; معالم على الطريق علم انطوى وشهاب هوى | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق علم انطوى وشهاب هوى

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-2000

مشاهدات 71

نشر في العدد 1391

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 07-مارس-2000

ما أعجب أمتنا في هذه الأيام، وما أغربها الآن في حوادث الزمان تودع خيارها وتستقبل شرارها، وتطفئ شموعها، لتسبح في ظلامها، وتواري علماءها، وتحتفل بجهالها، وتطارد رجالها وعظماءها، وتحتضن أقزامها وفساقها.

ولاشك أن هذا من سوء الطالع، وتكد الأفعال والأعمال، توديع الأمة لخيرة علمائها في برهة من زمان، ولمحة من أوان حيث فارقها الكثيرون من أمثال الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر المحترم، والشيخ محمد الغزالي العالم المجدد البصير، والشيخ علي الطنطاوي، والشيخ الزرقاء، والشيخ مناع القطان، والشيخ الجليل أبو الحسن الندوي، والشيخ الفقيه ابن باز، والشيخ الألباني خادم السنة، ثم تفجع الأمة اليوم بفضيلة الشيخ السيد سابق الناطق بالعقل الرصين والإمام الجليل والخبر النبيل المزين بفنون العلم والحلم المنور بخالص الإيقان العالم بمودع الكتاب العامل بمحكم الخطاب الموفق فيه للبيان والصواب كلامه بالنص مربوط وبيانه بالأدلة مبسوط صدر المدرسين الصدور أكمل العقلاء وأعقل الفضلاء، مورث الفقه وحديث الرسول الناشر في أمته الأحكام والأصول.

كان -رحمه الله- ممن ابتلي في الله وصاحب الجماعة المباركة وعمل في صفوفها وتربى في مرابعها وأفنانها، وألف أنفع كتبه في كتفها وبتوجيه مرشدها الشهيد حسن البنا -رحمه الله-، وهو كتاب فقه السنة، ألفه -رحمه الله- في الأربعينيات من هذا القرن عندما كان شابًا يافعًا، ليجمع فيه ما تفرق في كتب المذاهب، وليأخذ منهجًا وسطًا، يقوم على التخفيف عن المسلمين في قضايا مر أوانها، وليتناول القضايا المعاصرة التي استجدت بعد عصر الفقهاء والقضايا التي ظهرت في القرن العشرين ولم يتناولها الفقهاء السابقون، وتميز الكتاب أيضًا بالعودة في جميع الفتاوى والأحكام إلى المنبع الأصلي للفقه الإسلامي، وهو القرآن والسنة دون انحياز أو تعصب المدرسة فقهية معينة، وقام الشيخ حسن البنا بكتابة مقدمة هذا الكتاب وقال فيها: أما بعد فإن من أعظم القربات إلى الله تعالى نشر الدعوة الإسلامية، وبث الأحكام الدينية، وبخاصة ما يتصل منها بهذه النواحي الفقهية، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم في عباداتهم وأعمالهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما العلم بالتعلم، وإن الأنبياء صلوات الله عليهم لم يورثوا دينارًا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ثم قال رحمه الله:

 وإن من ألطف الأساليب وأنفعها، وأقربها إلى القلوب والعقول في دراسة الفقه الإسلامي -وبخاصة في أحكام العبادات، وفي الدراسات العامة التي تقدم الجمهور الأمة- البعد عن المصطلحات الفنية والتفريعات الفرضية، ووصلها ما أمكن بمأخذ الأدلة من الكتاب والسنة في سهولة ويسر والتنبيه على الحكم والفوائد ما أتيحت لذلك الفرصة، حتى يشعر القارئون المتفقهون بأنهم موصولون بالله ورسوله، مستفيدون في الآخرة والأولى، وفي ذلك أكبر حافز لهم على الاستزادة من المعرفة والإقبال على العلم.

وقد وفق الله الأخ الفاضل الأستاذ الشيخ السيد سابق، إلى سلوك هذا السبيل فوضع هذا الكتاب السهل المأخذ، الجم الفوائد، وأوضح فيه الأحكام الفقهية بهذا الأسلوب الجميل، فاستحق بذلك مثوبة الله إن شاء الله، وإعجاب الغيورين على هذا الدين، فجزاه الله عن دينه، ودعوته خير الجزاء ونفع به، وأجرى على يديه الخير لنفسه وللناس، آمين.

هذا وقد أجرى الله على يدي فضيلة الشيخ السيد سابق النافع من الكتب التي نفع الله بها من أمثال كتابه المتميز «العقائد الإسلامية»، الذي قام فيه بشرح وتبسيط العقيدة الإسلامية دون أن ينجرف إلى المجادلات حول القضايا الشائكة التي انجرف إليها علماء الكلام ومازال كثير من الناس يتخذونها مسلكًا وعرًا، وكتاب «إسلامنا» الذي شرح فيه فضيلته الإسلام شرحًا واضحًا شاملًا مختصرًا نفع الله به وترجم إلى كثير من اللغات، كما أن له كتبًا أخرى في معظم القضايا المعاصرة.

كما كان -رحمه الله- داعية فحلًا، فاقها لا يدخر وسعًا في الدعوة إلى الله تعالى عن علم وبصيرة، ليرشد الأجيال ويوضح الطريق، ويمنع الشرود، وكم لاقى هو وغيره من الصعاب ما لاقى في سبيل ذلك، فلم يجنح مثل غيره إلى الركون والدعة متمثلًا قول القائل:

غزلت لهم غزلًا رفيعًا فلم أجد                           لغزلي نساجًا فكسرت مغزلي

ولكنه -رحمه الله- انتقل من بلد إلى بلد، ومن موقع إلى موقع متخطيًا جحود قومه، متعاليًا عن أفعال الصغار، محتسبًا جهده وعمله عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يفقه الدور، ويعي الرسالة ويحمل التبعة وليت شعري كيف ألف هذا العبقري كتابه القمة (فقه السنة) وهو في الخامسة والعشرين من عمره، ومازال هذا السفر تتقاصر أمامه المؤلفات وتصغر عنده الجهود والأفعال، وكيف لم تستفد بلده بهذا العالم الفحل الذي ظهر ضياؤه، وطاب ذكره وثناؤه فلم يول الفتوى أو مشيخة الأزهر ولم ينل وسامًا واحدًا في بلده ومسقط رأسه أو يحتفل بعلمه أو يحتفى به قومه إلى أن مات -رحمه الله- وهذا من نكد الأمة وخسارتها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» البخاري ومسلم.

 قد لا يكون سرًا تنحية هؤلاء الأعلام عن المناصب المهمة وفتاوى الأمة، لأنه لا يماري ولا يشاري ولا يداري، ولا يبيع دينه بعرض من الحياة الدنيا، ولا تستطيع كرامته أو يطاوعه كبرياء العلماء أن يسير في الركاب ويطلق وهناك، فاختار أن يعيش معلمًا ومفقهًا لطلاب العلم الجادين المخلصين، وأن يحتفظ بدرره ولآلئه ليتقلد بها النابهون العاملون ولا ينشرها على سارحة النعم أو يقلدها القردة والخنازير، وغالي بنفسه -رحمه الله- عرفانًا بقيمتها، فعاش رضيًا، وأقبل على الله مرضيًا متزينًا بعمله، محسنًا للظن، بعيدًا عن المن رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين البخور هنا وحسن أولئك رفيقًا وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 29

130

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك ( 29)

نشر في العدد 233

114

الثلاثاء 21-يناير-1975

بسرعة

نشر في العدد 711

106

الثلاثاء 02-أبريل-1985

تذكرة للدعاة