; معالم على الطريق- حرائق الأمة.. من يطفئها؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق- حرائق الأمة.. من يطفئها؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الجمعة 03-سبتمبر-2004

مشاهدات 76

نشر في العدد 1616

نشر في الصفحة 47

الجمعة 03-سبتمبر-2004

كم يتمنى الإنسان اليوم أن يرتاح ولو الساعات من سماع الأخبار المزعجة أو رؤية الحوادث والنكبات المؤلمة التي تحيط بأمته وتنزل ببني جلدته وإخوانه، حتى كادت القلوب تتفطر والأكباد تتقطع، وكأني به يتمثل بقول الشاعر:

ولي كبد مقروحة من يبيعني *** بها كبدًا ليست بذات قروح

أبى الناسُ وَيْبَ الناس لا يَشترونها *** ومن يشتري ذا علة بصحيح 

واليوم يطل علينا من الحوادث ما يبعث على الأسى والحسرة، حملة وحشية يشترك فيها ما يقال لها حكومة في العراق مع قوات الاحتلال على أماكن العبادة وعلى مرقد الإمام علي في النجف. تشترك فيها كل أنواع الأسلحة من طائرات ودبابات ورواجم لتدك البيوت على أصحابها. وتدمر وتزرع الخراب والقتل، فلا تبقي بشرًا، أو حجرًا أو أثرًا، بغير ذنب أو جريرة تستدعي ذلك بعد أن تطايرت كل الدعاوى والادعاءات التي تأسست على غزو العراق، فلا أسلحة دمار شامل ولا علاقة بالقاعدة ولا ديمقراطية موعودة أقیمت.

فأي علاقة بين النجف وبين القاعدة والإرهاب، وليس هناك أسلحة دمار شامل في مرقد الإمام علي رضي الله عنه؟

وقد يزيد الأمر غرابة أن من ينسب إليهم إعطاء الأوامر بهذا العمل الشنيع، هم أحرار الأمس ومن كانوا يستنكرون جرائم صدام ومذابحه، وهم من جاؤوا ليرحموا الناس ويكفكفوا دمعهم، فكيف انقلبوا في يوم وليلة قتلة، وسفاكي دماء ولعبة في يد المستعمر، وكيف هانت عليهم دماء أمتهم وديار ذويهم، أحقًا ما يحرى الآن وما يراه الناس ويشاهدونه ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ (الذاريات 23).

ويفغر الإنسان فاه من الدهشة حين يرى الطائرات تقصف النجف أيامًا متتالية كأنها في ساحة حرب عالمية، فإذا هدأت ساحة النجف الساعات توجهت إلى الفلوجة لتروي أرضها بالدماء الزكية للأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وتشعل الحرائق في الأخضر واليابس، وكـأن صدام يسكن النجف أو الفلوجة بعد.

والغريب وما أكثر الغرائب في زماننا! هذا أنك لا تسمع استنكارًا من أحد لا من إخواننا العرب ولا من أحرارنا العجم، ولا من أصدقائنا رعاة حقوق الإنسان أو هيئة الأمم المتحدة، أو حتى الجامعة العربية الموقرة أو سلطاتنا العزيزة، وكأنهم أموات غير أحياء.

وقد أسمعت لو ناديت حيا *** ولكن لا حياة لمن تنادي 

وإذا بك وأنت في السعار النفسي تأتيك أخبار فلسطين الحبيبة ويتناهى إلى سمعك أنباء الظلم الفادح الواقع على شعبها الأبي الذي يلفهم ويحيط بهم في ليلهم ونهارهم، ويتعدى ذلك إلى أسراهم الذين تعذبهم إسرائيل خلف الأسوار، وكان عذاب الأسرى المسلمين أصبح سمة العصر للمستعمرين الجبناء والغزاة القساة سواء في جوانتانامو أو في سجن أبو غريب وغيره، أو في سجون الكيان الصهيون. وصار ذلك حديث الركبان، ومناظره وصوره تملأ القنوات والجرائد والمجلات، والضمير العالمي المتبلد يمصمص شفتيه ولا يبدي حراكًا أو بحرك ساكنًا، حتى ضاق المعذبون وضحوا وهانت عليهم الحياة، فأضربوا عن الطعام وامتنعوا عن الشراب، فزاد الباغي في صلفه وعلوه وأمعن في غيه وبغيه، وغابت عنه إنسانيته، وبرزت منه حيوانيته واستهان بكل ذلك، مما دفع أهالي الأسرى وذويهم إلى مشاركة أبنائهم هذا العذاب، ومقاسمتهم هذه المحنة، فصاموا عن الزاد كما صاموا، وهانت عليهم الحياة كما هانت على أبنائهم، وصار هناك شعب بأكمله بتعرض للخطر ويقاسي العذاب وتتعلق به أرواح الأمة بأسرها، وهل يهنأ شريف أو يقر له قرارن أو تسكن له نفس، أو يرتاح له ضمير وهو يرى هذه المأساة، وينظر إلى الأمة فيجدها كلها مقلوبة على أمرها مسلوبة إرادتها لا تستطيع حتى دفع الذباب عن نفسها، ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج73) أليس هذا شيئًا تتقطع له نياط القلوب وتضحك منه الثكلي؟!.

وبينما نحن في وسط هذه الكوابيس الهائلة، إذ بذكرى حريق المسجد الأقصى تهل علينا وتذكرنا بهوان مقدساتنا علينا وعجزنا – رغم كثرتنا – عن حمايتها والذود عنها، فضلا عن إعزازها وتقديسها، حتى إنها تحرق أمام أعيننا وتنتهك وتستغيث ولا مغيث، فيزداد العدو صلفًا وجرأة فيبدأ الحفر تحت جدرانها وتفتح الأنفاق تحت قواعدها، ويطلق البالونات الإعلامية عن قرب انهيار المسجد الأقصى حتى يهيئ الأذهان والنفوس لذلك، ولا أظن أنه يحتاج في هذا الجو المواتي وفي وسط هذه الهمم الهابطة إلى تهيئة، وما إخاله إلا قد درس نفسيات شعوب الأمة. وسيطر على سلطاتها وأفكارها، ومقدراتها. وقدر وقتل كيف قدر، ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر، ليفعل ما يشاء ويصنع ما يريد.

ولا يدري المرء ما دهى هذه الأمة، وكيف وهن جسدها وعزمها إلى هذا الحد البغيض وهذا الدرك السائل، وقد كانت قبل قليل إذا أشيع أن مكروهـًا سيحيط بالمسجد الأقصى تخرج المظاهرات الشعبية عن بكرة أبيها تجوب الآفاق في الوطن العربي وفي غيره من البلاد الإسلامية غاضبة مزمجرة، يرتج من هولها العالم حتى يكاد يحسب أن هناك زلزالًا قادمًا. أو فيضانًا آتيًا، أو عاصفة تحمل الموت الكاسح تلوح في الآفاق، وما أظن أن هذه الأمة تستطيع أن تحيا من جديد، وتبعث مرة أخرى إلا إذا رجعت إلى مصدر قوتها، ومولد طاقتها وهو القرآن والرسالة التي زرعت فيها الإيمان والعزة والكرامة وركزت فيها حب الجهاد دفاعًا عن دينها وشرفها وكيانها وهويتها، وصدق الله:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ (الأنفال: ٢٤).

وما أظن النكبات إلا وخزات وطعنات لإيقاظ المارد المخدر، والعملاق الوسنان الذي بدأ يتململ ويلوي أعناق المستعمرين، ويفتك بأجساد المغيرين، ويقلم أظفار المنافقين والضالين، ويزيح السدود، ويكسر القيود، ويحطم الأغلال وينادي: حي على الفلاح فقد طلع الإصباح وظهرت شمسه، ولن يستطيع أحد مهما كانت قوته أو تراكم ظلامه ويغيه أن يحجب نور الشمس أو يطفئ نور الإيمان، ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف 21).

الرابط المختصر :