; بضاعة الكلام الرائجة وبضاعة العمل الكاسدة | مجلة المجتمع

العنوان بضاعة الكلام الرائجة وبضاعة العمل الكاسدة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1993

مشاهدات 76

نشر في العدد 1033

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 12-يناير-1993

 

 معالم على الطريق

 الفصل بين القول والعمل

الكلام يتعلمه الأطفال والأغرار ويباشرونه، ويهرف به اللاهون والكسالى ويمارسونه، لكن العمل لا يتعلمه إلا الراشدون ولا يتقنه إلا الجادون، والعمل المنتج لا يقوم به إلا الناضجون المكافحون. وإن الكلمة لتبعث ميتة وتظل هامدة مهما تكن طنانة رنانة متحمسة إذا لم تنبعث من قلب يؤمن بها. ولن يؤمن الإنسان بما يقول حقًّا إلا أن يستحيل هو ترجمة صادقة وحية لما يقول، وإذا لم يكن تجسيمًا واقعيًّا لما ينطق، عندئذ يؤمن الناس ويثق الناس وينقادون ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق؛ لأنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها، وتأخذ جمالها من صدقها لا من بريقها. إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة لأنها منبعثة من حياة، وتتحول طاقة حركة لأنها مستمدة من حركة. أما إذا كانت الكلمة سياسية أو دينية مجردة من العمل، فإنها لا تنبعث هممًا فاعلة، ولا تنهض أفكارًا ناشطة أو أخلاقًا عالية بأي حال، ولا تكون إلا كمن يضع يده تحت إبطه ليرفع جسمه عن الأرض، فإنه في الحقيقة ينشئ عملًا ولكنه لن يرتفع قيد أنملة!! من ذلك كان شر الناس هم القادة والمعلمون إذا لم تكن أخلاقهم دروسًا أخرى تعمل عملًا آخر غير الكلام، فإن أحدهم ليقوم مقام الموجه الناصح والمعلم ثم تكون حوله رذائله تعلم تعليمًا آخر من حيث لا يدري، وتعمل عملًا آخر من حيث لا يشعر!!

 آفة النصح والقدوة

وآفة النصاح هي أن يصبح النصح حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة، ولا أخوة رؤومة حانية، ولا قدوة مبدعة منتجة؛ لأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون إلى البر ويهملونه. والحقيقة أن المطابقة بين القول والفعل وبين الحقيقة والسلوك ليس أمرًا هينًا ولا طريقًا معبدًا، ولكنه في واقع الأمر يحتاج إلى رياضة وجهد ومحاولة، كما يحتاج إلى تجرد ومصابرة واستعانة برواد ونصّاح؛ فملابسات الحياة وأطماع النفوس ومبررات الأهواء قد تذهب بالمرء بعيدًا إلى شنشنات لا تفيد نفسًا ولا عصرًا.

سياسة الشعارات الزائفة

وآفة السياسة أن تصبح كذبًا وخداعًا، تصبح الكلمة فيها بغير مدلول، واللفظة بدون هدف، والثقافة بدون غاية، والتعليم بدون ثمرة، والمبادئ بدون تطبيق، والشعارات بدون أفعال، والقوانين بدون تنفيذ. أن يكون الكلام سترًا لعجز المسئول، والتصريحات غطاء لفشل القائم بالأمر، كما يكون الإعلام ببرامجه ومناشطه محاولة لصرف الأنظار عن الكوارث والفواجع والإحباطات المتتالية!! تعجب كثيرًا حينما تتصفح مبادئ كثير من أحزاب السلطة في العالم الثالث، أو تستمع إلى أقوالهم، أو تصغي إلى خطبهم وتصريحاتهم فتجد العجب العجاب، وأدعوك لتتصفح معي مثلًا من هذه الأمثلة.. مبادئ حزب البعث العراقي الحاكم حين يقرر في مبادئه ما يلي:

  • 1- رفض التقليد للنظريات الجاهزة.
  • 2- احترام حقوق الإنسان الجوهرية وأهداف الأمم المتحدة.
  • 3- احترام سيادة الشعوب.
  • 4- عدم التدخل في الشئون الداخلية للأمم.
  • 5- عدم القيام بأعمال التهديد والعدوان.

وبعد أن قرأت معي هذه المبادئ البراقة، استمع إلى ما يقول في فصل الحرية موضحًا ما تعنيه الحرية للمواطن فيقول: الحرية تعني إتاحة الفرصة أمام المواطنين للتعبير عن آرائهم والتصرف خارج ضغط القيود المفروضة فيما يتعلق بشئون مجتمعهم ومشكلات حياتهم، وتمكينهم من صنع مجتمعهم، وتمثل الحرية أحد الأهداف لحزب البعث الاشتراكي وركنًا مهمًّا من أركان نظريته القومية في بناء المجتمع المتطور القادر على توفير الحياة الكريمة للإنسان العربي، وإغناء مسيرة الحياة الإنسانية بالعطاء في كل مكان... إلخ.

 نداء للعمل

وأترك هذا الكلام وهذه الشعارات بدون تعليق؛ لأن القارئ يعيش واقعها الآن، ويعرف أكثر مني أن الواقع الأليم لسياسة هذه الشعوب يجعل الفارق بين الكلمة وبين الحقيقة مهولًا ومذهلًا، وهو سبب هذا التخلف وهذه الفواجع. وهذا يذكرنا بعبد الناصر -رحمه الله- وميثاقه الذي قال أكثر من ذلك، والذين هم على آثاره يهرعون حين قال للناس: «ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد»، فما أن رفع الناس شيئًا من رؤوسهم حتى قال كما قال الحجاج: «إني لأرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها» وحصد تلك الرؤوس.. ألا لعنة الله على الكاذبين. وما أظن أن أصحاب هذه الشعارات من أمثال هؤلاء يعرفون العمل أو يقدرون عليه. ولكن هل ستظل بضاعة العمل في أمتنا كاسدة؟ وإلى متى؟ أم يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه يجاهدون في الله ولا يخافون لومة لائم؟ نسأل الله ذلك.


الشعارات السياسية بين التنظير القيمي والتبرير الرغائبي



 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

420

الثلاثاء 24-مارس-1970

أطفالنا من هم وإلى أين؟

نشر في العدد 2

244

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!