; معالم على الطريق- هل تأبين الحريات واجب وطني؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق- هل تأبين الحريات واجب وطني؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1994

مشاهدات 86

نشر في العدد 1111

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 09-أغسطس-1994

وكما أن الدول المتقدمة تقيم الاحتفالات في ذكرى الحريات وتنصب الزينات وتضيء الأنوار وتظهر بحلة بهيجة، وهذا حقها في تلك المناسبات العظيمة، فإنه ينبغي للأمم المقهورة والشعوب المتخلفة التي فقدت تلك الحرية أن تقيم المآتم، وتنصب السرادقات لتأبين هذه الحريات الضائعة وتتقبل التعازي في الفقيد العزيز وتترحم على الراحل الكريم، وتتحسر على ذلك المأسوف على شبابه وتلبس السواد وتطفئ الأنوار وترفع أعلام الحداد في تلك الذكرى الأليمة، وهذا حقها في هذا القهر الداجي والعسف الماحق كما يحق لها أن تقرأ الآيات على روحه الطيبة من أمثال قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ﴾ (الأنبياء: 35) وقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: 34) ويتبارى الخطباء والشعراء في تعداد مآثره الطيبة وأفضاله العميمة، وفي إظهار اللوعة والأسى على هذا الفراق الأليم، وهذا الرحيل الأسيف:

 

المشرقان عليه ينتحبان *** قاصيهما في مأتم والداني

لما نعيت إلى الشعوب مشى الأسى *** في العالمين وروع الحرَمانِ

لو أن أوطانًا تصور هيكلًا *** دفنوك بين جوانح الأوطان

أو كان يحمل في الجوانح ميت *** حملوك في الأسماع والأجفان

 

ويعم الحزن حتى الغوغاء والعامة ويحملون الرفات الطاهر والجسد المسجى يرددون في حسرة واحتساب وصبر لا دايم غير الدايم، ولا دايم إلا الله يا فاني كله فان، ولا بقية غير الله...

 

وهذا شعور إنساني ولوعة بشرية وإحساس طبيعي لا يستطيع أحد كبته أو إجهاضه أو إزالته من أعماق الناس، لأن الحرية هي هي الإنسانية، من قتلها في إنسان فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا، ولأن قتل الحرية يكون لحساب صناعة الاستبداد الذي يحيط الناس بالخوف والجوع والفقر ونقص الأموال والثمرات والاستلاب والاستغلال الذي يتوج ذلك كله بالقمع الذي لا يسمح لأحد أن يرفع رأسه استفسارًا أو إصبعه احتجاجًا أو صوته اعتراضًا.

 

وقد عرف الكواكبي ذلك الاستبداد الماحق للحرية بقوله: "هو تصرف فرد في حقوق القوم بلا رقيب ولا حسيب" وقرر أن الحرية: "هي قدرة الإنسان على التعبير والاختيار وإنكار المنكر والقدرة على إزالته" ودولة الإسلام هي أول دولة أقيمت على الحرية في العالم، وهي التي قادت العالم إلى ذلك الرقي الإنساني والنفسي ولنضرب مثلًا على ذلك ليتضح الحديث وتظهر الحجة مثلًا من الواقع في العصر الحديث المتقدم، ومثلًا من التراث الإسلامي. الحوار الذي دار بين الرئيس كيندي- الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية. وبين أحد الصحفيين -هو نفسه- الحوار الذي دار بين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وبين سلمان الفارسي ومن ذلك يتضح أن جوهر الحوار واحد رغم تباعد الزمن بين الحوارين.

 

الحوار الأول، والذي كان بين كيندي وأحد الصحفيين، جرت وقائعه حين سأل الصحفي مستر كيندي عن رحلة زوجته إلى أوروبا، وهل كانت هذه الرحلة على نفقته الخاصة أم كانت من مال الدولة؟ فأجاب: كيندي موضحًا الحقيقة دون تأفف أو استعلاء.

 

أما الحوار الثاني: فقد جرت وقائعه منذ أربعة عشر قرنًا بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وبين الصحابي سلمان الفارسي قال سلمان لعمر: نرى ثوبك طويلًا سابغًا وكلنا كميش أي ما حصل أحدنا إلا على ثوب قصير، فمن أين لك هذا؟ فأحس عمر بأنه متهم بالاستغلال، فقال: قم يا عبد الله بن عمر فحدث الناس، فقال عبد الله: إن نصيب أبي من الثياب الموزعة لم يكن ليكفيه لأنه رجل طويل فمنحته نصيبي ليكمل حلته، وكان ذلك على رؤوس الأشهاد ولم يستنكر عمر ذلك، كما لم يستنكر كيندي ذلك، وإن كان مثل عمر في نفسه وليس في زوجته، وهذا أبلغ وأشد في المحاسبة، والحقيقة أن الإسلام هو الذي أحيا إنسانية الإنسان وفرض العدالة والمساواة والحرية وأبان الحقوق والواجبات، وطهر المجتمعات من العبودية والقهر والظلم والبغي وأقام دولته على هذه المبادئ التي نوجزها فيما يلي:

 

1- الولاية للأمة؛ حيث لها حرية اختيار الإمام وعزله ومراقبته ونصحه، فالإمام يستمد سلطته من الأمة.

 

2- المجتمع مكلف ومسؤول: فإقامة الدين وعمارة الدنيا ورعاية المصالح وإصلاح الخلل مسؤولية الأمة مع الحاكم.

 

3- الحرية حق للجميع حرية الاعتقاد ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ﴾ (البقرة: 256)، ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيُكْفُرْ ۚ﴾ (الكهف: 29)، حرية الاختيار والتعبير، "لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت".

 

4- المساواة بين الناس ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ﴾ (الحجرات: 13). "إن ربكم واحد وإن أباكم واحد".

 

5- الظلم محرم ومقاومته واجبة والعدالة حق للجميع ﴿كُونوُا قَوَّامِين بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ (النساء: 135)..

 

6- الشورى واجبة: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38) ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ﴾ (آل عمران: 159) "من لم يستشر فعزله واجب".

 

هذه المبادئ وغيرها الكثير هي التي أحيت الإنسانية، وصدق الله ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ﴾ (الأنعام: 122) فمن الذي أمات الإنسانية في الإنسان، ووأد فيه الحرية، وزرع فيه العبودية للطواغيت التي حرره الله منها؟ أفلا يستحق هذا الحزن والبكاء؟ فضلًا عن الجهاد واستخلاص الكرامة، وصدق القائل:

 

وللحرية الحمراء باب *** بكل يد مضرجة يدق

وللأوطان في دم كل حر *** يد سلفت ودين مستحق

ولا يبني الممالك كالضحايا *** ولا يدني الحقوق ولا يحق

وقفتم بين موت أو حياة *** فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا

 

أم هل نظل نؤبن الحريات الضائعة، ونبكي على الأطلال الدارسة، ونقول هذا أضعف الإيمان؟!

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 112

178

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

سيد قطب وتراثه الأدبي والفكري

نشر في العدد 497

130

الثلاثاء 16-سبتمبر-1980

يا سيد.. ما نسينا أنت قد علمتنا