العنوان معاني أسماء الأنبياء والرسل
الكاتب الشفيع الماحي أحمد
تاريخ النشر السبت 02-نوفمبر-2002
مشاهدات 116
نشر في العدد 1525
نشر في الصفحة 60
السبت 02-نوفمبر-2002
آدم
إن تسمية الله تعالى لأبي البشر باسم آدم هو الذي جعل اسمه شائعًا في مختلف اللغات التي تكلم بها الناس، ومألوفًا لديهم في كل العصور والأمكنة، ثم تفرعت منه- نتيجة للتغيرات المتلاحقة على اللغات- أسماء وصفات متعددة تدور من حيث اللفظ حول أحرفه الثلاثة، ومن حيث المعنى إلى بشرية آدم كمخلوق يعد الظهور من لوازم وجوده وأخص وصف يميزه عن غيره من الكائنات. وفي اللغات العربية القديمة كالآرامية والكنعانية والفينيقية ينطق اسم آدم ليقابل في واحد من معانيه اسم الإنسان أو بتحديد أدق جنس البشر ففي نقش قديم عثر عليه في إحدى المقابر يرجع تاريخه إلى عام ۳۰۰ ق.م كتب عليه صاحبه العبارة التالية:
«كل آدم أشن بفتح علت مشکت زام أشن یسا آیت حلت مسکبي أماش يعمس بم صتم آیت مملكت أم آدم يفتح علت مشکب زاماش یسا آیت حلت روایت زرع مملت ها أم آدم همت آل يكن لم شرش لمطلو».
وترجمته: كل إنسان يفتح هذا القبر أو ينقل خلة مضجعي أو يحملني من هذا القبر، ليقطع دابر ذلك الإنسان الذي يفتح هذا المضجع أو الذي ينقل الخلة ونسل ذلك الإنسان لا يكون له جذور.
ومن اسم آدم اشتق في اللغة الأكادية والأشورية فعل أدامو، بمعنى يعمل أو ينتج وذلك لأن آدم وذريته هم من بين مخلوقات الله الذين تصدر عنهم الأفعال بفكر وروية وقصد أي بإرادة واعية فشرفهم الله وفضلهم بهذا الفعل على غيرهم، والاشتقاق يتفق مع الغاية التي من أجلها خلق النوع الآدمي وبه يكتمل عندهم معنى العبد والخليفة عن الله.
كما اشتقت اللغة العبرية من اسم آدم أسماء وصفات عديدة، منها أدام بمعنى أحمر أو أبيض مشرب بحمرة، وأدمة بمعنى السمار والاحمرار أي اللون الجامع بين السواد والبياض وأدام بمعنى التراب وأدامة بمعنى الأرض إلى غيرها من المعاني التي تتفق هي الأخرى مع الخواص المميزة لأدم عن غيره من المخلوقات.
أما في اللغة العربية فإن الأحرف الثلاثة الهمزة والدال والميم لها أصل واحد مداره ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ من قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّم اللهُ مُوسَى تكليما رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ للنَّاسِ على الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلُ وَكَانَ اللَّهُ عزيزاً حكيما﴾ (النساء: 165) التركيبي يدل على الموافقة والملاسة وكل ما يتفرع عنه يعود في معناه إلى هذه الدلالة الدائرة على معاني الاجتماع والضم والإضافة والألفة والقربة، وما في حكمها كالجمع بين الشيئين أو جمع الأشياء بعضها إلى بعض.
فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر الأدمة وهي باطن الجلد والبشرة الظاهرة، سميت أدمة لأنها ملاسة للحم من البشرة، ومنها الإدام وهو ما يؤتدم به في الطعام، سمي إدامًا لأنه يطيب الطعام ويصلحه ليكون سائغًا عند الأكل ومنه حديث الرسول: لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما رواه كل من النسائي وابن ماجه، وحسنه الترمذي- أبواب النكاح.
وسمي آدم بهذا الاسم لأن مادة جسمه من أديم الأرض أو من أدمة الأرض أي ترابها أو من ظاهر الأرض ووجها، فهو مخلوق من عناصر شتى ألف الله تعالى بينها بطريقة خاصة أعطت آدم وذريته سمة الظهور ثم جمع تعالى بين الروح والعناصر الترابية فتوافقت كل منهما مع الأخرى، وانتظمتا معًا بانسجام بلغ حد المحبة القوية والعشق الشديد.
إدريس.. أول من فعل الأشياء
أجمع معظم الباحثين في تاريخ الأنبياء والرسل على أن نبي الله إدريس هو أخنوخ الوارد ذكره ضمن أنبياء ذرية آدم عليه السلام شيت وأنوش وقينان ومهللنيل ويارد الذي أنجب أخنوخ. وأشارت التوراة إلى ما أكده القرآن من أن أخنوخ لم يمت بل رفعه الله إليه.
ولفظ الاسم في أصول اللغة العبرية يقابل في العربية كلمة احتنك ومحتك، بمعنى الذي بلغ من كمال العقل غايته ومنتهاه، ومن الحكمة والفهم حدهما الأقصى، وقد يراد بالاسم المبتدئ بمعنى الذي بدأ بفعل الأشياء قبل غيره أو أول من فعل الأشياء، والمعنيان معبران عن شخصية إدريس عليه السلام فهو أول نبي أرسله الله للناس بعد آدم، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النحو والحساب وأول من خاط الثياب ولبسها، وكانوا من قبله يلبسون الجلود وأول من اتخذ الموازين والمكاييل والأسلحة.
وعندما انتقلت تلك المعاني مجتمعة عن شخصية إدريس إلى اليونانيين اشتهر في ثقافته كعالم أحكمته التجارب، وله بصر بالأمور، وأتى بأشياء لم يكن للناس عهد بها، فلقبوه بهر مسر الهرامسة، أي حكيم الحكماء، كما أطلقوا على اسم «فريسم جيسطس أو الهرمسين ومعناه ثلاثي التعليم- لأنه- كما يرون- كان يصف الله بثلاث صفات هي الوجود والحكمة والحياة.
وعلى أي حال فإن حروف اسم إدريس عليه السلام من مادة عربية ولكن تركيبها على هذ النحو الذي يخالف طرق وقواعد اللغة العربية كامتناعها من الصرف، يرجح أنها تعود إلى اللغة الأرامية أو السريانية، وتجيء في لفظها هذا بمعنى علم ودرب وهذا المعنى يتفق بصورة فريدة مع المعاني السابقة، فهو النبي الذي كثرت مدارسـته لكتاب الله ووحيه، وهو الذي روض للناس العلوم وذلل لهم المعارف الصعبة، واخترع لهم الصنائع التي سهلت عليهم أمور الحياة.
نوح.. كثير البكاء
روت التوراة أن لامك بن متوشالح أطلق على والده اسم نوح، وبين السبب الذي دعاه إلى اختيار هذه التسمية دون غيرها بقوله (سفر التكوين ٢٩:٥).
هذا يعزينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التي لعنها الله.
والعبارة توحي كما لو أريد لنوح عليه السلام أن يكون سببًا لنسيان ما عاناه الناس على الأرض، وليبدد عنهم همومهم الدنيوية واللغة الذي يفيد تلك المقابلة بين القادم الجديد على الناس والعزاء والتسلية، لا أقول في لغة قوم وإنما في الآرامية والسريانية هو نوحًا، ومعناه الحرفي راحة أو الراحة أو الساكن والهادئ.
واحتفظت اللغة العربية بأصل الكلمة، نوح، في دلالته العامة على مواجهة أو مقابلة شيء بشيء ولكنها منحت الاسم معنى غير ذلك المعنى فأصبحت دلالة النوح والمناحة هي تقابل ومقابل عند البكاء، أما الاسم نفسه فيعني البكاء بعويل أو رفع الصوت بالبكاء والصياح، ومنه ذهب الكثير إلى أن نوحًا سمي كذلك لكثرة بكائه على نفسه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل