العنوان معالم مستقبلية للخريطة الحزبية في تركيا (3)
الكاتب زياد أبوغنيمة
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1989
مشاهدات 69
نشر في العدد 914
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 25-أبريل-1989
معالم مستقبلية للخريطة الحزبية في
تركيا -3
أوزال-أعلن إجراءات تقشفية شديدة
حين نحلل نتائج انتخابات عام ۱۹۸۷م نستطيع أن ندرك بسهولة أن شعبية حزب
الوطن الحاكم بزعامة أوزال قد تناقصت عما كانت عليه في انتخابات عام ۱۹۸۳م «حوالي ۹٪ نقصًا»، وقد تقلصت هذه الشعبية مرة
أخرى بعد انتخابات عام ۱۹۸۷ م إثر إعلان أوزال في اليوم التالي
لظهور الانتخابات وقبل صعوده إلى الطائرة التي أقلته إلى الولايات المتحدة، عن
إجراءات تقشفية شديدة في مقدمتها رفع أسعار معظم المواد الحياتية التي لها صلة
مباشرة بكل مواطن تركي، ومع أن شعبية أوزال عادت إلى الارتفاع قليلًا إثر محاولة
اغتياله من قبل متطرف قومي طوراني في حزيران ۱۹۸۸م، إلا أن تلك الزيادة في الشعبية لا
تنعكس على حزبه، وإنما تقتصر على شخصه فقط.
ويتضح مما تقدم أن إعادة تخطيط الخريطة
الحزبية في تركيا لم تحسم بشكل قاطع لصالح حزب الوطن الأم الحاكم بزعامة أوزال،
ولذلك فإن شعبية الحزب وسيطرته على الحكومة ستظل مهتزة وعرضة للانتكاس في أية حالة
من الحالات التالية:
۱ – إذا نجحت الأحزاب
المعارضة في جر الحكومة إلى إجراء استفتاء شعبي حول إبقاء أو إلغاء قانون
الانتخابات الحالي، فإنه من المؤكد أن تكون نتيجة الاستفتاء لصالح إلغاء القانون،
وفي هذه الحالة فإن حزب الوطن الأم الحاكم سيفقد غالبيته في أية انتخابات قادمة.
٢
– إذا
غيرت المجموعات الإسلامية التي دأبت على منح أصواتها لحزب الوطن الأم وفي مقدمتها
المجموعات المختلفة التي تشرذمت إليها حركة النور التي أسسها المرحوم الشيخ بديع
الزمان النورسي ، فإن حزب الوطن الأم سيخسر رافدًا هامًا كان يعتمد عليه في جميع
معاركه الانتخابية، وإذا حصل هذا التغيير فإنه سيصب بالتالي في صالح حزب الرفاه
الإسلامي؛ مما سيزيد في فرص فوزه في أية انتخابات قادمة بعدد غير قليل من المقاعد،
حتى لو جرت الانتخابات بموجب قانون الانتخابات الحالي الذي ترفضه أحزاب المعارضة.
وفي الواقع فإن إصرار عدد من المجموعات
الإسلامية تأييد حزب الوطن الأم، يعد لغزًا سياسيًا يستعصى فهمه، لأن الأمر
المنطقي أن ترفد هذه المجموعات الإسلامية، وخاصة حركة النور حزب الرفاه الإسلامي
الذي يؤكد لجميع المحللين والمراقبيين السياسيين في تركيا وخارجها أنه يمثل الوجه
الحقيقي للتيار الإسلامي الأصيل في تركيا.
٣-
وهناك
حالة ثالثة يمكن إذا حدثت أن تهز شعبية حزب الوطن الأم الحاكم، إذ المعروف أن
التيار العلماني اليسارى في تركيا قد انقسم على نفسه منذ أكثر من عقدين، ما بين
زعامة أوزال بن عصمت أينينو خليفة أتاتورك، وما بين بولنت أجاويد الخليفة السياسي
لعصمت أينينو، وقد أدى هذا التشرذم إلى انكماش التأثير العلماني اليساري في الحياة
التركية، أما إذا أعاد اليسار العلماني وحدته والتقى الحزبان اليساريان، حزب الشعب
الاشتراكي بزعامة أوزال أينينو، وحزب اليسار الديمقراطي بزعامة بولنت أجاويد في
حزب علماني يساري واحد تحت زعامة واحدة، فإن هناك خطرًا حقيقيًا يهدد حزب الوطني
الأم بفقدان غالبيته البرلمانية في أية انتخابات قادمة ،حتى لو جرت بموجب قانون
الانتخابات الحالي الذي يدين له حزب الوطن الأم بأغلبيته البرلمانية الحالية، وفي هذه
الحالة فإن الأمل الوحيد الذي قد ينقذ حزب الوطن الأم من الهزيمة هو أن ينحج في
اقناع الحزب العلماني اليميني الآخر وهو حزب الطريق المستقيم بزعامة رئيس الوزراء
الأسبق سليمان ديميريل بالاتحاد مع حزب الوطن الأم.
٤– وهناك حالة رابعة ينبغي عدم الاستهانة
بها أو تجاهلها، ذلك أن مد الصحوة الإسلامية المتنامي في تركيا بات، يقلق أعداء
الإسلام في تركيا، وفي خارج تركيا، ويقض مضاجعهم، الأمر الذي لا نستبعد معه أن
يستنفروا كل طاقاتهم وإمكاناتهم لشن هجمة كاسحة ماحقة ضد الصحوة الإسلامية في
تركيا.
وفي رأينا فإن أعداء الإسلام في تركيا،
وفي خارج تركيا، لن يكرورا لعبة الانقلابات العسكرية لتحقيق غايتهم في إجهاض
الصحوة الإسلامية، وإخماد جذوتها إلاحين يستنفدون جميع الوسائل الأخرى، فحينئذ
سيضطرون إلى البلاغ رقم (1) لانقلاب عسكري جديد يعلن أن الجيش اضطر إلى تسلم زمام
الأمور لينقذ تركيا من خطر «الهلاك الأسود» Kala Tahlika الذي يرمزون به إلى الصحوة الإسلامية.
وحين نراجع أساليب أعداء الإسلام في
الكيد للصحوة الإسلامية في مناطق أخرى من الوطن الإسلامي، يقفز أمامنا أسلوب يكاد
قد جرب في معظمها، ذلك هو أسلوب تبني أحزاب ذات عقائد معادية للإسلام، وتضخيم هذه
الأحزاب بنفخها إعلاميًا وماديًا وسياسيًا، ثم يلي ذلك مرحلة تهيئة الأجواء تحت
غطاء كاذب من الديمقراطية الزائفة، ليثب ذلك الحزب إلى سدة الحكم والسلطة، ليسارع
منذ أول لحظة لتسلمه الحكم والسلطة في الكيد للصحوة الإسلامية، ومطاردتها، لتحقيق
المهمة الأساسية التي جيء به إلى الحكم والسلطة من أجل تحقيقها، ألا وهي إجهاض
الصحوة الإسلامية.
وحين نستعرض الخريطة الحزبية في تركيا
نجد أن الحزب صاحب الفرصة الأقوى في تمثيل هذا الدور هو حزب الشعب الاشتراكي
بزعامة أوزال أينينو ، فهذا الحزب يتمتع بميزات ترجح كفته عن بقية الأحزاب الأخرى
في الاستثثار بمهمة إجهاض الصحوة الإسلامية ويمكن تلخيص هذه الميزات على النحو
التالي:-
۱
– هذا
الحزب هو وريث حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه كمال أتاتورك، فكان يده التي بطش بها
الإسلام والمسلمين في تركيا.
٢
- زعيم
الحزب الحالي أردال أينينو هو ابن عصمت أينينو خليفة كمال أتاتورك، والذي بدأ
أستاذه أتاتورك في فنون الكيد للإسلام والمسلمين في تركيا، وأوزال أنينيو زعيم
الحزب اليوم لا ينفك ينفث أحقاده ضد الإسلام والمسلمين بنفس الزخم الذي كان ينفث
به والده أحقاده بالأمس
٣–
يستأثر
هذا الحزب بتعاطف الصهيونية العالمية، والغرب الصليبي، والشرق الشيوعي في آن واحد،
فشعاراته الاشتراكية التي يرفعها.
تستهوي الشرق الشيوعي، وارتباطات عدد
كبير من زعاماته بالمحافل الماسونية تستهوي الصهيونية العالمية، وعداؤه الكالح
السواد للإسلام والمسلمين يستهوى الغرب الصليبي، مثلما يستهوي أيضًا الصهيونية
العالمية والشرق الشيوعي على حد سواء.
ولن يجد هذا الثالوث الماكر الصهيونية
العالمية، والغرب الصيلبيي، والشرق الشيوعي، حزبًا يمكنهم أن ينفثوا أحقادهم ضد
الصحوة الإسلامية في تركيا من خلاله كهذا الحزب، حزب الشعب الاشتراكي.
٤-
ومما
يزيد من اطمئنان الثالوث الصهيوني – الصيلبي الشيوعي، إلى حزب الشعب الاشتراكي أن
قيادته العليا تخضع لطائفة النصيرية التي أجمع علماء السلف والخلف على كفرها
ومروقها، فالمكتب الإداري المركزي، وهو القيادة العليا للحزب يشغل النصيريون ٣٥
مقعدًا من مقاعده، بينما يشغل المقاعد الخمسة الباقية يساريون ماركسيون من
الأكراد، ويشغل النصيري دنيز بإيقال وهو أستاذ في علم السياسة المقارن في جامعة
أنقرة، منصب أمين عام الحزب.
ولا تخفى قيادة حزب الشعب الاشتراكي
النصيرية طموحاتها وتخطيطها لاستلام السلطة في تركيا، مثلما لا تخفي أن هدفها
الأول إذا استلمت السلطة هو القضاء على الصحوة الإسلامية في تركيا، وفي هذا الصدد
يقول أمين عام الحزب النصيري دنيز بإيقال في خطاب ألقاه في ميدان السلطان أحمد في
إسلام بول إستانبول في ٢٣/٩/١٩٨٨م بالحرف الواحد: «إننا نسير بخطوات سريعة نحو
الحكم، وإن حكومة أوزال سوف تسقط قريبًا، وسنهدم حكومة أوزال كما هدمنا الدولة
العثمانية من قبل، وسنحصل على حريتنا كاملة، وننهي الظلم الذي يعاني منه شعبنا منذ
قرون».
ويشارك النصيري مصطفى تميس أحد قادة
حزب الشعب الاشتراكي رفيقه في النصيرية والاشتراكية العداء للإسلام والمسلمين دنيز
بإيقال في نفث أحقاده ضد الإسلام والمسلمين، فيقول في مقابلة صحفية نشرتها له مجلة
«تمبو» التركية الأسبوعية في عددها رقم ٣٧ الصادر في ١٤/٨/١٩٨٨م:
«إن جميع النصيريين سيجتمعون بعد الآن تحت راية
حزب الشعب الاشتراكي، ولن يبق علوي خارج الصف، وليصبح حزبنا، حزب الشعب الاشتراكي،
حزب العشرين مليون نصيري الذين يعيشون في تركيا».
٥ – وهناك معلومات تتناقلها الألسن في
إسلام بول مفادها أن القنصل الأمريكي في إسلام بول رفع تقريرًا مطولًا إلى حكومته،
يطلب فيه تبني دنيز بإيقال وحزبه باعتباره الحزب الأكثر حقدًا ضد الإسلام
والمسلمين، ويوصي في تقريره بتوفير الغطاء الكافي من الدعم الأمريكي الجاد للنصيري
دنيز بايقال وحزبه لتكمينه من الوصول الى السلطة في تركيا، فتظفر أمريكا حينئذ
بعصفورين بضربة حجر واحدة، تضمن الحفاظ على مصالحها في تركيا وتضمن القضاء على
الصحوة الإسلامية فيها...
خلاصة...
يتبين مما تقدم ذكره في هذه الدراسه أن
هناك ضبابًا كثيفًا يكتنف الخريطة الحزبية في تركيا، بحيث يصعب التكهن بما ستتمحض
عنه قادمات الأيام، بيد أن الأمر الذي أكاد أجزم به أن هذا الضباب سينكشف في يوم
ما، لتسفر الخريطة الحزبية في تركيا بوضوح عن تيارين اثنين متجاذبين.
۱ – تيار إسلامي
يستقطب جميع القوى الإسلامية العاملة على الساحة التركية، تتجمع كلها لتصب في
مسيرة العمل الإسلامي الجاد لاستعادة الهوية الإسلامية لتركيا.
٢-
تيار
العداوة للإسلام والمسلمين، يستقطب كل القوى المعادية للإسلام ماسونية، وعلمانية
ونصيرية ويسارية وانتهازية، تتجمع كلها لتنفث أحقادها وأحقاد أبالستها ثالوث
الصهيونية العالمية، والغرب الصليبي، والشرق الشيوعي ضد الإسلام والمسلمين في
تركيا.
وستمضى المعركة بين الإسلام وأعدائه في
تركيا، ولن يساورنا أدني شك بأن النصر في نهاية الأمر سيتحقق للإسلام وللمسلمين،
ولعل ما حققه حزب الرفاه الإسلامي في الانتخابات النيابية الأخيرة في عام ۱۹۸۸م من زيادة لعدد الأصوات التي حصل
عليها بنسبة ٥٠٪ عن الأصوات التي حصل عليها في انتخابات عام ١٩٨٣م بشير خير وبارقة
أمل تطمئن كل مؤمن ومؤمنة إلى أن المستقبل سيحمل بإذنه تعالى تباشير النصر للإسلام
والمسلمين في تركيا، مثلما سيحمل مفاجأة غير سارة لأعداء الإسلام من علمانيين
وماسونيين ويساريين وصلبيين، وعسى أن يكون ذلك قريبًا، وما ذلك على الله ببعيد.