; فلا نامت أعين الجبناء | مجلة المجتمع

العنوان فلا نامت أعين الجبناء

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2002

مشاهدات 66

نشر في العدد 1495

نشر في الصفحة 45

السبت 06-أبريل-2002

من ذا الذي لم تتقطع أكباده بعد؟ من الذي لم يبك على العزة والكرامة المهدرة؟ من الذي لم يتحسر على ضياع الأمة التي استهلكت طاقاتها وقوتها في الأحقاد والشهوات والمعارك الداخلية، وفي قتل المخلصين وتصفية المجاهدين وسجن العاملين؟ من الذي لم تتمزق نياط قلبه على الحال البئيسة التي صارت إليها أوضاع المسلمين؟ لماذا لا تتجمع قوى الأمة؟ لماذا لا نترك الضياع والتخاذل ونلتفت إلى ذواتنا وأنفسنا حتى تكون قوتنا من داخلنا؟ لماذا لا تتصالح الأنظمة مع المخلصين في الأمة، فتخرجهم من السجون وتأخذ برأيهم وتستفيد من قواهم وإخلاصهم في أوقات الشدة، حتى ولو كانوا في نظرها مذنبين وهم ليسوا كذلك؟

ومن طريف ما يروى عن امرأة سعد بن أبي وقاص في حرب القادسية، ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن سيرين قال: كان أبو محجن الثقفي- رضي الله عنه- شرب الخمر فسجن وأوثق، فلما كان يوم معركة القادسية رآهم يقتتلون فكأنه رأى أن المشركين قد أصابوا من المسلمين فأرسل إلى امرأة سعد يقول لها: إن أبا محجن يقول لك: إن خليت سبيله وحملته على هذا الفرس ودفعت إليه سلاحًا ليكونن أول من يرجع إليك إلا أن يقتل وأنشأ يقول: 

كفى حزنًا أن تلتقي الخيل بالقنا

وأُترك مشدودًا عليّ وثاقيا

إذا قمت عناني الحديد وغلقت

مصارع دوني قد تصم المناديا

فسمعته امرأة سعد فحلت قيوده، وحُمل على فرس كان في الدار، وأعطي سلاحًا، ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله ويدق صلبه، فنظر إليه سعد بن أبي وقاص القائد، وجعل يتعجب منه ويقول: من ذلك الفارس؟ فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى هزمهم الله، ورجع أبو محجن- رضي الله عنه- ورد السلاح، وجعل رجله في القيود كما كان، فجاء سعد- رضي الله عنه- فقالت له امرأته كيف كان قتالكم، فجعل يخبرها، ويقول: لقينا ولقينا، حتى بعث الله رجلًا على فرس أبلق، لولا أني تركت أبا محجن في القيود لظننت أنها بعض شمائله فقالت: والله إنه لأبو محجن ،كان من أمره كذا وكذا، وقصت عليه القصة، فدعا به وحل قيوده فقال أبو محجن- رضي الله عنه- عن الخمر الذي قُيِّد بسببها والله لا أشربها أبدًا كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم، قال فلم يشربها بعد ذلك أبدًا.

امرأة عرفت أن جيش المسلمين يحتاج إلى أمثال أبي محجن فأطلقته حتى ينتصر ذلك الجيش ولتعلو راية المسلمين خفاقة في ربوع العالمين.

إن أحوال المسلمين اليوم يجب أن تحرك تلك الحزازات المصطنعة وتلقي بها في الجحيم ويخرج المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، إن ديارنا العربية والإسلامية في خطر ويجب أن نلتفت إلى قوتنا الذاتية، قبل أن نؤخذ أسرى عند الأعداء ولا فرق بين مخلص وعميل ولا بين رئيس وخفير.

يجب أن تظهر مواقف أصحاب الهمم، لينجلي هذا الليل الطويل، فليس هناك وقت للمهازيل ولا للضالين الخانعين ولله در عمر- رضي الله عنه- إذ قال: «لا تصغرن هممكم فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم» وليس هناك أكبر همة من أصحاب الإيمان وأولي العقائد والغايات والمكرمات، فأفسحوا المجال لهم، قبل أن تكون الطامة الكبرى وتأتي الداهية العظمى فهم- بإذن الله- كاشفو الغم، وفرسان المعارك، وكاشفو الكرب.

عن جعفر بن عبد الله بن أسلم الهمداني- رضي الله عنه- قال: لما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة الكذاب كان أول من جرح أبو عقيل- رضي الله عنه- رمى بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده، فشطب في غير مقتل فأخرج السهم ووهن له شقه الأيسر لما كان فيه، فجر إلى الرحل، فلما حمي القتال وانهزم المسلمون، وجاوزوا رحلهم- وأبو عقيل واهن من جرحه- سمع معن بن عدي- رضي الله عنه- يصيح بالأنصار: «الله الله»، فأسرع معن يقدم القوم وذلك حين صاحت الأنصار أن امتازوا امتازوا، أي أن تحارب كل قبيلة متميزة عن الأخرى، حتى يُعرف من يُؤتى من قبله المسلمون، قال عبد الله بن عمر- رضي الله عنه- فنهض أبو عقيل يريد قومه الأنصار، فقلت: ماذا تريد يا أبا عقيل؟ ما فيك قتال.. إنما يقول: يا للأنصار ولا يعني الجرحى!! قال ابن عمر: فتحزم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى مجردًا، ثم جعل ينادي يا للأنصار، كرة كيوم حنين، فاجتمعوا رحمهم الله جميعًا يقدمون المسلمين طليعة لهم حتى أقحموا عدوهم الحديقة، فاختلطوا واختلفت السيوف بينهم وبين عدوهم، قال ابن عمر فنظرت إلى أبي عقيل وقد قطعت يده المجروحة من المنكب، ووقعت على الأرض، وقاتل حتى خلصت إليه من الجراح أربعة عشر جرحًا، كلها قد خلصت في مقتل، وقتل عدو الله مسيلمة قال ابن عمر: فذهبت إلى أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق فناديته، فقال: لبيك، بلسان ملتاث، ثم قال: لمن الديرة؟ قلت: أبشر، ورفعت صوتي: قتل عدو الله، فرفع أصبعه إلى السماء يحمد الله تعالى ثم أسلم الروح- رحمه الله- قال ابن عمر: فأخبرت عمر بن الخطاب بعد أن قدمت خبره كله فقال رحمه الله ما زال يسأل الشهادة ويطلبها حتى نالها رحم الله الأبطال أصحاب الهمم، الذين يُعزون الأمم ويقتنصون النصر وإن كان بين النجوم أو فوق الثريا.

أيتها الشعوب المسكينة أيعقل أن يتحكم أربعة ملايين يهودي في ما يزيد على ٢٥٠ مليون عربي مسلم عندهم من الإمكانات الكثير الكثير، وعندهم من الهمم الإسلامية الكثير الكثير ويتحرقون شوقًا إلى الجهاد في سبيل الله سبحانه؟ أيعقل أن يختطف المسجد الأقصى، ومقدسات المسلمين من بين جوانحهم ومن أحضانهم ليكون يهوديًا صهيونيًا؟! أيعقل أن يذبح الشعب الفلسطيني الأعزل أمام أعين الجميع، ولا يجد من إخوانه العون حتى بطلقة أو بندقية أو مدفع، ويظل يدافع بالحجر؟ ألا فلا نامت أعين الجبناء ولا قرت عيون المهازيل الضعفاء، وسيعلم الذين ظلموا- إن شاء الله- أي منقلب ينقلبون.

الرابط المختصر :