; معالم على الطريق 1099 | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق 1099

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1994

مشاهدات 61

نشر في العدد 1099

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 10-مايو-1994

  • هل تحتاج الأمة إلى معنويات أم إلى نفاق؟

    الأمم في ساعات الشدائد تحتاج إلى معنويات عالية ونهضات سامية وعزائم قوية حتى تتخطى العقبات وتتجاوز الشدائد وتقفز على الجراح، والأمة الإسلامية اليوم في أوضاعها الراهنة التي تدمي القلوب في حاجة إلى استرداد عافيتها بتنادي منهجها واستدعاء عزتها وكرامتها حتى تستطيع أن تنهض من كبوتها الكبرى التي لا يختلف عليها أحد، وتتخلص من كوارثها العظمى التي طحنت كل إنسان، وطاولت كل قطر ودخلت كل بيت، وتفطرت لها قلوب الكبار والصغار.

    واستدعاء الفكر الإسلامي يختلف عن استدعاء أي فكر، وتلاقي المنهج الإيماني يغاير تماماً التواصل مع أي منهج لأمة سبقت لأنه يمتاز بأنه نور لا نار، ورحمة لا شقاء، وخير لا شر، وعدالة لا قهر وأخوة لا عنصرية، حيث ينادي البشر بالحب كله والعطف كله، والمساواة للتسابق في الخير والنهوض بالبر

    : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات: 13)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (سورة النساء: 135)، ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (سورة البقرة: 256)، ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الممتحنة: 8).

    هذا هو منهجنا بغير لبس، أو غموض، أو حتى تعليق؛ ليس كمنهج غيرنا حيث نرى التحريض، والإفساد، والتخريب يطفح من بين جوانبه، ومن أخمصه إلى قمة رأسه. فمثلاً تنادت "إسرائيل" لتحيي عقيدتها وتبني دولتها بعد تيه كبير وتشريد مستمر، تنادت إلى التوراة من جديد فقرر «بن جوريون» وغيره تدريس النصوص التوراتية، فماذا يا ترى يكون فيها؟ كان فيها إهلاك كل ما عدا اليهود واحتلال أرضهم وقتلهم وتشريدهم واستحلال أموالهم، ومن ذلك ما جاء في سفر يوشع الإصحاح السادس عند فتح أريحا، يزعمون أن الرب طلب منهم إبادة كل من في المدينة حيث قال: «أبيدوا كل ما في المدينة من رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف» (يوشع 6-21). ويزعمون بأن الرب قال لهم: «ويكون عند أخذكم المدينة أنكم تضرمون النار فيها».

    ويفصل الإصحاح الخامس من سفر يوشع مذبحة «عاي»، وكيف قتل يوشع وبنو إسرائيل جميع سكانها وجميع النساء والأطفال والأغنام والأبقار، ثم تكرر ذلك وأقيمت نفس المذبحة الرهيبة بالنسبة لأورشليم، وصبرون، وليخيش، وعجلون، ومقيدة؛ ضربت كلها بحد السيف، وأبيدت كل نفس حتى النساء والأطفال والعجزة، وهكذا فعل بسائر المدن التي احتلتها "إسرائيل"، وقد طرحت "إسرائيل" هذه التعاليم في المدارس وجعلتها عقيدة في المجتمع حتى كان أطفال المدارس يختبرون بعد قراءة هذه النصوص، حيث كان يسأل الطالب: لنفرض أن الجيش الإسرائيلي احتل قرية عربية في الحرب فهل يفعل بأهلها ما فعله يوشع مع أهل أريحا؟ وتراوحت الإجابة بنعم بين 66% و95%، وليس هذا في المدارس فقط، بل كان ذلك في المعابد أيضاً، حيث صرح أحد الحاخامات في جيش "إسرائيل" أثناء غزو لبنان لصحيفة «هآرتس» في 7/5/1982م بما يلي: «علينا ألا ننسى أجزاء التوراة التي تبرر هذه الحرب وتدعو إلى الإبادة؛ فنحن نؤدي واجبنا الديني بتواجدنا هنا في أرض لبنان وعملنا هذا».

    هذا تراثهم وتراث غيرهم، وقد أقام غيرهم دولة على تراثنا هذا وفوق أرضنا وسانده العالم الحر، أو المتحضر كما يقولون، ونحن اليوم بدلاً من أن نتنادى مع تراثنا لنفع البشرية وإقامة العدل والإنصاف فيها، ورد الهجمة الشرسة على ديارنا ومقدساتنا، نطالب بعض الأقلام بجهل أو بحسن نية أو بسوء طوية بإبعاد ما تبقى عالقاً في أذهان الناس من الإسلام، ويحفظ عليها بعضاً من هويتها وشخصيتها وخصوصيتها أمام أعدائها من كل حدب وصوب، فنسمع بالدواهي من يطالب بمحاصرة المسجد، وإلغاء دوره، ونزع كتب التربية الإسلامية من المدارس، وعدم نشر صور النساء المحجبات أو السماح لهن بالظهور، ونفي الاعتماد على الله سبحانه، ونزع الأحاديث والآيات التي تدعو إلى التماسك في الشخصية أو إلى تغيير الفساد، من مثل قول الرسول ﷺ: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (صحيح مسلم)؛ يريد أن يمنع حتى أي معارضة للمنكر حتى ولو بالقلب، وكأنه يريد أن يكون نص الحديث: «من رأى منكم منكراً فليباركه، وليعضده بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الانحلال والخراب والدمار».

    يا قوم كفى هزراً وتخريباً وضياعاً، وإذا لم تتقوا الله فاتقوا غضبة الشعوب ونقمة الناس، وكفى تمريغاً لأنوف الأمة في الأوحال وضياعاً لمقدراتها وسفكاً لدمائها، بل كفى نفاقاً وضلالاً فقد تطاولت الأزمان وتباعدت الأوقات وأنتم هائمون في جنة النفاق والخديعة والوبال، ونحن نعلم جيداً أنكم تسيرون على خطى مدربيكم، وفي ظلام معلميكم، ولكن نعتقد أنكم قد نبغتم عنهم وتفوقتم عليهم وأصبحتم منظرين، وإلا فهذه أفعالكم وهذه أقوالهم وتعاليمهم:

    ما دمت في جنة النفاق ** فاعدل بساق ومِل بساق

    ولا تقارب ولا تباعد ** ودُر مع الثور في السواقي

    وضاحك الشمس في الدياجي ** وداعب البدر في المحاق

    ولا تحقق ولا تدقق ** وانسب شآماً إلى عراقي

    وقل كلاماً بغير معنى ** واحلف على الإفك بالطلاق

    ولا تصادق ولا تخاصم ** واستقبل الكل بالعناق

    فأي شخص كأي شخص ** بلا اختلاف ولا اتفاق

    وأي شيء كأي شيء ** ما دمت في جنة النفاق

    فهل يا ترى اقتصر الأمر على النفاق أم تعداه بعد النفاق إلى القتال في سبيل النفاق؟ فهل هذا ليس إرهاباً أو تحريضاً على الإرهاب أم ماذا؟!

     

الرابط المختصر :