; معركة «الجار المنبوذ» | مجلة المجتمع

العنوان معركة «الجار المنبوذ»

الكاتب مهيوب خضر محمود

تاريخ النشر السبت 22-فبراير-2003

مشاهدات 88

نشر في العدد 1539

نشر في الصفحة 46

السبت 22-فبراير-2003

تعتبر الزيارة التي قام بها الرئيس الباكستاني لموسكو مؤخرًا الأولى منذ تولي الجنرال مشرف زمام السلطة عام م1999، كما أنها تأتي بعد فجوة من الخصومة دامت أكثر من ثلاثة عقود، حيث كانت آخر زيارة لموسكو قام بها رئيس وزراء باكستان الأسبق ذو الفقار على بوتو عام 1970م، ويعود سبب تدهور العلاقات الروسية الباكستانية طيلة السنوات الماضية إلى دعم باكستان للسياسات الأمريكية، في الحرب الباردة، ضد وكر الشيوعية الأول، حتى انهار على أسوار أفغانستان.

ولئن حققت الزيارة التقدم الذي نشدته باكستان في فتح ملف جديد من العلاقة مع روسيا، إلا أن ملفات مهمة مثل حل القضية الكشميرية بما يتناسب مع رغبة الشعب الكشميري، والحصول على معدات عسكرية روسية تحتاجها باكستان بقيت قيد تطور العلاقة في المستقبل، ووقف الأمر في الوقت الراهن عند تعاون اقتصادي وتبادل تجاري مشترك من خلال عدد من الاتفاقيات في مجال صناعة الحديد وتوليد الطاقة الكهربائية والغاز والنفط، إضافة إلى تطوير برامج الفضاء والاتصالات، ولعل الوفد المرافق المشرف الذي ضم وزير التجارة والصناعة والإنتاج ومستشار المالية يدل بوضوح على سقف التطلعات الباكستانية في العلاقة مع روسيا حاليًا.

وبينما بحث الجانبان الأزمة العراقية، إلا أن التركيز الأهم كان على مستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين وتجسير عنصر الثقة من جديد، في وقت بدأت فيه باكستان تتوقع أن تكون الهدف التالي بعد العراق على خلفية أسلحة الدمار الشامل، كما صرح بذلك مشرف نفسه قبل أسابيع. 

وقد كثف مشرف من جهوده لإزالة الغموض الذي يراه الكرملين حول موقف باكستان من قضية كشمير، وما يتعلق بالتساؤلات الروسية حول تسرب أسلحة دمار شامل باكستانية لجهات تعدها موسكو إرهابية، كما جاء على لسان بوتين في زيارته الأخيرة للهند، حيث قال: «على باكستان أن توقف تسلل الإرهابيين إلى كشمير، وأن المجتمع الدولي قلق من إمكانية وصول أسلحة دمار شامل باكستانية إلى جهات إرهابية ومتطرفة».

وبينما ينظر البعض إلى زيارة مشرف على أنها تغير في السياسة الخارجية الباكستانية في الوقت الضائع باتجاه الشرق على حساب الغرب، يراها آخرون محاولة لقطع الطريق على الهند التي تحاول عزل باكستان عن دول المنطقة.

العلاقات الهندية الروسية، وقفت كما يرى البعض حجر عثرة أمام الطموح الباكستاني، خصوصًا إذا ما علمنا أن أكثر من 70% من تجهيزات الجيش الهندي، البرية والبحرية والجوية، هي معدات روسية، وكان آخرها شراء الهند حاملة طائرات روسية وغواصات نووية، الأمر الذي جعل باكستان تنظر إلى هذه الخطوة على أنها خلل في میزان القوى في منطقة جنوب آسيا، وفي المقابل ترفض الإدارة الأمريكية تسليم إسلام أباد صفقة طائرات إف 16 المبرمة معها منذ سنوات حتى بعد انضمام باكستان للتحالف الدولي ضد ما يسمى بالإرهاب، مما جعل العديد من المحللين السياسيين يعتقدون أن باكستان تخلت عن أوراق مهمة في أفغانستان مقابل ثمن بخس.

الجانب الروسي ينظر من جهته إلى الموقع الجغرافي لباكستان وقدرتها على التأثير سلبًا أو إيجابًا في استقرار الوضع في أفغانستان، التي تمثل المعبر الأهم لثروات دول وسط آسيا، على أنه أمر يستحق إعادة الحسابات لصالح ميزان الاقتصاد الروسي، هذا من حيث الجانب الاقتصادي، أما على صعيد الجانب السياسي فتأمل روسيا من خلال علاقتها مع باكستان أن تضمن عدم تقديم أي نوع من الدعم للمقاتلين الشيشان الذين أرقوا مضاجع الروس وقللوا من هيبة دولتهم أمام العالم.

الجنرال مشرف الذي اتفق مع الجانب الروسي على مواصلة مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله ومظاهره كما أشار لذلك البيان الختامي للزيارة، تعرض أثناء وجوده في موسكو لإحراج بالغ بعد اتهام وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في كلمته أمام مجلس الأمن للسفارة العراقية في إسلام أباد بلعب دور الوسيط بين النظام العراقي وتنظيم القاعدة، الأمر الذي نفى مشرف أي علم له به واعتبر أن تصريحات باول تحتاج إلى تحرٍ. 

ويرى المراقبون أن باكستان أدركت أخيرًا خطأ المبدأ القائل: «من كان عدوًا لصديقي فهو عدوي»، وأن عليها أن تقيم علاقات متوازنة بين واشنطن وموسكو، كما فعلت الهند.

قلق هندي

ورغم الاهتمام البالغ الذي أولاه الرئيس الروسي للعلاقات الهندية الروسية، إثر زيارة الرئيس الباكستاني لموسكو، حيث قام بالاتصال مرتين برئيس وزراء الهند أتال فاجباي، مرة قبل وصول مشرف ومرة بعد مغادرته، لطمأنته على أن أي علاقة جديدة مع باكستان لن تكون على حساب العلاقة مع الهند كحليف استراتيجي، إلا أن الساسة الهنود على ما يبدو لم تطمئن قلوبهم بما فيه الكفاية.

فقد سارعت الهند بعد يوم واحد من انتهاء زيارة مشرف لروسيا، بطرد القائم بأعمال السفارة الباكستانية في نيودلهي وأربعة من موظفي السفارة، تحت ذريعة تمويل المجاهدين في كشمير، وزعمت مصادر الشرطة الهندية أنها ألقت القبض على اثنين من الكشميريين اعترفا بتلقي أموال من القائم بالأعمال لصالح تمويل العمل العسكري المناهض لحكم الهند لكشمير. 

كما صرح رئيس وزراء الهند أتال فاجباي في اليوم التالي بأن المخابرات العسكرية الباكستانية تستخدم الأراضي النيبالية والبنغالية لممارسة أعمال إرهابية ضد الهند.

ويرى المراقبون أن الهند تلعب على الوتر الحساس لدى روسيا التي تخشى من إمكانية حصول المقاتلين الشيشانيين على دعم عسكري أو لوجستي من باكستان، كما تحاول الهند إثبات تورط پاکستان بدعم المقاتلين الكشميريين المناهضين للهند، وعدم التورع عن استخدام أراضي الغير، وإلا فإن مسألة طرد الدبلوماسيين ليست بالأمر الجديد على طبيعة العلاقة بين الهند وباكستان، ولكن المغزى يكمن في التوقيت الذي يشير بوضوح إلى النوايا الهندية.

وزير الإعلام الباكستاني شيخ رشيد أحمد وصف الخطوات والتصريحات الهندية بأنها الأسوأ عدائية، وأن الهند لا هم لها إلا تضليل الرأي العام العالمي وتشويه صورة باكستان.

والجدير بالذكر أن باكستان تتعامل مع التصعيد السياسي الهندي بالمثل، حيث قامت بطرد القائم بأعمال السفارة الهندية في إسلام أباد وأربعة من الموظفين كما فعلت الهند تمامًا، ويرى البعض أنه من غير المنطقي أن تستخدم باكستان أعضاء سفارتها في دلهي الخاضعين لرقابة مشددة للاتصال بالكشميريين، فتعطي الحكومة الهنديةدليلًا ماديًا سهلًا على أمر طالما نفته باكستان. 

محللون سياسيون يعتقدون أن الهند تسعى إلى استخدام لغة التصعيد السياسي بدلًا من التصعيد العسكري الذي أثبت عدم جدواه في الفترة الماضية عندما وصل البلدان إلى حافة الحرب، وذلك لتحقيق ثلاثة أهداف:

 1 - إعلان باكستان دولة إرهابية. 

2 - عزل باكستان عن دول الجوار مثل الصين وإيران وأفغانستان، وتوسيع رقعة الخلاف بينها وبين الدول الفاعلة في السياسة الدولية مثل روسيا والولايات المتحدة واعتبار باكستان جارًا منبوذًا.

3 - حسم قضية كشمير باعتبار خط الهدنة الفاصل بين الهند وباكستان حدودًا رسمية، وليس منطقة متنازعًا عليها كما تنص على ذلك قرارات الأمم المتحدة.

الرابط المختصر :