العنوان معيار التفاضل
الكاتب محمد الجاهوش
تاريخ النشر الأحد 24-مايو-1992
مشاهدات 83
نشر في العدد 1002
نشر في الصفحة 42
الأحد 24-مايو-1992
أخرج
البيهقي عن عيسى بن عبدالله الهاشمي عن أبيه عن جده قال «أتت عليًا- رضي الله عنه-
امرأتان تسألانه- «عربية ومولاة» لها– فأمر لكل واحدة منهما بشيء من طعام، وأربعين
درهمًا، فأخذت المولاة الذي أعطيت، وذهبت، وقالت العربية: يا أمير المؤمنين،
تعطيني مثل الذي أعطيت هذه وأنا عربية وهي مولاة؟! قال علي- رضي الله عنه- إني
نظرت في كتاب الله –عز وجل- فلم أر فيه فضلًا لولد إسماعيل على ولد إسحاق، عليهما
الصلاة والسلام» البيهقي.
إي
والله يا أمير المؤمنين، إنه لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا
بالتقوى، وأنى لهم التفاضل بغيرها، وهم جميعًا لآدم، وآدم من تراب.
ولئن
وضعوا لأنفسهم موازين، ومقاييس، وصنفوا الناس بموجبها فقدموا صنفًا على آخر،
وجعلوا نوعًا من البشر فوق من سواه فذاك، مما سولته لهم أنفسهم، وأعانتهم عليه
شياطينهم، فاختلاف الألوان وتباين الألسنة لم يجعله الله تعالى سببًا لتفضيل لون
على لون ولا لرفعة جنس على جنس، إنما هو آية من آيات الله تعالى الدالة على قدرته
الداعية إلى توحيده الحاضة على عبادته.
وما جعل
الله الناس شعوبًا وقبائل ليتناحروا ولا ليتفاخروا بل ليتعارفوا ويتآلفوا،
وينطلقوا على وفق المعيار الرباني الذي وضعه لهم الحكيم العليم ﴿يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13) فالتقوى معيار التفاضل وأساس القبول، بها
تسمو مكانة الإنسان عند ربه، ويتبوأ منزلته في جنان الخلد ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ
فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر:
54- 55). وبسببها يوضع له القبول في الأرض، وتفتح أمامه مغاليق الأمور ﴿وَمَنْ
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا
يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2– 3) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ
يُسْرًا﴾ (الطلاق: 4).
والتقوى
حاجز ورادع يحول بين الإنسان وشهواته، ويقف سدًّا بينه وبين الظلم والبغي، يقنع
بما أتاه الله، ولا يمدن عينيه إلى ما منح الله تعالى سواه من زهرة الحياة الدنيا.
والناس عنده سواء يعاملهم بالحسنى، ويجاملهم بالطيب من القول، يغفر الزلة، ويقيل
العثرة، ويقبل المعذرة، ويثيب على الجميل، لهذا جعلت التقوى معيار التفاضل بين
الناس في الدنيا والآخرة.
وهي كما
قال خامس الخلفاء الراشدين رضي الله عنه، لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا
يثاب إلا عليها، وإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل.
ولما
سلك السلف الصالح النهج القويم، وجعلوا التقوى معيار التفاضل ومقياس القبول
والرفض، نمت لديهم الفضيلة، وأينعت ثمارها، وعم الرخاء والسلم، وعاشوا أخوة
متحابين ينعمون بأطيب عيش وأرغده في ظلال التقوى واليقين.
ولن
ينال شرف الانتماء إلى حزب المتقين من اتبع سنن الجاهلية وسلك مسلك أهلها.
إن دعوى
الجاهلية وتعاظمها بالآباء دعوة خاسرة عجزت أن تعطي أتباعها شيئًا من العز أو
السلطان، لقد عاشوا حمأتها قرونًا، وظللتهم رايتها أحقابًا فما أنتجت في حياتهم
إلا الحروب والدمار، والفرقة والشتات.
لم تقم
لهم في ظلها دولة ولا اجتمعوا على نظام، فرقتهم الشهوات وانتشرت في أوساطهم شتى
الرذائل والموبقات.. قتلوا البنين ووأدوا البنات، سلبوا الأموال
وسفكوا الدماء، وأضاعوا الشرف والأنساب في مواخير صاحبات الرايات.
لقد
أبدلنا الله تعالى خيرًا منها دينًا قيمًا: شريعة تامة، ومنهجًا ربانيًّا، صاغ
حياة الناس على نهج جديد ونمط فريد، حط عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم،
وطهرهم من أدران الجاهلية وموروثاتها، وتفاخرها بالأحساب والأنساب، فغدوا أحد
رجلين، برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله.
صفت
قلوب البررة الأتقياء وتسامت أرواحهم واشتدت عزائمهم فمضوا في الأرض ينشرون الحق
والنور، عاقدين العزم على تغيير الواقع الجاهلي ودك حصونه، واقتلاع رموزه.
وكان
لهم ما أرادوا، فسادوا، وشادوا، وبنوا، متعاونين متضافرين، وهم من قبائل شتى، وأمم
متعددة، انسلخوا من أدرانهم، وتآخوا في دين الله، فزالت الفوارق الطبقية وانمحت
النعرات القومية، وانقطعت كل الأنساب والأحساب، ولم يبق إلا سبب واحد ونسب واحد،
اجتمعوا عليه جميعًا ورددوه مؤمنين صادقين.
أبي
الإسلام لا أب لس سواه
إذا افتخروا بقيس أو تميم
أفما آن
للأحفاد أن يقتفوا أثر الأجداد؟ ويتبعوا سنن الحق وطريق الهدى؟ ولا يعيدوها جذعة
ترفع شعار الجاهلية، وتدعو بدعوتها فقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك.
قال صلى الله عليه وسلم «ولينتهينَّ أقوام يفخرون بآبائهم أو ليكوننَّ أهون على
الله من الجعلان» وقال محذرًا «دعوها فإنها منتنة» إننا نستصرخ ضمائر العقلاء أن
يتضافروا لدرء خطر الجاهلية الذي بدأ يشتد عوده، ويكثر أتباعه، ونربأ بهم أن
يسايروا الموجة، حتى لا تجرف الجميع ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ
لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل