; معالم على الطريق: عقول وأمانات ذات أعباء | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق: عقول وأمانات ذات أعباء

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-2000

مشاهدات 69

نشر في العدد 1414

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 22-أغسطس-2000

قالوا إن بلدًا من البلدان وضع قانوناً بأن من يتملك أمره ويحكمه خمس سنين يكن من حق أهله بعد ذلك أن يقصوه إلى مكان سحيق في صحراء قاحلة لا نبات فيها ولا ماء.. ليلقى فيها مصيره.

وأضرب طلاب الملك والحكم عن امتلاك هذا الكرسي الذي سيقذف بهم بعد هذه الفترة من الزمن إلى أودية الهلاك في جوف الصحراء.

ولكن رجلاً حكيمًا فطنًا تقدم إليهم بطلب هذا الملك وبقبول الشرط، على أن يطيعوه مادام فيهم حاكمًا ولا يخالفوا له أمراً، وأجابوه إلى ما طلب وبايعوه بالملك وسلموه صولجانه وتاجه وأقبلوا عليه مطيعين.. بيد أنه لم يلتفت إليهم ولم يشتغل بإقبالهم، ولكنه جعل أول رحلاته إلى هذه الصحراء يعاين بنفسه المكان الذي سيصير إليه ويفكر في المصير الذي ينتظره.

وعاد من رحلته، فكان أول ما أصدر من تعليمات أن وقع ثلاثة مراسيم:

أولها: بأن يجمع البناؤون من كل مكان ليقيموا في هذه الصحراء عمائر ومساكن وبنايات.

وثانيها: بأن يحشد البستانيون من كل مكان كذلك ليغرسوا فيها حدائق وجنات.

وثالثها: للمهندسين من كل فن أن يشقوا إليها الترع والجداول والأنهار، ويستنبطوا الماء من العيون والآبار.

ولم يمض قليل من الوقت حتى تم ذلك كله، وأنشئت مدينة بديعة الصنع رائعة الجمال مستكملة لشرائط المتعة والترف وصنوف النعيم والإيناس.

ومضى الوقت المحدود ودقت الساعة المنتظرة، وجاء أهل البلد يهرعون ليروا مصير أميرهم وليسوقوه إلى حيث ينتظره الويل والهلاك، وما كان أشد دهشتهم وأعظم حيرتهم حين رأوه قد انتقل من الخراب إلى العمران، فملكوه المدينتين وفاز بالحسنيين، ذلك مثلنا في الحياة الدنيا وفي الآخرة، حبذا لو وعيناه فعقلناه وعملنا بمقتضاه، ذلك أن الله رب الكون ومنشئه والعالم المحيط بكل ما فيه، عرض على السماوات أن تكون خليفة على كونه تدبره وتتصرف في قواه بإذن الله فأبت، وعرض على الأرض هذه المهمة فامتنعت، وعرضها على الجبال فضعفت عن حملها واعتذرت عن النهوض بها، وعرضها على الإنسان فقبلها فرحاً مسروراً غير علام بما تكلفه من أعباء وما تحمله من مشاق، إنه كان ظلوماً جهولاً، وكانت هذه المهمة مهمة التكليف المنوط بالعقل والتدبر هي «الأمانة» الأولى التي أشار إليها القران العظيم في الآية الكريمة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ (الأحزاب:72).

وبعد هذه الأمانة الأساسية تأتي بقية الأمانات.

فالعمل أمانة وحين يكلفك الرئيس او صاحب العمل عملاً خاصاً يتفق معك على أدائه فقد صار هذا العمل أمانة واجبة الرعاية وصار عليك أن تؤديه كما اتفقتما من غير نقص أو خلل، وقد قال رسول الله r «إن الله يحب إذا عمل احدكم عملاً أن يتقنه» (رواه البيهقي).

والسر أمانة فإذا أسر إليك إنسان قولاً عن نفسه أو غيره في مجلس خاص فإن من الحرام عليك أن تذيع هذا السر أو تنقل هذا القول لأقرب الناس إليك واعزهم عليك، ولهذا يقول رسول الله: «المجالس بالأمانة» (رواه أبو داود).

وحقوق الناس عندك أمانة فمن استودعك شيئاً من مال أو عرض أو أداة صغيرة أو كبيرة فقد أصبحت ذمتك مرتهنة بها حتى تؤديها لصاحبها على الحال التي تسلمتها عليه، إلا أن يأذن لك في استخدامها فتتصرف في حدود إذنه، فإن خرجت على هذه الحدود فقد خنت الأمانة، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ (النساء: ٥٨) وبشهادتك على إحقاق حق أو إبطال باطل صارت هذه الشهادة أمانة لا بد لك من أدائها. والله يقول: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: ٢٨٣). والأمانات كثيرة هذه أنواع منها، وأنت مطالب بها جميعاً، وهي من صلب الدين وصميمه، حتى قال رسول الله: «لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له» (رواه أحمد) فاحرص على أداء هذه الأمانات وتذكر دائماً قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾  (الأنفال27،28).

وأصحاب العقول في الحقيقة هم أصحاب العزائم، وأهل العزائم هم أهل النظر وأرباب النظر هم أهل الفوز والظفر والسعادة في الدارين، أما كيف يكون الإنسان صاحب عقل فهذا شيء يتطلب أن يملك الإنسان أمره، ويقهر شهوته، ويتحكم في هواه، ويزن الأمور بميزان الحق، ويقيسها بمقاييس الصدق.

وأما أن يكون الإنسان صاحب عزيمة، فهذا أمر ينبغي أن يكون الإنسان وافر الثقة بالنفس، قوي الهمة في الحق، شديد الشكيمة في الصواب، عامر الروح بالإيمان، عالي الإحساس بالمبدأ، عريض الأمل بالنصر المبين.

وأما أن يكون الإنسان من أهل النظر، فيتطلب أن يكون الإنسان محيطًا بالأمور عالماً بما ينبغي أن يكون، طويل الفكر، عميق التقدير، بعيد الغور، سليم الحس، نابه الذهن، مستنير البصيرة، فإذا بلغ الإنسان هذه المنزلة، هرول إليه الفوز وأقدم إليه الظفر، وأحاطته السعادة من كل جانب وابتسمت له الحياة وتغنت به الأيام، ورددت اسمه الأمم وفتح التاريخ له ذراعيه، ونال رضاء الله والأمة، وفاز بالحسنى وزيادة.

أما أن يعيش الإنسان لهواه ويحيا لشهوته، ويهيم مع رغباته، وينظر تحت قدمه، فإنه لابد وأن تحيط به أبالسته السيئة، وتستولي عليه نفسه الأمارة بالسوء، وتُقيَّض له شياطينه لتصده عن الخير حيثما وجد وأينما كان، لتكون عاقبة أمره خسراً، وقد بليت أمم كثيرة بهذا الصنف الأخير الذي لم يرفع إلى المعالي نفساً ولم يقدر للعواقب أمراً أو يرعى للأمانات حرمة، فشقى وأشقى، وضاع وضيع، وهلك وأهلك، نسأل الله العافية في الدين والدنيا آمين آمين.

الرابط المختصر :