; وجوب القدرة على إدارة الصراع | مجلة المجتمع

العنوان وجوب القدرة على إدارة الصراع

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002

مشاهدات 76

نشر في العدد 1530

نشر في الصفحة 49

السبت 14-ديسمبر-2002

المفترض أن الناس كلهم إخوة، وأن تعدد الشعوب، والألوان والأماكن، يوجب التعارف والتعاون على الخير، وهذا ما قرره الإسلام في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13).

ولكن للأسف انقلبت الأخوة إلى عداوة والتعدديات إلى صراعات، بل إلى حروب واستئصالات خاصة إذا كان هناك طرف قوي وآخر ضعيف، أو فريق مسالم وآخر مشاكس كما نرى اليوم في كثير من بقاع المعمورة، فمثلاً يقترب هذه الأيام الغرب والعالم الإسلامي من نقطة الصدام الحتمي، وسبب ذلك معروف وهو الافتقار إلى العدالة، وعدم التوازن في القوى، فالعالم الإسلامي أصبح لا يمثل كتلة متحدة. سياسية أو جغرافية أو اقتصادية، وفقد بذلك قوته فعامله الغرب من منظور الاستضعاف، وبدلاً من أن يجتمع العالم الإسلامي على تقوية نفسه وتطوير مواقفه وتوجهاته وتبني قضاياه بناء على وحدة العقيدة المشتركة بين أبنائه، وعلى وحدة المصائب والملمات اكتفى البعض بوحدة المشاعر والعواطف تجاه بعضهم البعض في مواجهة العداوة الشديدة التي اجتمع عليها أعداؤه.

ووضع العالم الإسلامي اليوم ليس وليد الصدفة، ولم يصل إلى ما وصل إليه في يوم وليلة، ولكنه نتاج ضياع لسنوات عدة، وعوامل كثيرة منها تخطيطات وجهود بذلت لهدم أممه وتفكيك بنيانه، حتى وصل إلى ما وصل إليه من البؤس والضياع.

زد على ذلك موقع العالم الإسلامي وخصائصه الإستراتيجية المتميزة، وموارده الكثيرة، فقد كان ذلك بمثابة نعمة ونقمة عليه وعلى شعوبه، نعمة إن استطاع حمايتها والاستفادة منها، ونقمة إن نام وفرط وفقد القيادة القادرة المتمكنة، وفقد الاتحاد والقوة الفعالة التي تستطيع بناء الأمم والشعوب، وترود الغمرات والدروب وهكذا فرض الغرب عدة قرون من الاستعمار والتحكم السياسي والعسكري، والاستغلال لموارد العالم الإسلامي والعالم الثالث من أجل رفاهية شعبه وفتح الأسواق لبضائعه ومنتجاته، بالإضافة إلى تحقيق الأمن والرفاه والقوة.

والعالم الإسلامي بطبيعته لا يمكن أن يستمر كما هو قطعًا ممزقة وإلا ستكون النتيجة الحتمية فقدان الموارد وضياع المستقبل، ولا بد أن يدرك العالم الإسلامي يومًا ما أن الجسد العليل دائما يكون مجلبة للداء والجراثيم، وأن الاعتداء على جزء منه وهو ساكت ومكتوف اليدين يوحي بغير شك أن البقية ستأتي وأنه سيتحقق فيه المثل القائل «أكلت يوم أكل الثور الأبيض».

لذا فإن الجهود المتطلبة والموارد المستلزمة لتغيير هذا الوضع لا بد أن تكون مماثلة للقوى المضادة على الأقل إن لم تزد عليها، ولا بد من دراسات متأنية وعميقة لحال الأمة في الماضي والحاضر والمستقبل، تستطيع من خلالها اكتشاف الطريق السليم والداء العضال، الذي ينبغي أن يوجد له الدواء، حتى تزول العلة، وينزاح السقام، إننا لا بد أن نعرف وبكل وضوح أننا مستهدفون وأن هذا الاستهداف لا بد أن يواجه بشجاعة ومقدرة وجدية وأنه لا بد أن يتحقق في هذه المواجهة ما يلي:

1- فهم حقيقة الصراع وطبيعته وكيفياته ومسبباته.

2- تكتيل جميع قوى الأمة وإمكاناتها المختلفة والمتنوعة لمواجهة هذا الصراع.

3- اتخاذ موقف واضح من عملية إدارة الصراع.

هذه العناصر الثلاثة لم يقدر لها حتى اليوم التعامل الفكري الحقيقي وبصفة خاصة العنصر الثالث؛ لأن أكثر قياداتنا كما يبدو من واقعها الملموس ومن مواقفها المعلنة، لم تعد العدة لإدارة صراع حتمي حتى مع الصهيونية ككيان توسعي يقوم على أساس تحقيق أكذوبة إسرائيل الكبرى كمعقل للصهيونية يسعى لتجميع يهود العالم في المنطقة. وحلمه هو الهيمنة على المنطقة، وهذا المفهوم لم يعد مجرد كلمة تطلق، بل أصبح مخططًا يسود الفكر القيادي في تل أبيب، ويعمل له الصهاينة ويعدون العدة لتحقيقه، إذن فعلى القيادة العربية أن تعلم أنه لا بد في الأمد البعيد أو القريب من منازلة الصهيونية في ميدان القتال العضوي بل إن الكيان الصهيوني نفسه يعد لذلك وسوف يبدؤنا بهذه الحرب والوثائق الدامغة الدالة على ذلك كثيرة ويساعده على ذلك أمور منها:

1- أن هناك قوى من خارج المنطقة تعمل لحساب الصهيونية؛ فالقدرة الأمريكية والدبلوماسية الغربية والصهيونية العالمية جميعها تخدم تل أبيب، وتضع كل قدراتها في الجانب اليهودي اقتصادية كانت أو سياسية أو عسكرية.

2- القوى العربية غير متماسكة وغير متساندة في الصراع، بل إن هناك من يعمل لصالح العدو تارة بوعي، وتارة دون وعي حقيقي.

الفرق الواضح في قيادة المواجهة فبينما استطاعت القيادة الصهيونية أن تكتل شعبها وتسشيره بل استطاعت أن تجمع وتفعل جميع القوى اليهودية والمتعاطفين مع الصهيونية في جميع أنحاء العالم، هناك قيادات عربية تفتعل المعارك بينها وبين شعوبها كما أنها لم تستطع أن تصفي خلافاتها الجانبية المؤقتة بينها وبين بعضها البعض، أو تفعل ذلك أيضًا بينها وبين الشعوب الإسلامية التي تعتبر امتدادًا طبيعيًّا وعمقًا إستراتيجيًّا للأمة العربية.

3- الاهتمام الكبير بالصناعات العسكرية من جانب العدو، والإهمال الكبير لذلك من جانب الدول العربية، حتى استطاعت إسرائيل أن تمتلك قوة عسكرية ضخمة وصناعات عسكرية وتكنولوجية متقدمة بما فيها السلاح النووي.

لهذا أصبح الصراع غير متكافئ ويحقق ما يصبو إليه العدو من أهداف معينة منها:

1- عدم الاستقرار في المنطقة تمهيدًا للتوسع.

2- القطيعة العضوية بين أجزاء الوطن العربي.

3- اقتطاع أجزاء من الوطن العربي وهضمها خطوة خطوة.

4- التهديد بتجزئة الوطن العربي. 

5- تحويل المنطقة إلى مسرح للاستقطاب الدولي.

٦ - الاعتداء على حرمة الأماكن المقدسة.

7- الاعتداء على الحقوق، وعلى الخامات العربية والاقتصادية، وزيادة التأخر العربي.

8- إنكار حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والعمل على استذلاله وطرده إن أمكن. 

وبعد: فهل ستظل المنطقة العربية تغط في نوم عميق؟ أظن أن ذلك مستحيل لأسباب عديدة، وإن غدًا لناظره قريب.

الرابط المختصر :