العنوان معالم على الطريق: جحود الأفضال وتعطيل الطاقات جرائم قومية
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 10-سبتمبر-2005
مشاهدات 83
نشر في العدد 1668
نشر في الصفحة 43
السبت 10-سبتمبر-2005
الأمة المنحوسة: هي التي لا تعرف الفضل لذويها، ولا تقدر طاقاتهم ولا تكافئ هممهم، والأمة الضالة، هي التي تجازيهم بالإحسان إساءة، وبالخير شرًا، وبالمعروف إقصاء، وإبعادًا.
والأمة المجرمة هي التي تمكر بهم وتدبر لاستئصالهم، وتفتح لهم السجون والمعتقلات وتعلق المبدعين منهم والنابهين والمجاهدين على أعواد المشائق.
والأمة الخائنة هي التي تهلك بنيها لوشاية عدو، أو لإرضاء مستعمر أو دخيل أو لكسب مكانة عندهم، أو لحماية لديهم، أو لقاء فتات أو منصب صغير ذليل زائل.
كل هذه وتلك مصائب يصل مداها إلى حد جرائم الخيانة العظمى التي تتسبب في ضياع الشعوب وحرمانها بالقوة والقهر من عزائم بنيها وعقول مبدعيها، وبصيرة مثقفيها. وإذا أردنا أن ننتقل إلى الواقع وإلى التطبيق بعد التنظير وإلى المثال بعد المقال، نقول ما قرره الباحثون وشهد به المراقبون ودونه المؤرخون في السياسة العربية، إن الأمة المسلمة بعزائمها المخلصة وسواعدها القوية، ونشاطها الدؤوب قادت العالم إلى حضارة زاهرة مازال صداها يقرع أسماع التاريخ، وعطرها يفوح فوق هامات الزمن، فلما تنكبت تاهت وضلت ولما تركت جهلت وعميت.
عرف هذا الغيورون من مخلصيها والنابهون من مؤمنيها، فنادوا الأمة إلى الطريق واستدعوها إلى الجادة، وكان لهم جهدهم المشكور، وفضلهم المأجور في الإيقاظ من الغفوة، والنهوض من الوحدة. وكانت الجماعات الإسلامية هي الأكثر توهجًا وحضورًا في الفاعليات الاجتماعية والسياسية والجهادية النضالية في طول البلاد العربية وعرضها في العصر الحديث وفي المواقف الصعبة، فلا تلتفت يمينًا ولا شمالًا إلا وجدتها بكوادرها ونشطائها يتقدمون الصفوف في الملمات.
فعلوا هذا قديمًا في مواجهة الدكتاتوريات والحكم الفردي والنظام السلطوي الشمولي في مصر زمن عبد الناصر ومن بعده، وتحملوا وحدهم ثمن الدفاع عن الحريات والديمقراطية والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة لا يعجز الباحث أو المراقب عن إثباتها منذ الأربعينيات على يد الإخوان المسلمين في مصر إلى عصرنا الحاضر وعلى يد حزب الله في لبنان وحماس والجهاد الإسلامي الذين أذاقوا الصهاينة في فلسطين من نفس الكأس الذي أذا قوه لأهلها وعليه مزيد مرورًا بأحزاب وجماعات إسلامية هنا وهناك قدمت التضحيات الكثيرة والشهداء، وتحملت السجون والإقصاء والإبعاد حتى أصبحت منارات يهتدي بها المناضلون والمؤمنون، وأثبتت أن العقيدة الدينية سلاح فتاك قوي لا يضعف ولا يلين، وأن الجماعات والأحزاب بأفعالها لا بأقوالها وبأعمالها لا بشعاراتها التي لا تغني ولا تسمن من جوع.
والعلمانية على تعدد اتجاهاتها - من بعثية وقومية وتقدمية واشتراكية - لم تغن الشعوب العربية أو تنفعها أو تسد لها رمقًا، بل اكتشف الجميع أنها السراب بعينه الذي يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
والعجيب أن القيادات العربية فرحت بهذا السراب وبنت على رماله المتحركة القصور والعروش حتى خر عليهم السقف من فوقهم وهدم بنياتهم من القواعد، ورغم ذلك فهم به مستمسكون حتى أشربوا في قلوبهم العجل بعمى بصيرتهم وخبث طويتهم يتبؤون المناصب ويتصدرون المواكب ويتحدثون عن الديمقراطية وهم أشد الناس عداء لها، وعن التعددية وهم أكثر خلق الله انفرادًا واستئصالًا. والجماعات الإسلامية أشد الناس إيمانًا بالشورى وإيمانًا بالتعددية الحزبية وتداول السلطة، ولكنها ممنوعة ومتهمة بدعاوى كثيرة، وتعامل بقول قوم لوط ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (الأعراف: 82) ويوم أن يصبح الطهر جريمة يكون على الدنيا العفاء والمراد الصريح ألا يصل المصلحون إلى الحكم وألا يكون للإسلاميين ظهور في الساحة، وهذا هو مطلب الأسياد الذين يوحون إلى أتباعهم، في مصر في المغرب في المشرق في فلسطين.
ويعبر عن هذا بصراحة اليهود والأمريكان وغيرهم، ويكتب «مايكل شيهان» اليهودي المسؤول عن شعبة مكافحة الإرهاب بالخارجية الأمريكية - التي أصدرت تقريرًا في أواسط عام ۲۰۰۰م اعتبرت فيه أن الحركات الإسلامية بالمغرب العربي تمثل الطرف الأخطر على مسيرة الاندماج بين البلدان المغاربية والغرب وأنه يجب التعاون مع الحكومات لمواجهة الحركات التي تهدد الاستقرار، مشيرًا إلى رفع السلطة المغربية الإقامة الجبرية عن الشيخ عبد السلام يس، واعتبر هذا تقاربًا مع الإسلاميين، ودعا إلى عزل الأحزاب الإسلامية عن عملية التناوب السياسي وفك ارتباطهم مع أحزاب الحركة الوطنية، ودعم القوى والاتجاهات العلمانية.
وظهر أن هذا التقرير توازى مع تقرير أعدته الوكالة اليهودية تحت إشراف يهودي من أصل مغربي اسمه «سلومون أزولاي»، دعم نفس المسار، وروجت دوائر غربية أنذاك لإقصاء الإسلاميين عن الحياة السياسية، وقالت إن المغرب مهدد بالسقوط في أحضان الحركة الإسلامية، وأنه ينبغي التفكير في دفع الجيش لملء الفراغ على شاكلة النموذج التركي.
وللتو واللحظة بدأ العمل على إدخال الجماعات الإسلامية في مأزق جمة، وعمل الإعلام على تشويه الصورة الناصعة البياض، واتهام العناصر المخلصة بالعداء والتآمر على السلطة والدولة...إلخ، هذا فضلًا عن محاصرة المدارس القرآنية وتجفيف الينابيع. كما يقولون. والعمل على عزل الحركات الإسلامية وتوفير الأسباب لشل حركتها التربوية والتحكم في مسيرتها السلمية.
والعجيب أنك تجدها سياسة عامة قد اتبعت في الشرق والبلاد الإسلامية ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (الذاريات: 53)، وكانت النتيجة واحدة، وهي الدوران في فلك الانحدار والتأخر وخسران شباب الأمة وقوتها الفاعلة والوقوع في أسر وشباك الأعداء، فهل يعي هذا أصحاب العقول والألباب قبل أن تقع الكارثة ويندم الناس، ولات ساعة مندم؟، نسأل الله السلامة.. آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل