العنوان معالم على الطريق- وما من ظالم إلا سيبلى بظالم
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 04-مايو-2012
مشاهدات 91
نشر في العدد 2000
نشر في الصفحة 41
الجمعة 04-مايو-2012
أ.د. توفيق الواعي
مما يقرره الباحثون، ويحصيه المؤرخون من حقائق لا تقبل النقض أو الجدل في صحتها أن الظلم هو الذي يهدم الأمم، ويدمر الشعوب ويذهب الحضارات، ويؤسس الفساد، ولهذا كان الظلم في أي مجتمع يمثل حريقًا مهولاً فيه وهلاكًا مدمرًا في كيانه، هذا قانون بشري وسنة جارية ينبهنا إليها ربنا سبحانه في كثير من الآيات، ﴿وكذلك أخذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِن أَخَذَهُ أَلِيمٌ شَديدٌ ﴾ (هود: الآية 102)، ﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11)﴾ (الأنبياء: الآية 11)، ﴿وكَأيّن مِن قَرْيَةِ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَى الْمَصِيرُ ﴾ (الحج: الآية 48).
هذا، ولأن الظلم فساد وغباء، ووحشية وانحطاط، فإنه دائمًا يكون بعيدًا عن الهداية وصدق الله: ﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: الآية 27)، ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) ﴾(الجمعة: الآية 5)، ولظلامه ودماره يستحق دائمًا لعنة الناس ولعنة الله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾(هود: الآية 18). والظلم كأي رذيلة، ومثل أي فساد، له أسبابه التي قد يكون من أهمها:
1- فساد الناس وظلمهم لبعض، وتجنيهم على الحقائق، فتتبلد الضمائر، وتفسد العادات ويصير الظلم طبيعة وسنة جارية فيهم لا يهتز لها ضمير، ولا يتألم لها شعور، وما الظالم إلا واحد منهم، وفرد من سلالتهم، وجزء من بيئتهم وصدق الله، ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)﴾ (الأنعام: الآية 129)، ثم لا يلبث والحال هكذا أن يلاقي الجميع الويلات ويترقبوا الكوارث التي ستأتي كقطع الليل، أو كحمم البراكين، وصدق الله: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾( هود: الآية 113)، والركون إليهم يكون بالرضا بما يقترفون أو السكوت عليه أو إعانته بشكل أو بآخر، أو بالانتفاع المادي من ورائه فإنه ولاشك سيلاقي بعد ذلك عنتًا شديدًا له ولأهله ومجتمعه، وإن ظن أنه بعيد عن ذلك كله، ولهذا يقول ابن مسعود مرى .. من أعان ظالما سلطه الله عليه .. وكم يلاقي أعوان الظلمة من قتل وبغي وامتهان وتصفيات بعد فراغ مهماتهم الحقارتهم وهوائهم عند الظالم وعند الناس.
وكم تلاقي ذرياتهم من صغار واحتقار ويكون ذلك سبة في عقبه إلى يوم يبعثون، إذن فظلم الناس أو تغاضيهم عن ظلم الظالمين يكون سببا في مصائبهم وهوانهم وضياعهم، ولهذا يقول الإمام الفخر الرازي: إذا أرادت الرعية أن يتخلصوا من الظالم فليتركوا الظلم، ثم أورد قول القائل وما من يد إلا يد الله فوقها وما ظالم إلا سيبلى بظالم خنوع الناس واستسلامهم وانشغالهم بالفساد، واقتراف الدنايا، وركونهم إلى الدجالين والمشعوذين من الساسة والأفاكين، وصدق الله ﴿فَاسْتَحْفَ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾(الزخرف: الآية 54).
وحينها تصبح الشعوب لا وزن لها ولا طعم ولا رائحة، ولا هوية ولا غاية ولا هدف، يسهل على كل مشعوذ خداعها والاستيلاء عليها وتوجيهها حسب ما يريد، وأخذ مقدراتها واللعب بمصائرها ووقت ذلك تستحق الأمة ما يجري عليها من ظلم، بل تستحق أن تلعن كالظالم تماما بتمام وصدق الله ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ (المائدة: الآيات 78 79)، هذا ولما قرأ رسول الله ﷺ تلك الآيات كان متكنًا فجلس وقال: «كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً أو ليضرين الله قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعنهم».
ولاشك أن أممًا كهذه يكون قد تودع منها لأنها فقدت شرف الانتماء إلى الحق، ولأنها صارت بلا عزم وبلا قوة، والوقوف أمام الباطل يحتاج إلى صلابة، وعزم وشكيمة، ومنطق الإيمان يحتاج إلى جهاد وتضحية، عن أبي أمامة قال أتى رجل إلى رسول الله وهو يرمي الجمرة، فقال يا رسول الله، أي الجهاد أحب إلى الله عز وجل؟ فسكت عنه ثم مضى رسول الله حتى إذا اعترضه في الجمرة الثالثة فقال يا رسول الله أي الجهاد أحب إلى الله عز وجل ؟ قال كلمة حق تقال الإمام جائر هذا هو الجهاد الحق الذي يثبت العدل في الأمة، ويمنع الظلم حتى لا يستشري فيها، ويكون منطلقا إلى الحفاظ على كرامة الناس وحقوقهم، والأمة التي لا كرامة لها ولا حقوق أمة هالكة لا وزن لها، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: أنت ظالم؛ فقد تودع منها»..
نعم، تكون قد تودع منها، نفسًا، وجسدًا وديارًا، ولكن أمة الإسلام دائمًا وإن ضعفت ففيها الخير، وإن وهنت فعندها الإيمان، وقد أخبر الأمة بذلك بقوله لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي وعد الله وهم على ذلك، لهم فضل الجهاد الدائم والثواب المتصل والمنزلة العظيمة، هم نجوم الأمة وشموسها المضيئة والكاشفة للظلم لهم المنزلة العليا في الدنيا ولهم الشرف والجزاء الأوفى في الآخرة.
يروي الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قال أتدرون من السابقون إلى ظل الله عز وجل؟، قالوا: «الله ورسوله أعلم، قال الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا الناس كحكمهم لأنفسهم، هذا ورغم أن الظلم في الإسلام جريمة، والإنسان مؤاخذ به، فإن قانون تلك المؤاخذة مع السلطات يكون أشد وأقوى، ويبنى على الاتهام أولاً حتى يثبت العكس في الدنيا والآخرة، يوضح هذا رسول الله ﷺ فيقول «ما من أمير على عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه حتى يطلقه الحق أو يوبقه» ..
هذه هي السلطة في الإسلام مسؤولية يحاسب عليها في الدنيا بهذا القانون وفي الآخرة ولا ينجو منها ذو سلطة أو قضاء إلا بالعدل والحق وأداء الواجب ورضاء الله والناس، وإلا فالإهانة في الدنيا والآخرة، والأمر ليس ملعبة أو مغنمًا يتقلده العجزة والكسالى والجهلاء، يقول القضاة ثلاثة رجل قضى بغير الحق، فعلم ذلك فهو في النار، وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار، وقاض قضى بالحق فذلك في الجنة : أي قضى عن علم ومعرفة وتمحيص فأقر الحق فهو في الجنة وما عداه في السعير.
قلت بعد هذا سبحان الله، ما أجرأ الكثيرين على النار يخبطون في الظلم والجهل والبغي على عباد الله بالتربس وسبق الإصرار، وما يظن أحد ولو مجنون أنهم ناجون في الآخرة، وما يظن أحد عنده مسكة من فهم أنهم سيفلتون في الدنيا، وإن غدا لناظره قريب ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل