حقيقيًا داخل الحزب بين تيار يقوده الأمين العام يرفض المشاركة، وبين تيار آخر يقوده أحد القيادات البارزة وهو «جار الله عمر» ويدعو إلى المشاركة في الانتخابات بغض النظر عن أي شيء من المطالب الخاصة.
والحقيقة أن الانتخابات القادمة سوف تكرس للمرة الأولى – ومهما كانت تحالفات الاشتراكيين - واقع تحول الحزب الاشتراكي إلى حزب معارض من الحجم المتوسط في أحسن التقديرات، ولأن قرارًا نهائيًا بالمقاطعة أو المشاركة لن يكون سهلًا في حزب أوضاعه غير طبيعية كالحزب الاشتراكي، فإن دورة خاصة للجنة المركزية سوف تقرر ذلك في نهاية فبراير وبداية مارس.
ويبقى الناصريون طرفًا مهمًا في الساحة السياسية رغم تواضع وجودهم الشعبي، لكن علاقتهم القوية بالاشتراكيين ودورهم القديم في اليمن، يجعل مشاركتهم ذات أهمية بالنسبة للقيادة اليمنية، وهم بدورهم يبدون حائرين بين المشاركة والمقاطعة، وإن كانت تبايناتهم في الأمر أقل خطورة مما يحدث في الحزب الاشتراكي.
وبالنسبة لسائر الأحزاب الأخرى، فلا تؤثر مواقفها كثيرًا في ميزان القوى السياسية، فمجموعة أحزاب المعارضة «المجلس الوطني» سوف تشارك في الانتخابات بحكم علاقتها القوية بالمؤتمر الشعبي.. والأحزاب الأخرى المتحالفة مع الاشتراكيين والناصريين ربما تقاطع أو تشارك لكن قرارها لن يكون ذا تأثير خطير.. بل ربما منحتها المساومات السياسية جزءًا من ؤ للمرة الأولى في تاريخها.
وهكذا.. فإن شهر مارس الذي يعني قدوم فصل الربيع في اليمن سوف يكون أشد سخونة هذا العام، وسوف يلبس مسوحًا صيفية لأنه سيكون ذروة عام انتخابي ساخن بدأ متعسرًا ولا أحد يدري قطعًا كيف سينتهي؟