; معالم على الطريق.. هل هناك بديل عن السجون في العالم الثالث؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. هل هناك بديل عن السجون في العالم الثالث؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1997

مشاهدات 62

نشر في العدد 1260

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 29-يوليو-1997

هل يأتي اليوم الذي يخلو فيه العالم الثالث من السجون السياسية، وتهدأ فيه السلطة وتتحمل أعصابها النقد، وترضى بتبادل السلطات، وتعمل على الاستفادة من الطاقات التي تتمتع بالشرف السياسي ونقاء اليد، وقوة العزيمة، وتحرص على بناء قاعدة شبابية ناهضة من فتيانها الذين لا يوجد اليوم مثلهم في كثير من الأمم التي ترهلت بحضارة الجنس والتسيب الخلقي والشذوذ. 

إن القاعدة الشبابية في كثير من بلداننا الآن يراد إهلاكها وتمزيقها حتى يضيع مستقبل الأمة، فتراهم إما في السجون والمعتقلات، أو تحت التعذيب، أو صرعى على قارعة الطريق، وفي الوديان، أو مشتتون في بقاع الأرض مطاردون في أقاصي المعمورة، يعيشون الخوف والتشريد والحرمان، لقد قتل من شباب الأمة في بعض البلدان، بل في بلد واحد بما يقدر بمائة ألف، لم يقتل مثله ولا عشرة في حرب مع اليهود على مدار نصف قرن من الزمان، ولو قتل معشاره على الجبهات الأربع مع الصهاينة لنلنا حقوقنا وطلب أعداؤنا الاستسلام ورفعوا الراية البيضاء. 

وإذا كان لي أن أتساءل عن هذا التردي وهذا الوأد القومي، فأقول: بأي منطق وبأي أسلوب، وبأي تربية يعامل الشباب وينشأ الجيل، إذا كنا حقيقة في أمة تعترف بإنسانية بنيها لا أقول حقوقهم، وتقر بأنهم بشر لا حيوانات، وإن كانت في كثير من الأمم اليوم جمعيات للرفق بالحيوانات، ولقد تصفحت على مدى عمر مديد كتب التربية، وأساليب بناء الأمم، ومناهج تنشئة الشباب، فما وجدت أن هناك شبابًا ولا في العصور الحجرية - إلا من لعن ربك - يربى بالترويع والتشريد، وتيتيم الأولاد، وترميل الزوجات، أو يهذب بالسجن والتعذيب: 

أسمعت بالإنسان ينفخ بطنه

                              حتى يرى في هيئة البالون؟

أسمعت بالإنسان يضغط رأسه

                             بالطوق حتى ينتهي لجنون؟

أسمعت بالإنسان يشعل جسمه

                           نارًا وقد صبغوه بالفزلين؟

أسمعت ما يلقى البريء ويصطلي

                    حتى يقول: أنا المسيء خذوني؟ 

أسمعت بالآهات تخترق الدجى 

                      رباه عدلك إنهم قتلوني؟

إن كنت لم تسمع فسل - عما جرى – 

                       مثلي ولا ينبيك مثل سجين

وسل السياط السود كم شربت دمًا 

                    حتى غدت حمرًا بلا تلوين

وسل المقطم وهو أعدل شاهد 

               كم من شهيد في التلال دفين

قتلته طغمة ظلم أبشع قتلة 

             لا بالرصاص ولا القنا المسنون

بل علقوه كالذبيحة هيئت

              للقطع والتمزيق بالسكين

وتهجدوا فيه الليالي كلها 

            جلدًا وهم في الجلد أهل فنون

قالوا: اعترف أو مت فأنت مخير 

               فأبى الفتى إلا اختيار منون

وجرى الدم الدفاق يسطر في الثرى 

           يا إخوتي استشهدت فاحتسبوني

لا تحزنوا إني لربي ذاهب

              أحيا حياة الحر لا المسجون

ما خنت ديني أو حماي ولم أكن 

             يومًا على حرماته بضنين

كما أنني ما وجدت مربين يختارون لتربية الشعوب أنكد نفسًا، وأقسى قلبًا، وأغلظ كبدًا ممن يرشحون لتربية شبابنا في الأقسام البوليسية وفي السجون الحربية، حتى إنك تعجب أكثر إذ تعلم أن الدولة تصرف لهم علاوة تسمى «علاوة الإجرام»، وتجري لهم اختبارات نجاح نظرية وعملية ذهلت عندما علمتها، وكان من شروطها ما يلي: 

أ- اللامبالاة بالآخرين.

ب- إثارة المشاكل.

ج- تبلد المشاعر الإنسانية.

د- قلة الإحساس.

هـ- البحث عن الإثارة.

و- العدوانية تجاه الآخرين. 

ز- الميل إلى فعل كل غريب مؤذ. 

حـ- اللامبالاة بالخطر.

ط- السرور بمضايقة الآخرين.

ومن تظهر عليه علامات شفقة أو إنسانية من هؤلاء يستبدل فورًا بأخر تتوافر فيه الصفات المطلوبة، كما كان جل هؤلاء أغلبهم من الجهلة الذين يسهل شحنهم وتحريضهم على الآخرين، ولقد سأل بعضهم أحد الإخوة المتعلمين، عن زراعة السجائر، فقال له باسمًا: «تؤخذ السجائر وتقطع قطعًا وتزرع في الأرض فتخرج الأرض سجائر طويلة يقطعونها، ويعبؤونها في العلب التي تراها»، فصدق المسكين هذه النكتة ولله في خلقه شؤون.

كما كانت تجرى اختبارات غريبة تدل على جهل من المختصين كبير، إذ يجعلون المبادئ العامة التي يجب أن يتحلى بها الشاب لخدمة بلده وأمته متنافرة، ويجب أن يختار ما يظنون أنه يخدم مصالحهم الشخصية، فمثلًا مما كان يختبر به الشاب من أسئلة - وهي كثيرٌة -: 

١- إذا كان الولاء لأمتك وللرئيس، يتطلب منك ما يلي: 

أ- أن ترغم على التخلي عن دينك، وعن المناداة بالسير على الشريعة في السر والعلن. 

ب- أن تتجسس على عائلتك وتبلغ عن أي شيء تراه ضد الرئيس، أو ضد تعاليم الحزب، أو ... أو .... فماذا تختار؟

وهكذا من أمثال هذا الكثير الكثير

أرأیت بالله عليك هذه التربية الغريبة؟ ألست معي أنها تمثل كارثة للأمة لا بد أن تظهر أثارها؟ وقد ظهرت في ضياع الأمة وهزائمها الحربية والعلمية والنفسية، إن قيادات الأمم وخصوصًا في هذا العصر لم تعد هزرًا أو لعبًا أو معلمة، أو رئاسة لعصابة سلبت حكمًا في غفلة من الشعوب المسكينة، وإنما القيادة لا بد وأن تنبع من الجماعة أو الشعب، وتؤمن بأهدافه وتشعر بمشاعره، وتستمد منه سلطانها، وتشعر الأعضاء أو الأمة بالحاجة إلى تلك القيادة، لأنها تراعي مواهب الإبداع وتطور ذخيرته في الأفراد والجماعات، وتستطيع مواجهة التحديات الناشئة، وتتعامل معها بعقل فاعل، لتقوية البنية المعنوية والقيم الأساسية والروحية والنفسية التي تتحكم في أفعال الناس، كما تعلي الشرف الشخصي والعدالة الاجتماعية، وتقدس الحريات، وتستطيع استثمار الآراء والاتجاهات، وامتصاص التوترات النفسية بالشورى والإصغاء للرأي الآخر، وتستطيع استخدام قوى الأمة ومواردها الطبيعية استخدامًا أمينًا وذكيًا، وأن تعطي النشء الفرصة لتنمية قدراته وتدريبه على القيادة، وتحمل مسؤولياته في الأمة، هذه القيادة هي البديل عن قيادات الضياع والسجون والقتل والتعذيب، وضياع الشباب وقوى الأمة، وهي التي تقود وتربي الجيل الناهض الذي يتحمل مسؤولياته في تلك الأوقات العصيبة، فهل يأتي ذلك اليوم الذي نرى فيه هذا؟ نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :