العنوان تقرير التنمية البشرية العالي 2003: معونات الدول الغنية ليست عملًا خيريًّا
الكاتب عبد الحافظ الصاوي
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003
مشاهدات 58
نشر في العدد 1568
نشر في الصفحة 48
السبت 13-سبتمبر-2003
أكثر من مليار ما زالوا يعيشون في فقر مدقع
10% فقط من عمليات الأبحاث والتطوير تركز على المشكلات الصحية لــ 90% من سكان العالم.
التنمية حلم الفقراء، ينتظرونه منذ أمد بعيد، حيل بينهم وبين تحقيق هذا الحلم لأسباب داخلية وأخرى خارجية، منها الاستعمار الغربي الذي استنزف ثروات البلاد على مدار سنوات طويلة، وخلف وراءه اقتصادات متعبة ومتخلفة، وحكومات محلية أتت بنظم عسكرية أو موتورين فكريًّا طوفوا كثير باقتصادات بلدانهم بعيدًا عن تحقيق التنمية. وقد تعددت المؤشرات التي ترصد جوانب مختلفة للتنمية، من تطور نصيب الفرد من الدخل القومي إلى نصيبه من الماء النقي والصرف الصحي، وحتى ارتقائه من حيث العملية التعليمية وتحسين أحواله الصحية ومشاركته في الحياة السياسية. وعلى الرغم من هذا الثراء في المؤشرات الخاصة بقياس التنمية، إلا أن الواقع يرصد فقرًا في المضمون، فتقرير التنمية البشرية لعام ۲۰۰۳ الذي يصدره البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة يوضح أن هناك فجوة كبيرة بين بلدان الشمال المتقدم والجنوب المتخلف أو النامي، ليس فقط في نصيب الفرد من الدخل وتحسين أوضاعه المعيشية، فضلًا عن الترقي بمستواه التعليمي والصحي، ولكن في مقدار الرعاية التي تقدم لكل من الإنسان في البلدان المتخلفة والحيوان في الدول المتقدمة، فيذكر التقرير أن الإعانات النقدية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لكل بقرة حلوب تتجاوز مجموع العون الذي يقدمه الاتحاد للفرد في إفريقيا جنوب الصحراء.
تناول التقرير هذا العام مؤشرات التنمية البشرية في ١٧٣ بلدًا، اتضح من خلالها وجود ارتداد لا سابق له في دلائل التنمية البشرية لبعض أفقر أمم العالم، فأكثر من ألف مليون إنسان ما زالوا يعيشون في فقر مدقع، كما أن مستويات المعيشة للكثيرين ازدادت سوءًا على نحو مطرد. وبالنظر إلى أوضاع البلدان العربية في الترتيب العام لمؤشر التنمية البشرية وجد أن هناك ٤ دول «البحرين- قطر- الكويت- الإمارات» حققت تنمية بشرية ذات معدل مرتفع، بينما حققت ١٢ دولة تنمية بشرية متوسطة، و3 دول «اليمن- جيبوتي- موريتانيا» حققت تنمية بشرية منخفضة. وبمقارنة أداء البلدان العربية بين عامي ۲۰۰۲ و۲۰۰۳ نجد أن بعضها تراجع مثل مصر من ترتيب ۱۱5 إلى ۱۲۰ والسعودية من ۷۱ إلى ٧٣ ولبنان من ٧٥ إلى ۸۳ وسورية من ۱۰۸ إلى ۱۱۰ بينما تقدمت دول أخرى في الترتيب مثل قطر من ٥١ إلى ٤٤ والأردن من ٩٩ إلى ٩٠ وليبيا من ٦٤ إلى ٦١.
مسؤوليات مشتركة
التقرير هذا العام اتخذ من «أهداف التنمية للألفية الثالثة»، مجالًا لعمله، ولكنه جعل المسؤولية الكبيرة لتنفيذ هذه الأهداف والنجاح في تحقيقها تقع على عاتق الدول المتقدمة، وأن دور الدول المتقدمة في تحقيق هذه الأهداف ليس عملًا خيريًّا ولكنه مصالح مشتركة، فيذكر التقرير أن مشاركة الدول المتقدمة ليست مسألة عمل خيري، فالأمراض لا تحترم الحدود الجغرافية حسنة الترتيب مثلما لا تحترمها الأعاصير أو الفيضانات أو الجفاف أو الحروب. وفي نفس الوقت طالب الدول الفقيرة بأن تنتهج سياسات تنموية تصب في صالح الفقراء، فيذكر مدير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة «إننا لا نطلب شيكًا مفتوحًا، ثمة شراكة جديدة فعالة هنا، تقول بوجوب كون المعونة شارعًا ثنائي الاتجاه، فعلى البلدان الفقيرة تطبيق إصلاحات مناصرة للفقراء وعلى البلدان الغنية توفير المزيد من الدعم». وأيضًا يطالب التقرير البلدان الفقيرة بأن تقوم بعملية مراجعة لسياستها ومدى تلاؤمها مع أهداف التنمية، ومدى نجاحها في ذلك، ويجب أن تتوافر آليات عملية تمكن الشعوب من مسألة حكوماتها لتحقيق هذه الأهداف. التقرير يرى أن استراتيجيات التنمية يجب ألا تركز فقط على النمو الاقتصادي وإنما أيضاً على توزيع أكثر إنصافًا للثروة والخدمات، فالفقر من وجهة نظر التقرير يمكن أن يكون مشكلة سياسية، وقد ظهر ذلك من خلال حالة بلدان عديدة تناولها التقرير توجد بها مستويات عالية من الدخل تكفي لإنهاء الفقر المدقع، ولكن لا يتحقق القضاء على الفقر بهذه الدول بسبب أنماط مقلقة من التمييز في توفير الخدمات الأساسية لحساب فئات وطبقات دون غيرها.
ما أهداف التنمية في الألفية الثالثة؟
حدد مؤتمر قمة الألفية الذي عقد في سبتمبر ٢٠٠٠ برعاية الأمم المتحدة في نيويورك، ثمانية أهداف أطلق عليها «أهداف التنمية للألفية» تسعى الدول الغنية والفقيرة على سواء لتحقيق هذه الأهداف بحلول عام ٢٠١٥، وقد تم التأكيد على التعهد لتنفيذها في قمة مونتيراي بالمكسيك عام ٢٠٠٢ وأقرتها أيضًا قمة الدول الصناعية الثمانية في فرنسا في يونيو الماضي، وتتمثل الأهداف الثمانية في الآتي:
القضاء على الجوع والفقر، بحيث يتم تخفيض نسبة الأفراد الذين يعيشون بأقل من دولار في اليوم بمقدار النصف، وتخفيض نسبة سكان العالم الذين يعانون الجوع بمقدار النصف أيضًا.
شمولية التعليم الابتدائي عبر التوسع في إنشاء المدارس الابتدائية.
تعزيز المساواة بين الجنسين، بإزالة التفاوت بين الجنسين في التعليم الابتدائي والثانوي بحلول عام ٢٠٠٥ وفي جميع مراحل التعليم بحلول عام ٢٠١٥.
خفض وفيات الأطفال، والهدف هو تخفيض معدل وفيات الأطفال دون الخامسة بمقدار الثلثين من المعدل الحالي في بداية الألفية.
رعاية صحية أفضل للأم، بحيث يتم الوصول إلى خفض نسبة الوفيات بين الأمهات، بنسبة ٧٥% من النسبة الحالية.
مكافحة فيروس نقص المناعة المكتسبة والملاريا والأمراض الأخرى، وذلك للحد من الأمراض الوبائية.
ضمان الاستدامة البيئية من خلال تحقيق التنمية المستدامة بما لا يتعارض مع الشروط البيئية، وتخفيض عدد الأفراد الذين يحصلون على الماء النقي للشرب بمقدار النصف، وتحسين أحوال ۱۰۰ مليون إنسان يقيمون في أحياء فقيرة مكتظة بحلول عام 2020.
تطوير شراكة عالمية للتنمية، وذلك من خلال تطوير نظام مالي وتجاري منفتح ومعالجة الاحتياجات الخاصة بالدول الأقل نموًّا، وإلغاء نظام الحصص والتعريفات الجمركية، والتخفيف من أعباء الديون عن كاهل البلدان الفقيرة.
التقرير يتحدى الدول الغنية
يحذر تقرير التنمية البشرية لعام ٢٠٠٣ من عدم التزامات الدول الغنية تجاه أهداف التنمية في الألفية الثالثة، ويقطع بأن هذه الأهداف لن تتحقق إلا إذا وفت البلدان الغنية بتعهدها تسليم التمويل الخاص بالتنمية. ويتحدى التقرير البلدان الغنية في أن تحدد مواعيد نهائية للوفاء بالتزاماتها وتنفيذ الآتي:
أولًا: شطب ديون الدول الفقيرة المثقلة بالديون، يدعو التقرير البلدان الغنية لتوفير تخفيضات إضافية مجدية من أعباء الديون، وأن تكون الدول الغنية أكثر إدراكًا لأعباء الديون الاستثنائية التي تواجهها البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، ففي ٤٢ دولة مثقلة بالديون يقل الدخل السنوي للفرد عن ١٥٠٠ دولار، وخلال الفترة من ۲۰۰۱-۱۹۹۰ تمت اقتصادات هذه الدول بمعدل سنوي نحو 0.05%.
ثانيًا: سرعة تقديم المعونات، فعلى الرغم من وجود تحسن في تدفقات المعونات الرسمية إلى ٥٧ مليار دولار، بعد أن كانت 52,3 مليار دولار، إلا أن المطلوب أن تصل هذه المعونات إلى ۱۰۰ مليار دولار. وقد تعهدت الدول المانحة برفع هذه المعونات بمعدل ١٦ مليار دولار بحلول عام ٢٠٠٦، وبفرض وفاء الدول الغنية بذلك فهو معدل لا يحقق المطلوب الأهداف التنمية.
ثالثًا: إتاحة فرصة أفضل للدول النامية في الحصول على التكنولوجيا، يذهب التقرير إلى أن ١٠% فقط من عمليات الأبحاث والتطوير يركز على المشكلات الصحية لـ ٩٠ % من سكان العالم، ومن خلال اتفاقيات منظمة التجارة العالمية أضاعت الدول الغنية الفرصة على الدول الفقيرة لإتاحة الأدوية لشعوبها بأسعار يمكن تحملها.
إشكالية العلاقة بين الشمال والجنوب
هناك قضية جوهرية في علاقة الشمال بالجنوب يمكن ملاحظتها من خلال قراءة مضمون هذا التقرير وغيره من التقارير التي تتناول هذه العلاقة، وهي إلقاء كل طرف بمهمة الإصلاح أو الانتقال من التخلف إلى التنمية على عاتق الطرف الآخر، ففي قضية الديون الخارجية للبلدان النامية والأقل نموًّا، وأيضًا مسألة المعونات الإنمائية وغيرها من القضايا الحاكمة في هذا الشأن، فالدول الغنية ترى ضرورة الإصلاح الداخلي للبلدان النامية ووجود الديمقراطية والحريات المناسبة لمحاسبة المسؤولين عن الأداء الاقتصادي وعدم إهدار المعونات في البلدان النامية، بينما ترى الدول النامية أن الأمر بهذه الصورة يعد تدخلًا في شؤونها الداخلية، وعلى الدول المتقدمة أن تفي بالتزاماتها التي تعهدت بها في مجال التجارة الدولية العادلة أو تدفقات المعونات الخاصة بالتنمية، ومن هنا تنشأ أهمية وجود سلطة ملزمة لواجبات كل طرف، وهو الأمر المفتقد في ظل نظام العولمة أو أحد مثالبها، خاصة في ظل توظيف المؤسسات الدولية لصالح الدول الغنية.
مقارنة بين عامي 2002 و2003 | |||
م | الدولة | الترتيب | |
| بلدان ذات تنمية بشرية عالية | 2003 | 2002 |
1 2 3 4 | البحرين قطر الكويت الإمارات | 37 44 46 48 | 39 51 45 46 |
بلدان ذات تنمية بشرية متوسطة | |||
5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 | الجماهرية العربية الليبية عمان لبنان الأردن تونس الأراضي الفلسطينية المحتلة الجزائر سوريه مصر المغرب جزر القمر السودان | 61 79 83 90 91 98 107 110 120 126 134 138 | 64 78 85 99 97 - 106 108 115 123 -- 139 |
بلدان ذات تنمية بشرية منخفضة | |||
17 18 19 | اليمن جيبوتي موريتانيا | 148 153 154 | 144 149 152 |
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل