العنوان مع ابن القيم
الكاتب أبو عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1975
مشاهدات 86
نشر في العدد 272
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 28-أكتوبر-1975
مع ابن القيم
أخي الحبيب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حراسة الخواطر وحفظها والحذر مــن إهمالها والاسترسال معها من الأمور اليومية التي يجب على الداعية إلى الله مراقبتها أشـد مراقبة فإن أصل الفساد كله من قبلها يجيء لأنها هي بذرة الشيطان والنفس في أرض القلب فإذا تمكن بذرها تعاهدها الشيطان بسقيه مرة بعد أخرى حتى تصير إرادات ثم يسقيها حتى تكون عزائم ثـم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال ولا ريب. أخي السائر إلى الله إن دفع الخواطر أيسر من الإرادات والعزائم فيجد العبد نفسه عاجزا أو كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة وهو المفرط إذا لم يدفعها وهي خاطر ضعيف كمن تهاون بشرارة من نار وقعت في حطب يابس فلما تمكنت منه عجز عن إطفائها.
أخي العزيز، فإن قلت فما الطريق إلى حفظ الخواطر
قلت: أمور عدة أحدها العلم الجازم باطلاع الرب سبحانه وتعالى ونظره إلى قلبك وعلمه بتفصيل خواطرك، الثاني حياؤك منه، الثالث إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته ومحبته، الرابع خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر، الخامس إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته، السادس خشيتك أن تتولد تلك الخواطر ويستشعر شرارها فتأكل ما في القلب من الإيمان ومحبة الله فتذهب به جملة وأنت لا تشعر، السابع أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحب الذي يلقى للطائر ليصاد به
فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة في فخ منصوب يصيدك وأنت لا تشعر، الثامن أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان ودواعي المحبة والأنانية، بل هي ضدها من كل وجه وما اجتمعا في قلب إلا وغلب صاحبه وأخرجه واستوطن مكانه فما الظن بقلب غلبت خواطر النفس والشيطان فيه خواطر الإيمان والمعرفة والمحبة فأخرجتها واستوطنت مكانها لكن لو كان للقلب حياة لشعر بألم ذلك وأحس بمصابه.
أخي المؤيد بنصر الله
فهكذا الخواطر الإيمانية الرحمانية هي أصل الخير كله فإن أرض القلب إذا بذر فيها خواطر الإيمان والخشية والمحبة والإنابة والتصديق بالوعد ورجاء النواب وسقيت مرة بعد مرة وتعاهدها صاحبها بحفظها ومراعاتها والقيام عليها أثمرت له كل فعل جميل وملأت قلبه مــن الخيرات واستعملت جوارحه في الطاعات واستقر بها الملك في سلطانه واستقامت له رعيته.
وختامًا أسأله جل جلاله أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وأن يجعل خواطرنا وأفكارنا نورًا ينير الطريق الموصلة إليه وأن يحشرنا جميعًا في رحمته إنه على كل شيء قديــر.
وإلى رسالة قادمة إن شاء الله
أخوكم في الله
ابن قيم الجوزية
المصدر: طريق الهجرتين وباب السعادتين
صفحة ٢٢٠
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل