; معالم على الطريق- رجال على الدرب.. محمد إقبال | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق- رجال على الدرب.. محمد إقبال

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1999

مشاهدات 80

نشر في العدد 1342

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 16-مارس-1999

بقلم: د. توفيق الواعي 

قد ترى إنسانًا، أو تقرأ عن رجل، فتحس أنه قريب إلى قلبك، حبيب إلى فؤادك، فتنشأ نجوى روح لروح، ويحدث همس قلب لقلب، ويتكون شوق نفس لنفس، ويشعر الإنسان أن بين القلبين نورًا غامرًا، وودًّا عارمًا، وهدفًا سامقًا؛ وذلك يحدث كثيرًا مع رجال الإسلام وجند الإيمان، حين يتلاقى عن قرب أو بعد على الإسلام قلبان، وتتهامس بالإيمان روحان، وتتآلف على الحق نفسان، وهذا ولا شك يحمل في ثناياه نفحة إلهية، ونزعة ربانية وصدق الله: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[الأنفال:63].

وهذا من أسرار خلود الإسلام وصموده في وجه العواصف والمحن؛ لأنه تتكاتف على نصره قوى الخير جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها، تتعاضد ملكاتهم، وتتكامل مواهبهم، فإذا كل النشاط الإنساني الفاعل في أرجاء المعمورة قائم في خدمة الإسلام، ناهض بعنايته، مشارك في حمايته، مؤيد برعايته، فيكون بذلك حيًّا، قويًا، متجددًا، باقيًا على الدهر، ناهضًا بالبشر، إلى ما تستطيع قواهم أن تناله من مثالية وسمو، ونشاط عقلي، ووجداني، وهكذا الإسلام في ماضيه البعيد، وأمسه القريب، وحاضره الشاهد، حيوية زاخرة في روحانية باهرة، وإنسانية سامية في واقعية عاملة، دنيوية كأنها تعيش أبدًا، وأخروية كأنها ستموت غدًا. 

كما أنه في إشعاعه الباهر، وإشراقه الأخاذ لأقوى وأبقى وأصلح للحياة من أن تتحكم في مده سلطة، أو تنفرد بالقول فيه مؤسسة، أو تستأثر بالدفاع عنه وتختص بالذود عن حماه طائفة أو قومية أو جنس، كلا بل إن حيويته وسحره لروح تحيا بها العقول كلها من كل لون وجنس، ويشترك في الدفاع عنه كل مؤمن ومسلم من كل لون ولغة، يقيض الله له كل حين من أهله عربًا أو عجمًا ولو لم يتسموا بسمة العلماء، أو يتزيوا بزي رجال الدين، من يكون له لسان صدق، وداعية حق، يتقدمون ليحملوا كتابه، ويرفعوا سنته، ويضيئوا شعلته، ليبصر الإنسانية بغد أسعد، ومستقبل أمجد، ولقد ظهر من هؤلاء في أرجاء المعمورة نماذج ونماذج، فقهاء وعلماء، وصلحاء وقواد وفاتحون جم غفير، وجمع كثير، وكذلك ظهر في العصر الحديث من دعاة النهضة الإسلامية العدد الوفير، من أمثال جمال الدين الأفغاني، وأبي الأعلى المودودي، ومحمد إقبال وغيرهم. 

ولقد قرأت عن محمد إقبال في صغري وشبابي، فأحسست أنني أعيش مع الرجل في أحلامه وآماله؛ لأنه كان يعيش الأمة، أزمتها ومحنتها، ويعيش التاريخ مجدًا وعزًا وبطولة، ويعيش الآمال والأحلام والروح الوثابة التي لا تعرف الحدود والقيود واليأس والقنوط، وكنا نسمع نثره وشعره المعبر عن هذا كله، فنتفاعل معه، ونحلق به، نراه يذكر أمجادنا الغابرة، ويحيي سيرنا الرائدة، التي بها ملكنا الدنيا فيقول: 

بمعابد الإفرنج كان أذاننا ** قبل الكتائب يفتح الأمصارا 

لم ننس إفريقيا ولا صحراؤها ** سجداتنا والأرض تقذف نارا 

كنا نقدم للسيوف صدورنا ** لم نخش يومًا غاشمًا جبارا 

وكأن ظل السيف ظل حديقة ** خضراء تنبت حولنا الأزهارا 

ونراه في قصيدته تلك التي تسمى شكوى يبث همه الذي تسمع فيه خفق جوانحه، وزفرات قلبه، يقول: 

شكواي أم نجواي في هذا الدجى ** ونجوم ليلي حُسدي أم عودي 

أمسيت في الماضي أعيش كأنني ** قطع الزمان طريق أمسي عن غدي 

ثم يقول: 

أشكو وفي فمي التراب وإنما ** أشكو مصاب الدين للديَّان 

يشكو لك اللهم قلب لم يعش ** إلا لحمد علاك في الأكوان 

ثم يقول مبينًا فضل المسلمين على البشرية وجهدهم في دحر الضلالات والأوهام وإعلان التوحيد: 

من قام يهتف باسم ذاتك قبلنا ** من كان يدعو الواحد القهارا 

عبدوا تماثيل الصخور وقدسوا ** من دونك الأحجار والأشجار 

عبدوا الكواكب والنجوم جهالةً ** لم يبلغوا من هديها أنوارا 

هل أعلم التوحيد داعٍ قبلنا ** وهدى الشعوب إليك والأنظارا 

ثم يقول مذكرًا الأمة بالإيمان والإسلام؛ ليقرر أن فلاحها به، وحياتها به، وهي بدونه لا شيء: 

إذا الإيمان ضاع فلا أمان ** ولا دنيا لمن لم يحيي دينا 

ومن رضي الحياة بغير دين ** فقد جعل الفناء لها قرينا 

وفي التوحيد للهمم اتحاد ** ولن تبنوا العلا متفرقينا 

تساندت الكواكب فاستقرت ** ولولا الجاذبية ما بقين 

ثم يقول: 

ألم يُبعث لأمتكم نبي ** يوحدكم على نهج الوئام 

ومصحفكم وقبلتكم جميعًا ** منار للأخوة والسلام 

وفوق الكل رحمن رحيم ** إله واحد رب الأنام 

ثم يقول: 

وكيف تغيرت بكم الليالي ** وكيف تفرقت بكم الأماني 

تركتم دين أحمد ثم عدتم ** ضحايا للهوى أو للهوان 

وكيف تقاس أوهام ولغو ** بحكمة منزل السبع المثاني 

أرى نارًا قد انقلبت رمادًا ** سوى ظل مريض من دخان 

ثم نراه - رضي الله عنه- يبشر بالصحوة الإسلامية ويرشدها ويستبشر بها فيقول: 

هي النار الجديدة ليس يلقى ** لها حطب سوى المجد القديم 

خذوا إيمان إبراهيم تنبت** لكم في النار روضات النعيم 

ويذكو من دم الشهداء ورد ** سني العطر قدسي النسيم 

ويلمع في سماء الكون لون ** من العناب مخضر الأديم 

فلا تفزع إذا المرجان أضحى ** عقودًا للبراعم والكروم 

ثم يقول: 

ولكن نخلة الإسلام تنمو ** على رغم العواصف والعوادي 

ومجدك في حمى الإسلام باقٍ ** بقاء الشمس والسبع الشداد 

وإنك يوسف في أي مصر ** يرى كنعانه كل البلاد 

رحم الله الرجال، وقرَّت عيون المجاهدين، ولا نامت أعين الجبناء. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل