; على الرواد والقواعد الصلبة تُبني الأمم | مجلة المجتمع

العنوان على الرواد والقواعد الصلبة تُبني الأمم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2003

مشاهدات 51

نشر في العدد 1572

نشر في الصفحة 47

السبت 11-أكتوبر-2003

يستحيل أن تبنى أمة عظيمة على شفا جرف هار، أو أن يشاد صرح سامق على صلصال أو حمأ مسنون، وإنما تؤسس الدول والأمم على قواعد صلبة، وكلما علا البناء وارتفع وكان شاهقًا احتاج إلى قواعد أصلب، وأعمدة أشد وأغلظ وأوتاد أثقل وأعمق.

من هذا المنطلق، يتبين لنا الهدف الأعظم الذي بذله الرسول صلى الله عليه وسلم، والجهد الضخم الذي أنفقه صلى الله عليه وسلم في مكة، والذي استمر ثلاثة عشر عامًا، لإخراج نماذج فذة من البشر تحمل الدعوة، وتصبر على لأوائها وجراحها، وتضحي في سبيلها بالنفس والنفيس، لم تكن مهمة هذه الجماعة مجرد القيام بعبادة الله على النسق الذي قامت به الجماعة المؤمنة من قبل، إنما كانت مهمتها نشر التوحيد في الأرض، وإخراج الناس على مستوى البشرية كلها، من عبادة العباد إلى عبادة الله.

 كما عبر عن ذلك ربعي بن عامر - رضي الله عنه- في مواجهة رستم قائد الفرس، وأحد كبار الطواغيت في ذلك الزمان، مثل هذه الجماعة يحتاج إلى إعداد خاص لا مجرد جماعة من الناس تؤمن بالله واليوم الآخر وتعبد الله.. إذن كان المطلوب لهداية البشرية جماعة فذة، فائقة التكوين، كان المطلوب إيجاد نسق من البشر يواجه الجاهلية بأكملها ويستعـلي عليها، وينقض بناءها الخبيث، وينشئ بناء جديدًا على أساس رباني سليم، وهذا هو الذي تم فعلًا على يد رسول اللهصلى الله عليه وسلم.

كان لابد من قاعدة صلبة تكون نواة لهذا المجتمع الجديد الذي يقوم على أكتافه هذا البناء الضخم الذي غير برواده مستقبل البشرية، وواقع الكوكب الأرضي. ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (الفتح:29)،  ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (الشورى:37-41).

على هذه الصفات الفذة وأمثالها قامت هذه الجماعة وهذه القاعدة الصلبة التي أنشأها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكانت النواة التي تجمعت حولها الجماهير التي تحركت بالدعوة إلى الآفاق، حيث كان لها إشعاعها القوي الذي قاد وفتح وغير، ولقد كانت هذه القاعدة الصلبة من الرجال الذين رباهم الرسول صلى الله عليه وسلم وهي التي اسندت إليها القيادة العسكرية في القتال والقيادة في الأخلاق، والقيادة الاجتماعية في تشكيل علاقات المجتمع، والقيادة الفكرية في توعية الناس بحقائق الإسلام، بالقدوة والكلمة وواجهت الجماهير الجاهلية في الجزيرة العربية وهزمتها، وألغت وجودها، ونقضت غزلها وأقامت بنيانها جديدًا على انقاضها. 

ولقد أراد الله أن يعمل دستور هذه الجماعة العظيمة بمنطق السببية الأرضي، ويتعرض لما تتعرض له المسيرة في حركة الحياة الدائمة المعيشة، فلم يكن مجتمع الرسول ﷺ مجتمع صفوة خاليًا من الشوائب، ولكنه كان مجتمعًا فيه الصفوة والقاعدة الصلبة وفيه المنافقون والمتثاقلون، والمثبطون والمرجفون والجبناء وضعاف الإيمان ﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (النساء:72-73)، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا  (الأحزاب: 12)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (التوبة:38)،  ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (النساء:83).

 هؤلاء كلهم كانوا في مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن الواقع التاريخي يقول: إن القاعدة الصلبة التي رباها الرسول صلى الله عليه وسلم حملت كل أولئك وسارت بهم إلى أهدافها لا تقعدها عقائد فاسدة وقيم بالية، وأعراف منحرفة، وأنماط من السلوك معوجة، ونفوس أهلكها الانحراف العقدي، والقيمي والعرفي والسلوكي، قامت القاعدة الصلبة بدورها كاملًا في كل ذلك حتى استقر الأمر للإسلام في الجزيرة، وكانت بعد ذلك. هي المحضن، وهي المنطلق لتحقيق الهدف في أن يكون الدين كله لله.

 وكان الصراع بين الحق والباطل، وليس الصراع الحربي هو حقيقة الصراع وحده، وإنما الصراع في حقيقته هو صراع القيم التي تقاتل من أجلها الجيوش والتي ينشرها أصحابها حين تنتصر تلك الجيوش وفي هذا يتميز الفتح الإسلامي عن كل صراع في التاريخ القديم والحديث، ومن هذا كله يتبين لنا ولمن أراد أن يقوم بنهضة أو يبني دولة أو أمة سامقة، أنه: 

أولًا: لابد له من تربية صفوة عظيمة وقاعدة صلبة يقوم عليها ذلك البناء، وتحمل على كاهلها عبء الريادة، والتقدم والجهد الذي يبذل في هذا الطريق هو الجهد المبارك الذي تحتاجه الأمة حتى لا تخدع، وقد خدعت مرارًا في ضلالات من صنع المستعمر وما زالت.

ثانيًا: على كل رائد من رواد العمل الإسلامي أن يعلم أن الطريق ليس سهلًا أو هينًا، ولكن النصر في نهاية الطريق إن شاء الله للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (آل عمران:200)، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (التوبة:120)

ثالثًا: الرواد والقواعد الصلبة لهم صفات ومقومات في كتاب الله وسنة رسوله، ينبغي أن يرجع إليها حتى يكون لهم شرف الانتساب والاقتداء، وسلامة النهج والمقصد، إن شاء الله، ونسأله سبحانه التوفيق والسداد.. أمين.

الرابط المختصر :